تصوير إيناس مرزوق، المنصة
خالد علي في حواره مع المنصة في مقرها بالقاهرة، يونيو 2026

حوار| خالد علي: سُلطة 30 يونيو فشلت حتى في القضاء على الإخوان

منشور الأربعاء 1 تموز/يوليو 2026

"30 يونيو رسالة واضحة، كما 25 يناير قبلها: إذا لم تستمع السلطة لصوت الناس فسيحدث تغيير، بغض النظر عما سيُسفر عنه هذا التغيير، وسواء كان في مصلحة الناس أم لا، سيحدث حتمًا".

هذه الخلاصة التي وردت على لسان المحامي اليساري والمرشح الرئاسي السابق خالد علي في حواره مع المنصة. بعد 13 عامًا على احتجاجات 30 يونيو، يذكرنا بتيارٍ ثالثٍ كان من رموزه؛ رفضَ التمترس خلف أيٍّ من قطبي الأزمة في لحظة الانقسام الكبير بين تحالف جبهة الإنقاذ مع المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية من جهة، وجماعة الإخوان المسلمين وحلفائها من جهة أخرى.

واليوم، بعدما مرَّت السنوات ولم ينتهِ الانقسام، يعود خالد علي ليقرأ المشهد الحالي على ضوء انقسام 30 يونيو، حين أهدر الرئيس الراحل محمد مرسي كل الفرص المتاحة لتلافي الانفجار، فاختارت جبهة الإنقاذ ترسيخ السلطة السياسية للمؤسسة العسكرية، ليُضيغ الطرفان فرص تحقيق مبادئ ثورة يناير من حرية وعدالة وديمقراطية وتداول للسلطة، ويصلان بمصر إلى لحظة تعيش فيها "على فوّهة انفجار من غضب اجتماعي موجود.. متى سيخرج؟ الله أعلم. وفي أي صورة وشكل وما أسبابه؟ الله أعلم أيضًا".

الزميلان دينا سمك ومصطفى بسيوني في حوار مع خالد علي بمقر المنصة، 23 يونيو 2026

لا عسكر ولا إخوان

لم يكن الابتعاد عن قطبي الأزمة في 30 يونيو خيار خالد علي وحده، فهذا التيار كان موجودًا بالفعل في الشارع المصري، واختط لنفسه مسارًا ثالثًا مفارقًا للمسارين؛ "لأنه لم يشعر أن الإخوان المسلمين كانوا يسيرون بالبلاد في المسار الذي كنا نتمنى، خاصة بعد الإعلان الدستوري. كان هذا واضحًا لدرجة أن عددًا مهمًا جدًا من المستشارين الذين عملوا مع الدكتور محمد مرسي في الرئاسة، من أطياف سياسية مختلفة، استقالوا لأنهم رأوا أن هذا ليس المسار الصحيح الذي يمكن أن يحقق مطالب الثورة. من الناحية الأخرى، كان هناك مسارُ جبهة الإنقاذ، وكان هناك تحالف واضح بينها وبين المؤسسة العسكرية".

منذ الثمانينيات نشط خالد علي كمحامٍ عماليٍّ يساريٍّ، وتصدى للعديد من القضايا العمالية الرئيسية مثل الحد الأدنى للأجور ومناهضة الخصخصة واستقلال النقابات. وعقب ثورة يناير خاض انتخابات الرئاسة كأصغر مرشح، وشهدت حملته دعمًا واسعًا من شباب التيارات الشابة. كما انضم لحزب التحالف الشعبي الاشتراكي في تأسيسه، وانسحب منه لاحقًا وسعى لتأسيس حزب "العيش والحرية" اليساري أيضًا.

ومع تولّي مرسي رئاسته في يونيو/حزيران 2012، حسم هذا التيار موقفه الرافض للحكم الجديد، بالأخص الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس الراحل مرسي في 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2012 مانحًا لنفسه صلاحيات واسعة، ما مثّل نقطةً فاصلةً في موقف الكثير من القوى السياسية من حكمه، والأهم أنه أنعش المخاوف من أخونة الدولة، ليس بين السياسيين فقط، لكن لدى قطاعات في الشارع المصري خاصة المسيحيين.

