تصوير إيناس مرزوق، المنصة
منير فخري عبد النور محاورًا المنصة في مقرها بالقاهرة، 22 يونيو 2026

حوار| منير فخري عبد النور: ليس هذا ما حلمنا به في 30 يونيو

جبهة الإنقاذ لم تكتفِ بمساندة الشارع لها وأدركت الحاجة إلى التدخل العسكري للإطاحة بالنظام

منشور الاثنين 29 حزيران/يونيو 2026

"همَّشْنا قوى الإسلام السياسي. وهمَّشْنا فكرةَ اقتران الدين بالشأن السياسي وبالدولة. وأعتقد أنه مكسب كبير في حد ذاته. لكن دولة مدنية؟ أمامها علامة استفهام. دولة ديمقراطية وحرية تعبير؟ أمامها علامة استفهام".

في كشفه لحساب لحظة 30 يونيو؛ يرى القيادي الوفدي منير فخري عبد النور، الذي تولى منصبين وزاريين بين 2011 و2015، بعد الإطاحة بالرئيس الأسبق حسني مبارك، أنها نجحت فقط في إبعاد التيار الديني عن الحكم. أما مطالب ثورة 25 يناير بالحرية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية، فلم تحقق شيئًا منها.

يعتبر الدستورُ المصري الصادر عام 2014 حراكَ الملايين الشوارع والميادين في 25 يناير 2011 و30 يونيو 2013 حدثًا مُتصّلًا يُسمّيه "ثورة 25 يناير - 30 يونيو"، ويصفها بالـ"فريدة بين الثورات الكبرى في تاريخ الإنسانية". لكنَّ مُجريات الأمور بعد 13 عامًا، غُيّبت خلالها السياسة وغابت عنها "حرية التعبير والديمقراطية والانتخابات الحرة"، تبتعدُ أكثر فأكثر عن مسار يناير.

في هذه اللحظة، تتجول المنصة في ذاكرة منير فخري عبد النور، وزير السياحة في حكومات أحمد شفيق وعصام شرف وكمال الجنزوري من فبراير/شباط 2011 وحتى يونيو/حزيران 2012، ثم الأمين العام لجبهة الإنقاذ التي شكّلها تحالف من قوى المعارضة المدنية في نوفمبر/تشرين الثاني 2012 ردًا على الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس الراحل محمد مرسي، وأخيرًا وزير التجارة والصناعة من يوليو/تموز 2013 إلى سبتمبر/أيلول 2015، في حكومتي حازم الببلاوي وإبراهيم محلب. 

يتحدّث عبد النور عن جبهة الإنقاذ، وعن الفرص التي أهدرها مرسي حتى 30 يونيو، وعن الفض الدموي لاعتصام رابعة، وعن التغييب التدريجي للسياسة في مصر حتى وصلنا إلى ما نحن عليه الآن.

منير فخري عبد النور يحاور الزميلين دينا سمك ومصطفى بسيوني في مقر المنصة بالقاهرة، 22 يونيو 2026

2012: الطريق إلى 30 يونيو

وفق عبد النور، لم يكن أمام القوى السياسية سوى الوقوف في وجه مرسي من اللحظة الأولى لحكمه، ليس كراهيةً في الإخوان المسلمين، ولكن لأنه "أخطأ من أول يوم تقلّد فيه الحكم".

هنا يتذكر "حلف مرسي لليمين يوم 30 يونيو في المحكمة الدستورية، ثم في جامعة القاهرة، ثم، وهذه نقطة مهمة، في حفل التنصيب مساءً في الهايكستب والمشير طنطاوي يؤدي له السلام العسكري محتفيًّا برئاسته".

لكن بعدها بأيام، دعا مجلس الشعب هذا المجلس الذي حُكم بعدم دستوريته. وكانت هذه حسب منير فخري "إشارةً لعدم احترامه للدستور ولمبادئه وللمحكمة الدستورية ذاتها".

وقضت المحكمة الدستورية العليا بحل مجلس الشعب في يونيو 2012، قبل أيام من تولّي مرسي رئاسته، بسبب عدم دستورية قانون الانتخابات. ولكنَّ الرئيس الجديد قرر في الشهر الأول من ولايته عودة المجلس للانعقاد، ليخلق أزمة دستورية حادة دفعت عشرة وزراء، من بينهم عبد النور، إلى الاستقالة من حكومة كمال الجنزوري، قبل أن يُعلَن رفض الاستقالة.

