تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2026
يحيى السنوار وإسماعيل هنية وأحمد ياسين قيادات حمساوية بارزة اغتالتها إسرائيل

استدعاء "غضب الرب"

منشور الاثنين 1 حزيران/يونيو 2026

في مؤتمر عُقد نهاية العام الماضي بجامعة تل أبيب، وعد رونين بار، الرئيس السابق لجهاز الأمن العام الإسرائيلي/الشاباك، بأن إسرائيل لن تتوقف عن ملاحقة ومحاسبة كل من تورط في التخطيط لهجوم السابع من أكتوبر على مستوطنات غلاف غزة؛ "سواء كانوا داخل القطاع أو في لبنان أو في أي مكان في العالم".

خلال كلمته التي تعهد فيها بتصفية الحساب مع قادة المقاومة الذين خططوا وأشرفوا على تنفيذ عملية "طوفان الأقصى"، استخدم بار مصطلح "ميونخ الخاصة بنا"، في إشارة مباشرة إلى عملية غضب الرب التي أطلقتها رئيسة الوزراء الإسرائيلية السابقة جولدا مائير عقب عملية ميونخ عام 1972.

سياسة الاغتيالات

تشكلت عقيدة ميونخ في أعقاب العملية التي نفذتها منظمة أيلول الأسود، في سبتمبر/أيلول 1972، واحتجزت فيها البعثة الرياضية الإسرائيلية المشاركة في دورة الألعاب الأولمبية في مدينة ميونخ الألمانية، للمطالبة بإطلاق سراح أسرى فلسطينيين وعرب.

انتهت تلك العملية بمقتل 11 إسرائيليًا، إضافة إلى شرطي ألماني و5 من أعضاء المنظمة الفلسطينية، التي انبثقت عن حركة فتح، وتدرب عدد من أعضائها في مصر نهاية ستينيات القرن الماضي.

عقب طوفان الأقصى أنشأ الشاباك وحدة خاصة للاغتيالات اسمها "نيلي" 

شكل هذا الحادث نقطة تحول كبرى في العقيدة الأمنية الإسرائيلية دفعت تل أبيب إلى تبني سياسة الاغتيالات العابرة للحدود باعتبارها أداةً لاستعادة الردع وترميم صورة الدولة التي لا تنسى ولا تسامح.

عندما صدقت جولدا مائير على عملية "غضب الرب" التي نفذ عبرها الموساد سلسلة اغتيالات ضد قيادات المنظمة الفلسطنيية في عواصم عربية وأوروبية، لخصت العقيدة الأمنية الجديدة بتعبيرها الشهير "من يسفك الدم اليهودي لن يكون في مأمن أبدًا". حينها تشكلت في إسرائيل ما عُرف بلجنة "إكس" التي تولّت اختيار الأهداف والمصادقة على تصفيتها، استنادًا على معطيات الموساد والشاباك.

على مدار نحو 16 عامًا استهدفت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية نحو 20 شخصية فلسطينية أُدرجت على لائحة الاغتيالات، في واحدة من أطول حملات الاغتيال السياسي في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي.

الآن وبعد نحو 5 عقود، تعيد إسرائيل استدعاء العقيدة ذاتها، بأسماء وأدوات مختلفة، لتحقيق الهدف نفسه الذي حددته جولدا مائير "من يسفك الدم اليهودي لن يكون في مأمن أبدًا".

ما بعد طوفان الأقصى

قبل أن ينقضي أسبوعٌ على تصريحات بار، أعلنت إسرائيل في منتصف ديسمبر/كانون الأول الماضي اغتيال القيادي البارز في كتائب القسام رائد سعد، الذي تتهمه إسرائيل بالضلوع في التخطيط لـ"طوفان الأقصى".

وبعد أقل من ستة أشهر، نفذت قوات الاحتلال داخل قطاع غزة عملية اغتيال جديدة ضد من اعتبروه المهندس الأخير وهو قائد المجلس العسكري لكتائب القسام عز الدين الحداد، ليخرج بعدها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس متفاخرين بما اعتبراه إنجازًا، يؤكدان في بيان مشترك أن "عملية الاغتيال تمثل رسالة واضحة لكل الساعين إلى قتلنا: عاجلًا أم آجلًا ستصل إليكم إسرائيل".

وعشية عيد الأضحى، نفذت عملية اغتيال كبرى استهدفت فيها قائد "القسام" الجديد محمد عودة الذي وصفه بيان جيش الاحتلال بأنه "آخر القادة الكبار" الذين أشرفوا على التخطيط لهجوم السابع من أكتوبر.