تقديري أن الدعوة إلى انتخابات رئاسية مبكرة كانت كافيةً لتغيير  المشهد كله، حتى قبل الوصول إلى لحظة 30 يونيو

هذه المخاوف التي راودت الجميع، اختار البعض مواجهتها بتحالف جبهة الإنقاذ التي تشكلت يوم "إعلان مرسي الدستوري" في رد فعل مباشر، ولم يكن تحالفها مع المؤسسة العسكرية وقتها واضحًا برأي خالد علي، الذي يراه اليوم أكثر وضوحًا؛ "الآن عندما تسمع حوارات بعض رؤساء الأحزاب تكتشف أنه كانت هناك اتصالات تليفونية، ولقاءات بعيدة عن اجتماعاتها كانت تتم في شأن جبهة الإنقاذ وفي شأن القرارات اللي مفروض تخرج بها هذه الجبهة".

الأمر نفسه يراه علي فيما يخص حركة تمرد التي  تأسست 20 أبريل/نيسان 2013، وتحوّلت من "مبادرة شبابية مهمة إلى أداة وُضعت في إطار يسير في نفس الاتجاه".

هكذا يحدد المحامي الحقوقي والسياسي اليساري كيف تشكل التيار الثالث بين المسارين؛ "الإخوان، وجبهة الإنقاذ، وبينهما الناس العاديون في الشارع الذين يرون أن هذا المسار غير صحيح ويريدون تغييرًا حقيقيًّا"، مؤكدًا أن ما يميز التيار الثالث قدرتُه على تحليل الوضع بشكل أعمق، ورفضه الجدي لتدخل المؤسسة العسكرية في المرحلة الانتقالية، بالإضافة لرفضه فلول نظام مبارك.

محطات السقوط

من المظاهرات المطالبة برحيل مرسي في 30 يونيو 2013.

يتوسع خالد علي في الحديث عمّا قبل لحظة 30 يونيو، مسترجعًا أحداث ذلك العام الساخن، والمواقف المتتالية للإخوان المسلمين التي أدت لفقدان الثقة فيهم، ويحدد ما يطلق عليه "محطات صادمة" في حكم محمد مرسي؛ "لم تكن صادمة لنا وحدنا أو للشارع فقط، بل كانت صادمة أيضًا للمستشارين أنفسهم، وأقصد المجموعة من التيار المدني التي قبلت أن تكون موجودة في إدارة شؤون البلاد بالقرب من الدكتور محمد مرسي، وتحملت تكلفة ذلك، لكنها مع الوقت رأت أنه يصعب عليها الاستمرار في هذا المسار".

يرى علي أن أبرز تلك المحطات ما جرى في استاد القاهرة، حين أعلن مرسي عن قطع العلاقات مع سوريا؛ "بشار الأسد كان يُلقي القنابل والبراميل على الشعب السوري، وثمة ثورة سورية موجودة. لكن في نهاية المطاف، أنك لا تُعلن قطع العلاقات مع دولة في استاد القاهرة وسط مؤتمر حشدت فيه أنصارك. هذا ملمح مهم في كيفية إدارة الدولة، لأن في مثل هذا الأمر اعتبارات كثيرة تتصل بعلاقات الدول ببعضها من ناحية، و(علاقات) الشعوب من ناحية أخرى".

يعود خالد علي مرة أخرى لمحطة الإعلان الدستوري "الذي أُصدر بصيغة أنه لا يجوز الطعن عليه بأي شكل من الأشكال، حتى أن جزءًا من القضاء المستقل، لا الإخوان ولا المرتبطين بمبارك، هاجم هذا الإعلان الدستوري".

يُذكّرنا أيضًا باجتماع مناقشة ملف سد النهضة "الذي بُثّ على الهواء مباشرة"، وأثار إشكاليات واضحة. ثم المسار الاقتصادي؛ فـ"الخطاب الاقتصادي لقيادات الإخوان أيام مبارك لم يكن يختلف عن الخطاب الاقتصادي لأحمد عز".

يؤكد أن طريقة تعامل الإخوان مع ملفات بهذا الحجم والأهمية بيّنت أنهم لم يكونوا مستعدين، يضيف لذلك طريقة تشكيل اللجنة التأسيسية لكتابة الدستور؛ "أنا واحد من الناس اللي رفعت دعوى قضائية على اللجنة اللي شكلها الدكتور محمد مرسي لإعداد الدستور وأخدت حكم من القضاء الإداري بإعادة تشكيل هذه اللجنة حتى يكون هناك توازن أفضل".

