تصميم سيف الدين أحمد، المنصة 2025
أسطورة إسرائيل الكبرى وواقع مجالها الحيوي

إنكار "إسرائيل الكبرى" في خطاب "الصهيوني الوظيفي"

منشور الاثنين 20 نيسان/أبريل 2026

بينما تتبنى بعض النخب العربية خطابًا يعيد تقديم دولة الاحتلال الإسرائيلي بوصفها "دولةً طبيعيةً" في الإقليم، قابلةً للاندماج والتعايش، مع الإصرار على إنكار طبيعة مشروعها التاريخي، تتسع في المقابل داخل بعض دوائر البحث والصحافة الأوروبية قراءات أكثر عمقًا، لا تتردد في الإشارة إلى الطابع التوسعي المتجذر في البنية العقائدية والسياسية للمشروع الصهيوني.

وفيما يردد بعض مَن يُطلق عليهم، وفق توصيف المفكر الراحل عبد الوهاب المسيري، الصهاينة الوظيفيون، أن الحديث عن "إسرائيل الكبرى" ليس سوى وهم أيديولوجي، وأن دولة الاحتلال تتحرك ضمن حدود الواقع لا الخيال، جاءت افتتاحية مجلة لاسبريسو الإيطالية بملف موسع يضع سياسات الاستيطان والضم في الضفة الغربية ضمن سياق أوسع من إعادة تشكيل الجغرافيا والسيادة، فيما ذهبت صحيفة الجارديان البريطانية في أحد مقالاتها إلى ربط استدعاء مصطلح "إسرائيل الكبرى" في الخطاب السياسي الإسرائيلي، خصوصًا لدى اليمين الحاكم، برؤية تتجاوز إدارة الصراع إلى إعادة صياغة المجال الإقليمي ذاته.

إشارات من الغرب

هذا التباين لا يعكس مجرد اختلاف في التقدير السياسي بقدر ما يكشف تناقضًا حادًا بين خطاب بعض العرب، الذي يسعى إلى "تطبيع الفكرة" أي الخضوع لها أو نفي دلالاتها، وخطاب غربي أكثر مباشرة في قراءة التحولات الجارية داخل العقل السياسي الإسرائيلي.

قبل أيام، نشرت لاسبريسو الإيطالية تقريرًا موسعًا تحت عنوان "الانتهاك"، وضعت على غلافها صورةً لمستوطن إسرائيلي يرتدي زيًا عسكريًا وهو يلتقط صورة لامرأة فلسطينية في حالة ضيق. رافق التقرير نص يلخص مسارًا تصعيديًا في المنطقة جاء فيه "احتلال الضفة الغربية جرى بمساعدة الجنود الذين يتعاونون مع المستوطنين.. دُمرت غزة.. تم التوسع في لبنان.. انتُهكت الحدود في سوريا.. حُوربت إيران.. ارتُكبت أعمال تطهير عرقي ومجازر. هكذا يشكل اليمين الصهيوني إسرائيل الكبرى".

مستوطن صهيوني بزي عسكري يواجه مواطنة فلسطينية

ربط التقرير، الذي كتبته الصحفية أنجيولا كوداتشي بيسانيلي، بين سياسات إساءة استخدام القوة والاستغلال السياسي وما يجري في الإقليم حاليًا.

أما الجارديان البريطانية فنشرت الأسبوع الماضي مقالًا تناول مفهوم "إسرائيل الكبرى" في فكر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحلفائه في اليمين الصهيوني.

يذهب كاتبه دانيال ليفي إلى أن استحضار هذا المصطلح لا يقتصر على كونه تعبيرًا رمزيًا، بل يرتبط بسلوك سياسي وعسكري يعكس نزعة توسعية متجذرة في المشروع الصهيوني منذ نشأته، تجلت في سياسات تهجير الفلسطينيين وتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية، وتسارعت بشكل غير مسبوق خلال الحرب على غزة.

لا يتعامل المقال مع "إسرائيل الكبرى"، وفق التصور اليميني، بوصفها مجرد مشروع ضم أراضٍ، بل رؤية لإعادة تشكيل النظام الإقليمي عبر بناء تحالفات جديدة تجعل إسرائيل مركزًا لنظام إقليمي واسع، مدعومًا بالقوة العسكرية والعلاقات الدولية، خاصة في ظل التحولات التي أعقبت حرب غزة وما بعدها.

يشير كذلك إلى أن هذا المشروع يتقاطع مع تصورات داخل دوائر أمنية إسرائيلية ترى أن إضعاف إيران وإعادة ترتيب دول الخليج ضمن منظومة أمنية واقتصادية جديدة، من شأنه تعزيز موقع إسرائيل قوةً إقليميةً مهيمنةً، في إطار رؤية أوسع لإعادة هندسة توازنات الشرق الأوسط.

