تصميم أحمد بلال- المنصة
بعد أسابيع من سيطرة طالبان على الحكم كانت المرأة هدفها الأول

"طالبان" في قلب أوروبا.. مقايضة التطبيع بالترحيل

كيف تسعى الحركة لكسر عزلتها دون تقديم تنازلات؟

منشور الاثنين 27 تموز/يوليو 2026

في الشهر الماضي، منحت بلجيكا وفدَ حركة طالبان تأشيرة ليوم واحد من أجل النفاذ إلى مقر الاتحاد الأوروبي تلبيةً للدعوة التي تلقتها حركة أفغانستان الإسلامية غير المعترف بها دوليًّا.

منذ دخولها كابول مع انهيار الحكومة المدعومة من الغرب، في أغسطس/آب 2021، تزامنًا مع انسحاب القوات الأمريكية، وسيطرتها على مؤسسات الدولة، لم تُدعَ طالبان إلى بروكسل سوى هذه المرة، لا بوصفها حكومةً معترفًا بها، بل باعتبارها شريكًا تحتاجه أوروبا لترحيل مواطنين أفغان. وهي زيارة تكشف كيف يدفع ملف الهجرة الاتحادَ إلى التعامل مع سلطات أمر واقع يرفض الاعتراف بها سياسيًّا بسبب سجلها الحقوقي.

وصل وفد طالبان في 23 يونيو/حزيران 2026 إلى بروكسل، مقر الاتحاد الأوروبي، لإجراء مباحثات مع مسؤولين من المفوضية الأوروبية وعدد من الدول الأعضاء.

وبينما قال المتحدث باسم وزارة الخارجية في حكومة طالبان، وعضو الوفد المشارك، عبد القهار بلخي، فإن الزيارة ركزت على "استئناف تقديم مجموعة واسعة من الخدمات القنصلية للأفغان في دول الاتحاد الأوروبي"، كما ناقشت "الحاجة إلى إجراءات لبناء الثقة، ووجود قنصلي، وعملية عودة كريمة"، صرح متحدثون باسم المفوضية بأن الزيارة جاءت بناءً على دعوة منها واستجابةً لطلب 19 دولة عضوًا، إضافة إلى النرويج، بهدف فتح قنوات اتصال مع طالبان لتسهيل إعادة أفغان صدرت بحقهم إدانات جنائية أو تورطوا في جرائم خطيرة.

أشار المسؤولون إلى أن هذا المسار الذي بدأ في يناير/كانون الثاني 2026، مع اجتماع في كابول ضم بعثة المفوضية مع مسؤولين من طالبان، استدعى ترتب المفوضية للقاء المتابعة في بروكسل.

خيط بين "التقني" و"السياسي"

ناشط يرفع لافتة تكالب المفوضية الأوروبية برفض صفقة ترحيل المهاجرين مع طالبان، 23 يونيو 2026

كما هو متوقع أثارت الزيارة انتقادات منظمات حقوقية ونواب أوروبيين ومجموعات أفغانية ودولية، رأوا فيها خطوةً تمنح طالبان شرعيةً سياسيةً من بوابة الهجرة، هذا على الرغم من استمرار القيود القاسية التي تفرضها على النساء والفتيات، والمخاوف من تعريض المرحلين إلى أفغانستان لخطر الانتهاكات.

إذ يظل السجل الحقوقي أحد أكبر عوائق الاعتراف بطالبان، التي على الأخص فرضت نظامًا شديد العداء للنساء، دفع خبراء أمميين ومنظمات حقوقية إلى وصفه بأنه شكل من "الأبارتايد على أساس النوع الاجتماعي".

ومع إصرار المفوضية الأوروبية على أن اللقاء "فني" ولا يمثل اعترافًا رسميًّا بحكم طالبان، فإن الانتقادات توجّهت إلى أن هذا الفصل بين "التقني" و"السياسي" هشٌّ، ومن الصعب تجاهل رمزية الزيارة سياسيًّا؛ خصوصًا وأن ممثلي الحركة سيجلسون على طاولة التفاوض بعاصمة الاتحاد الأوروبي ليناقشوا ملف الهجرة؛ أهم محركات السياسة الأوروبية.