"نتيجة لهذه الدعوة، نصف أعضاء مجلس الوزراء اجتمعوا لتقديم استقالتهم. وكنت أنا أحدهم. والسفيرة فايزة أبو النجا كانت تقود هذه الحركة. إلا أن الدكتور الجنزوري اتصل بالمشير طنطاوي وحاول إيجاد حل، والمشير قال إن الاجتماع في مجلس الشعب بالضبط ساعة وينفض. وقد كان".

إرادة الشعب المصري بكل فصائله التقت في 30 يونيو بإرادة الأجهزة الأمنية

ما تلا ذلك من أحداثٍ مهَّد، حسب عبد النور،  لميلاد جبهة الإنقاذ؛ "ابتداءً من يوم انتصار 6 أكتوبر والاحتفال بذكراه وتصدُّر قتَلة الرئيس السادات المشهد، ثم يوم 11 أكتوبر/تشرين الأول عندما أُقيل النائب العام عبد المجيد محمود بالمخالفة لأحكام الدستور وللحصانة التي يتمتع بها. بعد ذلك يوم 22 نوفمبر الإعلان الدستوري الذي حصّن كل قرارات مرسي من الرقابة القضائية، وبالتالي أصبح يحتكر السلطات الثلاث: في غياب مجلس الشعب هو الذي يُشرّع، وهو على رأس السلطة التنفيذية، وقراراته محصّنة من أي رقابة قضائية".

في 22 نوفمبر 2012 تأسست جبهة الإنقاذ الوطني رد فعل مباشرًا على الإعلان الدستوري، لتُمثِّل تحالفًا سياسيًّا ضمّ نحو 35 حزبًا وحركة سياسية من التيارات الليبرالية واليسارية والناصرية، بقيادة رموز المعارضة، على رأسهم محمد البرادعي وعمرو موسى وحمدين صباحي ومحمد أبو الغار ومنير فخري عبد النور.

إرادة الناس وإرادة الأجهزة

منير عبد النور يحاور المنصة في مقرها بالقاهرة، 22 يونيو 2026

تمثّلت المطالب الفورية للجبهة في إلغاء الإعلان الدستوري، وإسقاط مسودة الدستور التي صاغتها الجمعية التأسيسية، وتشكيل لجنة جديدة تمثّل كافة أطياف المجتمع، وإقالة حكومة هشام قنديل وتشكيل حكومة إنقاذ وطني. فهل كانت هذه شروطًا تعجيزيةً وُضعت لترفَض؟

يعترض عبد النور بشدة على هذا السؤال، ويؤكد أن كلّ ما أرادته الجبهة هو أن يستشعر الإخوان خطورة عدم احترام الدستور ومحاولتهم السيطرة على كل شيء؛ "تعجيز؟ التعجيز إنه يلتزم بالدستور؟ التعجيز كان رده. حاصر المحكمة الدستورية العليا في أول ديسمبر/كانون الأول منع المحكمة الدستورية من النظر في دستورية انتخابات مجلس الشورى، منع المحكمة الدستورية من النظر في دستورية اللجنة التأسيسية اللي كانت بتعد الدستور الإخواني اللي صدر بعد كده، ثم حاصر التليفزيون ومدينة الإنتاج الإعلامي".

يشدد عبد النور على أن الجبهة كانت ترغب في حوار جاد مع الإخوان، إلا أن كل الدعوات التي أطلقتها الجهة المقابلة لم تكن جادة، ولا ينفي في الوقت ذاته أنهم في الجبهة شعروا بثقة كبيرة في تحركاتهم بسبب إشارات الدعم التي حصلوا عليها من المؤسستين الأمنية والعسكرية.

يتذكر واقعة بعينها اعتبرها بمثابة إشارة واضحة؛ ففي ديسمبر 2012 قُبيل مظاهرات 4 ديسمبر أمام قصر الاتحادية، قال وزير الدفاع وقتها عبد الفتاح السيسي إن الأمن في مصر لن يتحقق إلا بتعاون الجيش مع الشرطة، وإن الشعب المصري لن يُروَّع ما دام هذا التعاون قائمًا. من هنا، وكما يشير عبد النور، فإن "إرادة الشعب المصري بكل فصائله التقت في 30 يونيو بكل بداياتها، بمراحلها المختلفة، التقت بإرادة الأجهزة الأمنية، سواء كانت شرطية أو عسكرية للتخلص من نظام الإخوان".