لم يكن اغتيال الحداد وخلفه مجرد عمليتين من العمليات التي تنفذها إسرائيل في غزة منتهكةً اتفاق شرم الشيخ، ولا محاولة للضغط على حماس لتقبل بنزع سلاحها، بل بدت وكأنها فصل جديد في مسلسل عقيدة تصفية الرموز ومحاولة لترميم استراتيجية الردع الذي تصدع منذ طوفان الأقصى.

الحداد الذي وصفته إسرائيل بـ"شبح القسام"، و"ذي الأرواح السبع"، لم يكن مجرد قيادي عسكري، بل أحد أبرز العقول التي أشرفت على بناء القدرات العسكرية لحماس وواحد من ضمن المجموعة الضيقة التي خططت وأشرفت على تنفيذ طوفان الأقصى.

تعامل العقل الأمني الإسرائيلي مع الحداد باعتباره هدفًا مركزيًّا، ليس فقط لأنه يمثل تجسيدًا حيًّا لفشل المنظومة الاستخباراتية والعسكرية الإسرائيلية في السابع من أكتوبر، بل لأنه نجا من محاولات اغتيال متكررة خلال الحرب وبعد اتفاق وقف إطلاق النار، فضلًا عن أنه اتّهم بإعادة ترميم بنية القسام تسليحًا وتجنيدًا، ما جعل منه رمزًا معنويًّا لكوادر الحركة.

أما عودة، ففضلًا عن أنه أحد قادة أروقة التصنيع العسكري وابتكار الأدوات القتالية لكتائب القسام، فكان أيضًا قائد ركن الاستخبارات الذي قدم المعلومات الدقيقة أثناء التخطيط لـ"طوفان الأقصى"، وظل يشغل هذا الموقع حتى تولى منصب نائب القائد العام.

مستقبل المقاومة

لكن يبدو أن إسرائيل التي تعاملت مع اغتيال قائد كتائب القسام باعتباره إنجازًا يمكنها من استعادة صورة الدولة القادرة على الوصول إلى خصومها، تناست أن كل عمليات الاغتيال التي نفذتها في حق قادة المقاومة لم تفلح في القضاء على النضال الفلسطيني.

رغم اتساع نطاقها الجغرافي والزمني، لم توقف عملية "غضب الرب" العمليات الفدائية الفلسطينية، ولم تمنع صعود أجيال جديدة من المقاومين، بل إن الكثير من الشخصيات التي اغتيلت شكلت رموزًا ملهمة داخل الوعي الفلسطيني والعربي، ما أعاد إنتاج حركات جديدة بقيادات وكوادر جديدة تسلمت راية الكفاح تنظيميًا وعسكريًا وسياسيًا.

فكما لم تؤثر سلسلة اغتيالات أبطال عملية ميونخ (الهمشري والكبسيسي وبودية والنجار وعدوان) على عقيدة المقاومة الفلسطينية، فإن عمليات اغتيال مؤسس حماس الشيخ أحمد ياسين وخليفته عبد العزيز الرنتيسي، وأبو علي مصطفى أمين عام الجبهة الشعبية، وياسر عرفات رئيس السلطة الفلسطينية، وصولًا إلى صالح العاروري وإسماعيل هنية ومحمد الضيف ويحيى السنوار، لم تثنِ الشعب الفلسطيني عن استكمال طريق التحرير.

قد تكون تلك العمليات حققت إنجازًا تكتيكيًا أو استخباريًا مؤقتًا لإسرائيل، لكنها لم تفلح في كسر إرادة الشعب الفلسطيني ومقاومته، ولم تنجح في حسم الصراع، فالأرض الفلسطينية ولّادة ولن تتوقف عن إنبات المقاومين، وكلما ارتفع منسوب الدم، اتسعت دائرة الغضب والرغبة في الانتقام، وخرجت أجيال جديدة أكثر تشبثًا بفكرة المقاومة.

ما لا تدركه إسرائيل أن الصراع لم يكن يومًا مرتبطًا بأشخاص أيًا كان وزنهم وتأثيرهم، فاغتيال الحداد وسعد، ومن قبلهم السنوار وغيرهم، لن يكون نهاية القصة، بل مجرد فصل في مسلسل الحرب المفتوحة منذ 8 عقود.

لذا فإن "ميونخ الجديدة" التي تتبناها إسرائيل، لن تنجح فيما فشلت فيه "غضب الرب" قبل نصف قرن، فالمقاومة بالنسبة للفلسطينيين ليست مجرد شخصيات أو تنظيمات، بل حالة شعب يرفض الاستسلام والهزيمة، ويتمسك بنيل حقوقه واستعادة كامل أرضه "من النهر إلى البحر".

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.