أصبح الترحيل جزءًا من لغة السياسة الأوروبية العلنية لا مجرد إجراء إداري ينفذ بعيدًا عن المجال العام

لم تعد الهجرة ملفًا فرعيًّا في علاقات الاتحاد الخارجية، إنما باتت الورقة المركزية في علاقته بدول المنشأ والعبور، حتى بسلطات الأمر الواقع غير المعترف بها دوليًا. 

منذ أزمة اللاجئين عام 2015، وبروكسل تنظر للهجرة كاختبارٍ لقدرتها على حماية حدودها، واحتواء صعود اليمين المتطرف، والحفاظ على تماسكها الداخلي، وليس بوصفها مسألة إنسانية أو إدارية فحسب. عليه أصبحت مكافحة الهجرة غير النظامية، وتسريع الترحيل، والتعاون مع دول المنشأ والعبور، شروطًا غير معلنة في كثير من الشراكات الأوروبية، وباتت ملفات المساعدات والتجارة والتأشيرات والتعاون الأمني والانفتاح الدبلوماسي، تدار جزئيًا، على الأقل، من زاوية قدرة الدولة أو السلطة المعنية على منع وصول المهاجرين أو قبول عودتهم.

هذا التحول تجلى بوضوحٍ في إقرار البرلمان الأوروبي، في يونيو 2026، تعديلات تسمح بتسهيل احتجاز المهاجرين غير النظاميين، بما في ذلك في مراكز خارج أوروبا، وتسريع إجراءات العودة. خلال التصويت، ردد حشدٌ من نواب اليمين السياسي الأوروبي هتافات تطالب بإعادة المهاجرين إلى بلدانهم، في مشهد يلخص إلى أي حد أصبح الترحيل جزءًا من لغة السياسة الأوروبية العلنية، لا مجرد إجراء إداري ينفذ بعيدًا عن المجال العام.

برجماتية "خذ العالم كما هو"

في هذا السياق، يبدو تعبير رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، خلال كلمتها في اجتماع سفراء الاتحاد الأوروبي في فبراير/شباط من العام الماضي، عن أهمية "التعامل مع العالم كما هو"، انعكاسًا لمنطق أوروبي آخذ في الصعود، يبدأ من تقدير عملي مفاده أن لا بديل واقعيًّا لحكم طالبان في المستقبل القريب، ولا رغبة غربية كذلك في الانخراط مجددًا في أفغانستان بعد حرب امتدت عشرين عامًا وانتهت بعودة الحركة إلى السلطة.

تسعى طالبان إلى تحويل ملف الهجرة والترحيل إلى مدخل عملي لكسر عزلتها

من هذا المنظور، يصبح التعامل مع طالبان، ولو تحت عنوان فني محدود، خيارًا عمليًّا إذا أرادت أوروبا تنفيذ سياسات العودة التي تتبناها. كما أن الحركة الإسلامية ليست أول جهة غير معترف بها تجد أوروبا نفسها مضطرة إلى التعامل معها تحت ضغط ملف الهجرة، ففي يوليو/تموز 2025، حاول مفوض الهجرة الأوروبي ماجنوس برونر، برفقة وزراء من إيطاليا ومالطا واليونان، زيارة بنغازي للقاء سلطات شرق ليبيا المرتبطة بخليفة حفتر، على خلفية زيادة حركة الهجرة من السواحل الشرقية الليبية نحو اليونان.

ورغم فشل الزيارة الأوروبية لشرق ليبيا بسبب “خلافات بروتوكولية”، فإنها كشفت منطقًا أوروبيًّا بات مألوفًا؛ حين تصبح السيطرة على مسارات الهجرة أولوية، يتراجع سؤال الاعتراف القانوني إلى الخلف، ويغدو التعامل مع سلطات الأمر الواقع خيارًا عمليًا، حتى لو منحها ذلك وزنًا سياسيًا لا تملكه رسميًا.