يؤكد عبد النور أن موقف الأجهزة من حكم مرسي تطور بتطور الأحداث، بدءًا من محاولتها توجيهه نحو الإصلاح وصولًا لرغبتها التخلص منه؛ "عشان أكون أدق في موقف الشرطة والجيش في ديسمبر، كان موقفًا مشجعًا للتظاهر، لعل وعسى هذه المظاهرات تصلح من توجهات الإخوان. وما كانش بالضرورة هدفها التخلص من محمد مرسي. إنما موقفهم كلما اقتربنا من يوم 30 يونيو كان في النهاية يهدف إلى التخلص منه، لأنه كنا على حافة شفا نار. كنا ماشيين على حرب أهلية. الإخوان حملوا السلاح واستخدموه، وهناك شارع مشتعل ثائر يبحث عن حكم مدني ويبحث عن ديمقراطية ويبحث عن عدالة اجتماعية. وكان واضح جدًا أن هذه الأهداف لن تتحقق في ظل هذه الحكومة".

رغم كل ذلك ينفي عبد النور أن تكون جبهة الإنقاذ صنيعةَ الأجهزة الأمنية، مثلما ينفي علمه بأي تنسيق مباشر مع هذه الأجهزة "على حد علمي لم يكن هناك تنسيق بين المجلس العسكري والقلب الصلب للجبهة، ولكن الجبهة كانت كيانًا واسعًا، ومن المحتمل أن تكون قد حدثت اتصالات لا علم لي بها".

عمرو موسى ومحمد البرادعي وحمدين صباحي، مؤتمر صحفي لجبهة الإنقاذ بعد اجتماعها الأول في حزب الوفد، 28 يناير 2013.

مفاجأة 3 يوليو

يؤكد عبد النور أن جبهة الإنقاذ أدركت، رغم ما حصلت عليه من دعم شعبي واسع، أن لا مفر من تدخل الجيش؛ "واقع الأمر أن جبهة الإنقاذ في اجتماعاتها في أشهر أبريل/نيسان ومايو/أيار وبداية يونيو شعرت أنها مسانَدة من الشارع تمامًا. إنما هذا السند غير كافٍ لتغيير نظام الحكم. ممكن هنا تقولي إنها قلة ثقة في النفس، أو قلة ثقة في قدرة الشارع على التغيير وإدراك أننا في حاجة إلى تدخل عسكري لإجراء هذا التغيير".

المجلس العسكري أعطى محمد مرسي أكثر من فرصة وأكثر من مخرج والراجل رفض

مع هذا، وحسب فخري عبد النور، فوجئت جبهة الإنقاذ ببيان 3 يوليو الذي أعلن فيه وزير الدفاع عزل الرئيس مرسي في حضور عدد من القيادات السياسية والدينية، رغم أن البيان لم يأتِ بجديد، بعدما أمهلت القوات المسلحة جميع الأطراف في الأول من يوليو 48 ساعة لإيجاد حل للأزمة، خرج مرسي في خطابه الشهير مساء الثاني من يوليو متجاهلًا كل شيء؛ "المجلس العسكري أعطى لمحمد مرسي أكثر من فرصة وأكثر من مخرج والراجل رفض. رفض زيادة ثقة في النفس، زيادة ثقة في المساندة الأمريكية الأوروبية، وزيادة ثقة في التنظيمات الإخوانية داخل البلد".

بعدها فوجئت الجبهة ببيان 3 يوليو الذي دُعي إليه الدكتور محمد البرادعي، الذي كان على حد قول عبد النور "قاعد على الهامش ما كانش عارف اللي هيحصل. لكن البيان كان بيحقق الهدف اللي من أجله قامت هذه الجبهة. جبهة الإنقاذ في تداولها ما قبل يوم 30 يونيو:  محمد مرسي يمشي. مين ييجي؟ جبهة الإنقاذ قالت نجيب رئيس بحكم من الدستورية العليا لفترة مؤقتة ويجري الانتخابات. يعني كانت تمشي في هذا الإطار. يعني كان الفكر واحد".