أمام كل تلك المواقف، يشدد السياسي اليساري على أنهم لم يستخدموا إلا الأدوات السياسية في الحراك؛ "بهذه الأدوات السياسية بنعبر عن رفضنا وما كناش ضد إن يبقى فيه تطور في رؤية الإخوة لكيفية إدارة الدولة"؛ مشيرًا إلى أن "الإخوان ضيعوا المرحلة من يناير/كانون الثاني حتى مايو/أيار، التي مثلت مساحة مهمة جدًا ليحللوا فيها الوضع، ويلتفتوا للغضب الموجود داخل الكتل السياسية المنتمية للثورة، ويبدأوا في بناء توافق حول العناصر الخلافية التي تراكمت".

لم يلتفت النظام الحاكم لكل النداءات، وأهدر كل الفرض، حسب خالد علي الذي يرى أن مشهد 30 يونيو جاء محصلة لما سبقه؛ "الأمر ليس مرتبطًا بـ30 يونيو وحدها. 30 يونيو كانت لحظة الذروة والفوران الأخير، لكن ما قبلها كان الأهم".

الصلف الإخواني

على مشارف يونيو 2013، ضاقت الخيارات أمام الإخوان في خضم الحراك المتصاعد، رغم ذلك يرى خالد علي أن النجاة من المأزق لم تكن مستحيلة؛ "تقديري أن الدعوة إلى انتخابات رئاسية مبكرة كانت كافيةً لتغيير  المشهد كله، حتى قبل الوصول إلى لحظة 30 يونيو. فالشارع المصري في تلك الفترة كان يخرج للتظاهر تقريبًا كل يوم، والإخوان كانوا يفقدون يوميًّا جزءًا من حلفائهم. كان ذلك مؤشرًا لا يمكن تجاهله".

يدرك المرشح الرئاسي السابق أن خيار التخلي عن السلطة ليس سهلًا بالنسبة لتيار سياسي كبير بحجم الإخوان، لكنه يشير إلى صعوبة باقي الخيارات؛ "أمامك في مثل هذه الحالات أحد مسارين: إما قراءة الواقع وفهم الرفض الذي تشكّل ضدك تنظيميًا وجماهيريًا والسعي لفضّ هذا الأمر، أو التجاهل والتمسك بشرعية الصندوق".

مهما حد يحلف أنه ما كانش فيه تنسيق بين جبهة الإنقاذ والمؤسسة العسكرية، مش هاصدّق

يرى خالد علي أن "الإخوان اختاروا المسار الثاني دون الالتفات للمؤشرات الكبيرة الموجودة في الشارع. المعارضة لمرسي في الشارع كانت كبيرة فعلًا، وكان لها ظهير شعبي ولم تكن مصطنعة". ويعتبر إعادة تشكيل الحكومة فرصةً أخرى مهدرةً، بعد فرصة الدعوة لانتخابات مبكرة، كان بإمكانها التخفيف من حدة الأزمة؛ "الإخوان أبقوا على الدكتور هشام قنديل رئيسًا للوزراء، وكان ذلك في حد ذاته تعبيرًا عن التحدي والصلف".

ورغم ما أشيع عن رفض القوى المدنية التعاون مع محمد مرسي، يرى المرشح الرئاسي السابق أن قليلًا من المرونة من الإخوان المسلمين كان من شأنها أن تدفع البعض للتعاون إذا كانت هناك عروض جادة لذلك؛ "لو جاءني أحدهم وقال إن المؤشرات صعبة وتُهدد مطالب الثورة، وإننا ندرك أننا وقعنا في بعض الأخطاء، ونحتاج إلى إعادة التحام قوى الثورة، ونطلب منكم المشاركة في تشكيل الحكومة، ومستعدون ألا نكون وحدنا فيها بل وألا نكون الأغلبية، بمنطق تقديم بادرة حسن نية لفكرة الشراكة التي كان الكل يتحدث عنها، أعتقد أن هذه الطريقة كانت مشجعة للقبول وكانت ستخلق عنصرًا داعمًا في وسط الأزمة".