النفوذ من بوابة "الهجرة"

من جهة طالبان، تبدو الهجرة فرصةً سياسيةً يجب اغتنامها. فالحركة التي بسطت سيطرتها على معظم الأراضي الأفغانية، فشلت في انتزاع اعتراف دولي واسع باستثناء روسيا، التي أصبحت في 2025 أول دولة تعترف رسميًا بحكومة طالبان.

وحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بلغ عدد اللاجئين الأفغان وغيرهم من المحتاجين إلى حماية دولية نحو 3.7 ملايين شخص بنهاية 2025، معظمهم يتمركزون في إيران وباكستان. أما في أوروبا، فالأفغان ثاني أكثر الجنسيات حضورًا في أنظمة اللجوء داخل دول الاتحاد الأوروبي والدول المرتبطة بشنجن خلال 2025، بعد الفنزويليين، كما سجل المكتب الإحصائي الرسمي للاتحاد الأوروبي وجود 60 ألف أفغاني دون إقامة قانونية داخل الاتحاد في العام نفسه.

​مجموعة من النساء الأفغانيات يرتدين النقاب في أحد مناطق أفغانستان، 2 مارس 2023 ​

في هذا السياق، تسعى طالبان إلى تحويل ملف الهجرة والترحيل إلى مدخل عملي لكسر عزلتها، من دون تقديم تنازلات جوهرية في ملفات حقوق الإنسان، خصوصًا حقوق النساء.

كما أن الحركة تدرك أن علاقاتها مع روسيا والصين ودول الجوار لا تعوض بالكامل الخسائر المالية والدبلوماسية التي خلفها توقف المساعدات الغربية وتجميد الأصول والعقوبات. لذلك ترى في الضغوط الأوروبية المتزايدة لترحيل الأفغان المرفوضة طلباتهم فرصة لبناء قنوات اتصال مباشرة مع الحكومات الغربية، وتقديم نفسها شريكًا لا يمكن تجاوزه في إدارة الهجرة وضبط الأمن.

بالفعل، نجحت طالبان في اختراق جزء من عزلتها داخل أوروبا عبر المسار الألماني. فمنذ يوليو 2025، رحّلت برلين عشرات الأفغان المدانين جنائيًّا إلى كابول، بالتنسيق مع قطر، قبل أن تتجه لاحقًا إلى بحث تنسيق مباشر أوسع مع طالبان في ملف العائدين. في موازاة ذلك، قبلت ألمانيا اعتماد مسؤولين قنصليين مرتبطين بطالبان للعمل داخل البعثات الأفغانية في برلين وبون، ما منح الحركة موطئ قدم مؤسسيًّا داخل التمثيل القنصلي الأفغاني في ألمانيا، فيما أشارت تقارير إعلامية لاحقة إلى قبول ممثلين إضافيين لها.

خارج الاتحاد الأوروبي، طرح حزب الإصلاح البريطاني بقيادة نايجل فاراج أفكارًا مشابهة تقوم على تمويل اتفاقات عودة مع حكومات وسلطات، بما في ذلك طالبان، مقابل قبول المرحلين.

من هنا تكتسب بروكسل أهميةً خاصةً بالنسبة إلى الحركة، بالأخص وأنها لا تسيطر على السفارة الأفغانية هناك، ولا تملك تمثيلًا مباشرًا في أغلب العواصم الأوروبية، ما يجعل التعاون في ملف الترحيل مدخلًا محتملًا لتوسيع حضورها القنصلي والسياسي.

في هذا المعنى، تكشف زيارة بروكسل ما هو أبعد من العلاقة بين أوروبا وطالبان، فهي تبين كيف باتت العودة والترحيل وضبط الحدود أوراق ضغط تتيح لحكومات وسلطات الأمر الواقع، من ليبيا إلى أفغانستان، مقايضة تعاونها بأشكال مختلفة من الدعم أو الاعتراف أو الانفتاح الدبلوماسي. لم يعد الطريق إلى التطبيع يبدأ من حقوق الإنسان أو مكافحة الإرهاب، بل من سؤال أضيق ولكن أكثر تأثيرًا في السياسة الأوروبية الراهنة هو: من يقبل المرحلين؟