ليس وهمًا

إن مقاربة فكرة "إسرائيل الكبرى"، باعتبارها مجرد خرافة دعائية أو اختراع أيديولوجي مضاد، تتجاهل بنية فكرية ممتدة داخل المشروع الصهيوني منذ تشكله الأول، حيث لم تكن حدود الدولة المنشودة في التصور الصهيوني المبكر محصورةً في فلسطين التاريخية بالمعنى الضيق، بل ارتبطت بتصورات دينية وتاريخية وسياسية عن "أرض الميعاد" و"إسرائيل الكاملة"، وهي تصورات رغم اختلاف درجات حضورها ظلت حاضرة في خلفية التفكير السياسي والحركي للحركة الصهيونية منذ بداياتها.

لم يعد الحديث عن "إسرائيل الكبرى" حبيس الأدبيات أو الدوائر الدينية

ومنذ تأسيس الكيان عام 1948، لم تختفِ هذه التصورات من المجال الفكري الإسرائيلي، بل أُعيد إنتاجها داخل تيارات متعددة، بعضها ديني قومي يرى في التوسع الجغرافي جزءًا من تحقيق وعد تاريخي، وبعضها استراتيجي أمني يتعامل مع "العمق الإقليمي" باعتباره شرطًا لبقاء الدولة واستقرارها، ما جعل فكرة المجال الحيوي أو الحدود القابلة للتمدد جزءًا من التفكير الأمني والسياسي المتكرر، وإن كانت بصيغ متفاوتة.

يؤمن بنيامين نتنياهو ومعه النخب الصهيونية المتطرفة، وبشكل عقائدي، بأن الضفة الغربية التي يطلقون عليها الاسم التوراتي "يهودا والسامرة" جزءٌ لا يتجزأ من دولتهم، كما يعتقدون بإمكانية إقامة "الهيكل" المزعوم على أنقاض المسجد الأقصى، ويطمح هؤلاء إلى تمدد الدولة الإسرائيلية حتى تضم كامل الأراضي بين النيل والفرات.

فعبارة "بين البحر والأردن لن تكون هناك سوى السيادة الإسرائيلية"، الواردة في برنامج حزب الليكود عام 1977، تكشف بوضوح طريقة التفكير التي ترى أن حدود إسرائيل مؤقتة وقابلة للتمدد؛ أما أحزاب اليمين الديني في الائتلاف الحاكم فتذهب أبعد من ذلك، معلنة، دون مواربة، أن مشروعها يمتد من "الفرات إلى النيل".

منذ "طوفان الأقصى" وما تلاه، لم يعد الحديث عن "إسرائيل الكبرى" حبيس الأدبيات أو الدوائر الدينية، بل أصبح حاضرًا في الخطاب العلني للنخب السياسية الإسرائيلية، سواء عبر تصريحات أو عبر مقاربات استراتيجية تتحدث عن "إعادة صياغة البيئة الإقليمية" و"تغيير خرائط الشرق الأوسط".

ففي أغسطس/آب الماضي، أعلن وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين أنه "بين البحر والنهر لن تكون هناك دولة سوى إسرائيل"، أما الوزيران بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير فيعتقدان أن دولتهما ستشمل مساحات كبيرة من دول الطوق، وهو ما ألمح إليه رئيس الوزراء خلال لقاء مصور، في تصريحات تعكس توجهات النخبة السياسية الإسرائيلية التي ترى أن تحقيق "إسرائيل الكبرى" يمر عبر السيطرة على فلسطين التاريخية وإخضاع محيطها الإقليمي.

في هذا الإطار، تصبح بعض القراءات الغربية، مثل ما ورد في "الجارديان" وملف "لاسبريسو"، كاشفةً لتحولات في طريقة إدراك الغرب ذاته للدولة التي أسستها قوى الاستعمار الأوروبي قبل أكثر من ثمانية عقود.

إن ما حذر منه الكاتب والمفاوض الإسرائيلي البريطاني دانيال ليفي في "الجارديان" بشأن تداعيات هذا المسار يستدعي التوقف، فإذا كان الرجل يرى أن التوجه الحربي المتجذر في الطبقة السياسية الإسرائيلية ينطوي على مخاطر جسيمة على إسرائيل، فالأحرى بنا أن نكون أكثر حذرًا وحيطةً، فنخبة الحكم الحالية في الكيان لن توقف آلة الحرب، وكلما هدأت جبهة ستسارع إلى فتح جبهة جديدة.

في النهاية، فإن تجاهل التحول الذي طرأ على الاستراتيجية الإسرائيلية والمشروع الذي تسعى إلى تدشينه في الشرق الأوسط يمثل قدرًا من التبسيط الذي لا يمكن تحمله؛ فإسرائيل، وفق مسارها الحالي، تتحرك ضمن رؤية توسعية لا تخفي طموحها، فيما يوفر الدعم الأمريكي، خاصة في ظل إدارة تتقاطع رؤاها مع اليمين الإسرائيلي غطاءً سياسيًّا وعسكريًا لهذا المسار.

إذا لم تدرك الأنظمة العربية خطورةَ هذا التحول، فلن يسلم أحدٌ من جنون إسرائيل الذي بلغ مداه، وطموحها اللا محدود، الذي يدعمه الرئيس الأمريكي وإدارته المتطرفة ضد كل ما هو عربي وإسلامي.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.