لم ينحصر الصراع في الاتحادية وميدان التحرير؛ يحاول خالد علي بناءَ صورة أوسع للأزمة التي عاشتها البلاد ولم يدرك الإخوان أبعادها كاملة؛ "كنا دائمًا ننظر إلى الصراع من فوق، ولم ننظر إليه من تحت. الصراع في القُرى كان شرسًا؛ مجموعات الإخوان سيطرت على مراكز الشباب وجمعيات تنمية المجتمع، وكان صراعها مريرًا في القرى والكفور مع مجموعات الحزب الوطني من جهة، وشباب الثورة المحسوبين على التيار المدني من جهة أخرى. وكان هناك تعبير واضح عن فكرة نشر أكبر قدر من الإخوان داخل جسم الدولة وداخل كل الهياكل التنظيمية الموجودة في المجتمع".

ورغم أن وصول أي حزب للحكم عبر الصندوق يمنحه شرعية تولي مختلف المناصب السياسية والتنفيذية في الدولة، فإن هذا الوضع لا يصح حين يأتي في أعقاب ثورة كثورة يناير، كما يرى خالد علي؛ "لم تأتِ بمفردك؛ أنت تعبير عن حالة جماعية لمجموعات متنوعة لها حد أدنى من المطالب. والتعبير عن هذه المجموعات يستلزم ضرورة وجود شراكة في الحكم، لأنك في مرحلة انتقالية ينبغي أن تُشعِر فيها كل أطراف الثورة بأنها جزءٌ من هذه المرحلة وتتحمل فيها المسؤولية".

صورة أرشيفية للرئيس الراحل محمد مرسي ووزير الدفاع الفريق أول عبد الفتاح السيسي ورئيس الأركان الفريق صدقي صبحي أثناء زيارة للنصب التذكاري للجندي المجهول في 24 أبريل 2013

الفجر الكاذب

أمام هذا المشهد المعقد لم يكن الوصول لـ30 يونيو مفاجئًا، فالمؤشرات على ما ستؤول إليه الأمور حتى قبل أن تندلع المظاهرات كانت واضحة وتنذر بأن الحكم سيسقط غنيمة سهلة في يد الحكم العسكري؛ "أي شخص قريب من العمل السياسي، ولا يمتلك بالضرورة خبرة سياسية كبيرة، يعرف أنه في لحظات الأزمة من يملك عناصر القوة هو من سيتحكم في المرحلة الانتقالية. ومن كانت لديه عناصر القوة في تلك الأزمة كانت في الحقيقة المؤسسة العسكرية، وبالتالي هي تحكّمت في المرحلة الانتقالية. وهذا التحكم لم يبدأ من 30 يونيو، بل كان موجودًا قبلها".

عليه، هل يمكن أن نقول إن جبهة الإنقاذ انطوت في هذا الحراك المدعوم بسطوة الجيش؟ لا يعتبر خالد علي وجود علاقة بين جبهة الإنقاذ والمؤسسة العسكرية مجرد استنتاج أو توقُّع، ويتحدث أكثر بلغة اليقين؛ "حد هيحلف بأيمانات المسلمين أنه ما كانش فيه تنسيق مع المؤسسة العسكرية، مش هاصدّق، كان فيه تنسيق بيحصل من بعض قيادات جبهة الإنقاذ، أتمنى الناس تتكلم بشكل واضح عن اللي حصل. وكان فيه مقاومة كمان، يعني كان فيه فصيل داخل جبهة الإنقاذ كان بيقاوم وبيحاول. بيحاول يرفض".

يضرب خالد علي مثلًا على هذا الفصيل بأحمد فوزي، القيادي في الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي؛ "في أحد اجتماعات الجبهة، حين كلّفه الدكتور أبو الغار بتمثيله، كانت لديه مواقف مخالفة. وكذلك الأستاذ عبد الغفار شكر، رئيس حزب التحالف الشعبي".

لكن الأصوات الرافضة لهذا المسار لم تكن كافيةً لتغييره، على العكس أصبحت محل اتهام وأحيانًا ملاحقة. كان صوت العقل آخر ما يمكن سماعه وقتها؛ "للأسف، حدّية الصراع جعلت كل صوت في المنتصف يُحسب على أنه خائن. كل صوت وسطي كان كل طرف يعتبره مع الطرف الآخر. لو ناقشت الإخوان وقلت لهم إن ما تفعلونه خطر وينبغي التصرف بطريقة مختلفة، اعتبروك مع المؤسسة العسكرية. ولو تحدثت عن أهمية التجربة الديمقراطية والمخارج الديمقراطية الحقيقية أمام المؤسسة العسكرية، اعتبروك داعمًا للإخوان".

الإخوان جرّوا الصراع على أرضية العنف. وحين يبدأ العنف يعلو صوت الرصاص ويختفي صوت السياسة

مع ذلك لا يرى علي أن ما حدث كان مسارًا إجباريًا لم يكن أمام القوى السياسية سوى السير فيه؛ "لا توجد في السياسة مسارات إجبارية، لكن من يملك عناصر القوة يتحكم في المرحلة الانتقالية". وهنا يضع يده على الخطأ الرئيسي الذي وقعت فيه جبهة الإنقاذ، وهو "أنهم اهتموا بشكل رئيسي بإسقاط الإخوان، دون اهتمام بالمسار البديل وكيفية الحفاظ على حالة ديمقراطية مستمرة وانتخابات مبكرة حقيقية وإبعاد مؤسسات الدولة عن هذه الانتخابات".

الملايين قد لا تكفي

من مظاهرات 30 يونيو 2013

يبدو غريبًا أن يأتي نقدٌ كهذا من أحد الفاعلين السياسيين، فما ينتقده في جبهة الإنقاذ يمكن أن يرتد عليه أيضًا، وهنا يقرُّ خالد علي بأن حراكهم كتيار بديل كان ضعيفًا ومتأخرًا كذلك؛ "كانت هناك مجموعات كثيرة جدًا في الوسط، وشكّلوا ما عرف بـ جبهة ثوار. مجموعات كثيرة رفضت المسارين وقالت إن المسار الثالث هو أن نتحرك بطريقة مختلفة. لكن في النهاية كانت مجموعات ضعيفة تنظيميًا. والحديث عن المسار الثالث بدأ فعليًا بعد عزل مرسي، لكن الفكرة أن مَن يملك القوة هو مَن يرسم الاتجاه".

في معادلة القوة، قد لا يكفي وجود الملايين في الشارع لفرض الديمقراطية، هذا رهان يعتبره خالد علي أقرب للمغامرة لأنه بدون أدوات حقيقية؛ "كان هناك تصور أن خروج الناس في الشارع بأعداد كبيرة جدًا سيجعل الإخوان يقرؤون المشهد ويتعاملون معه بذكاء وحرفنة سياسية. بمعنى أنهم سيقدّرون هذا الخروج ولن يعتبروه وهميًّا. وبالتالي الملايين في الشارع سيكون شأنهم شأن الصندوق، وما ينبغي وقتها ليس كيفية الاحتفاظ بالسلطة، بل كيفية الاستمرار كجزء من نسيج هذا الوطن".

وهنا يشدد على أن خروج الناس من وجهة نظره كان خروجًا حقيقيًا "هل كانت هناك أجهزة تلعب دورًا في تعظيم هذا الخروج؟ طبعًا. وأى حاكم لازم يكون متوقع ذلك".

اتجاه الإخوان ومؤيدوهم للعنف عقب الإطاحة بمرسي دفع البلاد نحو المسار الأسوأ؛ يتساءل علي؛ "مَن حرق الكنائس؟ مَن حرق ممتلكات المسيحيين؟ مَن جرّ الصراع على أرضية العنف؟ حين ينجرّ الصراع على أرضية العنف، صوت الرصاص هو الذي يعلو وصوت السياسة هو الذي يختفي".

مهدَّ هذا الطريق حتمًا إلى الثالث من يوليو، وما تلاه من العودة إلى الحكم العسكري، وإن ارتدى الزيّ المدنيّ ممثلًا في تولي رئيس المحكمة الدستورية رئاسة البلاد واختيار حكومة الببلاوي ووجود الدكتور محمد البرادعي في الصورة. 

الهاجس اللي عند السلطة السياسية دلوقتي مش التيار المدني ولا الإخوان ولكن مبارك

عندما يقرأ خالد علي ما جرى في العام الذي تقلد فيه مرسي رئاسة الجمهورية، ورد فعل الإخوان على 30 يونيو، يساوي بين تكلفة بقاء الإخوان في السلطة، وتكلفة ما تلا 30 يونيو؛ "أنا لا أقارن بين السيئ والأسوأ. الاثنان مكلفان جدًا، والاثنان من وجهة نظري أضاعا على الشعب المصري فرصًا كثيرة جدًا. ونضال الشعب المصري نضال مستمر، وحجم الموجودين في السجون شاهد على ذلك".

لكن ألا يتحمل خالد علي والتيار الذي ينتمي له جزءًا من مسؤولية ما انتهينا إليه؟ ينفي المرشح الرئاسي الذي حلَّ سابعًا في انتخابات 2012 بنحو 130 ألف صوت فقط، أي ذنب أو مسؤولية، كما ينفيها عن التيارات الثورية والحراك الشبابي، محملًا المسؤولية كاملة على السلطة والأطراف القريبة منها؛ "اختيارات مَن كانوا خارج السلطة كانت ضعيفة. الاختيار الرئيسي كان بيد من يملك السلطة".

يدافع عن نفسه أكثر؛ "دوري كان أن أُرسل رسائل للإخوان؟ حصل. دوري كان أن أرفع قضايا؟ كنا نرفع قضايا وتُعقد جلسات ويحدث حوار. دوري أن أتظاهر؟ حصل. دوري أن أُعبّر عن وجهة نظري ورفضي لهذا المسار؟ حصل. الطرف الآخر هو الذي كان دوره أن يسمعني أو يحبسني، وهذا أيضًا حصل".

الانفجار القادم

يفاجئنا خالد علي في قراءته للوضع السياسي اليوم بأن الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك هو التحدي الأكبر أمام نظام الحكم الحالي؛ "الهاجس اللي عند السلطة السياسية دلوقتي مش التيار المدني ولا الإخوان ولكن مبارك. التحدي الكبير لدى السلطة الحالية هو الإجابة عن سؤال يدور في عقل كل حد في الشارع المصري، هو مبارك كان مدورها إزاي؟ الأسعار ما كانتش كده، التعليم ما كانش كده والفوارق الطبقية ما كانتش كده، فبقى السؤال الرئيسي هو ليه لحد دلوقتي ما إحناش قادرين نرجع لنفس النقطة. وفيه مقارنة تدور في الأذهان حتى لو كانت صامتة وحتى لو الإعلام بيخفيها والسياسيين بيخفوها، فيه مقارنة ما بين وقت مبارك والوقت الحالي".

سألناه لو كانت الناس تلوم ثورة يناير عند عقد هذه المقارنة وليس النظام الحالي، قال؛ "25 يناير انتهت في 19 مارس. القوى التي خرجت في 25 يناير تفتّتت بالإعلان الدستوري الصادر في 19 مارس، ثم جاءت فترة حكم الإخوان المسلمين، ثم المرحلة الانتقالية لـ30 يونيو التي نعيشها حتى الآن. من 30 يونيو حتى هذه اللحظة نحن في مسار سياسي مرتبط بالمؤسسة العسكرية وبيوليو بإيجابياته وسلبياته".

بعد 13 عامًا يرى خالد علي أن سلطة ما بعد 30 يونيو، التي استمدت وجودها من حتمية القضاء على  الإخوان المسلمين؛ فشلت حتى في الإجهاز على الجماعة؛ فهم "متواجدون حتى هذه اللحظة حتى لو لم يعبّروا عن أنفسهم. وأي شخص يتخيل أن السجون ستؤدي إلى القضاء على الإخوان المسلمين أقول له: فكرتك خاطئة"، رافضًا أن يُبنى النقاش السياسي اليوم على "مين كان صح ومين كان غلط من 13 سنة. هذا وهم".

الأهم، حسب السياسي اليساري، هو "كيف نجيب عن أسئلة المستقبل المرتبطة بالديمقراطية والتعليم والصحة"، ويحذر من "أن مصر تعيش على فوّهة انفجار من غضب اجتماعي موجود. هل هناك قوة في الشارع المصري قادرة على أن تقول للناس اخرجوا فيخرجوا؟ لا، لا توجد قوة قادرة على ذلك. وإذا خرجوا، هل هناك قوة قادرة على استيعابهم؟"؛ هنا يستشرف أن الحراك القادم سيفرز "قادته الطبيعيين" من باطنه؛ قيادات لا نعرفها في لحظة لا يمكن تحديدها. وهذا ليس بالضرورة أمرًا سيئًّا.