انضم منير فخري عبد النور إلى حكومة الببلاوي الانتقالية هذه المرة وزيرًا للتجارة والصناعة، وهي الحكومة التي تردّد قبيل تشكيلها في يوليو 2013 أنها ستكون بقيادة البرادعي الذي، كما يقول عبد النور، أبدى ارتياحًا تجاه عدم اختياره، لأنه لم يكن يريد الانشغال بتفاصيل الأزمة الاقتصادية الطاحنة؛ "محمد البرادعي أشهد أنه راجل نظيف ومثالي. إنما شخص مش بتاع سياسة خالص. يعني يتكلم عن مصر، يتكلم عن مبادئ، يتكلم عن أهداف عليا، أصدقه. إنما السياسة ما بيحبش الجماهير، ما بيحبش الشارع، ما بيحبش بهدلة السياسة".

صورة أرشيفية بتاريخ 2 يوليو 2013 للرئيس الراحل محمد مرسي ورئيس الوزراء هشام قنديل ووزير الدفاع عبد الفتاح السيسي.

"رابعة" وما بعدها

كما لم تكن جبهة الإنقاذ على دراية بتفاصيل بيان عزل مرسي، فإن عبد النور  كوزيرٍ لم يكن يعلم، كما يقول، بنية وزير الدفاع طلب تفويض شعبي لمواجهة "الإرهاب والعنف"، خلال كلمته في حفل تخرج طلاب الأكاديمية العسكري في 24 يوليو 2013.

باختصار شديد يقول وزير التجارة والصناعة آنذاك "التفويض ده أنا ما فهمتوش"، ويؤكد أن دعوة السيسي للتظاهر وتفويض الجيش لم تُناقَش داخل مجلس الوزراء؛ "أنا دخلت الوزارة يوم 17 يوليو، حلفت اليمين يوم 17 يوليو. وبقيت بعيدًا عن الشارع، بعيدًا عن حركة الشارع. دخلت الوزارة في ظروف صعبة جدًا ومسؤوليات كبيرة جدًا وثقيلة جدًا. يعني ماكانش عندي حتى الوقت أتناقش عن هذا النوع من الأحداث".

بعد المظاهرات الضخمة التي خرجت للتفويض يوم 26 يوليو بأيام قليلة، شهدت مفاوضات أدارتها جهات داخلية وخارجية مع الإخوان لإنهاء اعتصاماتهم، كلّفت الحكومة وزير الداخلية باتخاذ كل ما يلزم لفض اعتصامَي رابعة والنهضة اللذين احتشد فيهما عناصر الإخوان وحلفاؤهم بالأخص من الحركات الإسلامية، مطالبة بعودة مرسي، باعتبار الإطاحة به انقلابًا على الشرعية.

فض "رابعة" مأساة إنسانية.. فيه ناس اتقتلت وما كانش مفروض تتقتل

أمام هذا الشارع الملتهب، يرى عبد النور أنه لم يكن هناك مفرٌ من أن تتولى الجهات الأمنية التعامل مع الاعتصامات. ومع تأكيده وجود محاولات قادها البرادعي للوصول إلى اتفاق مع الإخوان لإنهاء اعتصامهم سلميًا أو حتى تخفيف حدته "ناس كتيرة جدًا حاولت إقناع الإخوان بفض الاعتصام. أولًا أطراف خارجية بما فيها قطر والإمارات والاتحاد الأوروبي. ومحمد البرادعي شخصيًّا، وده كان أحد الخلافات اللي حصلت في داخل الوزارة".

يكشف وزير الصناعة في حكومة الببلاوي أن محمد البرادعي، الذي تولى منصب نائب الرئيس عدلي منصور، قدم مقترحًا بالإفراج عن بعض قيادات الإخوان مقابل تفريغ بعض الأعداد من ميدان رابعة؛ "البرادعي زعل لأنه كان بيقول أنا كنت تفاوضت وكنت طرفًا في هذا التفاوض ووصلنا لحل. طب إيه الحل يا دكتور محمد؟ قال الحل إنه هنفرج عن الكتاتني وأبو العلا ماضي في مقابل تفريغ أعداد المعتصمين. تفريغ أعداد؟ يعني إيه تفريغ أعداد؟ يعني ميت واحد يمشي؟ ده كلام مش منطقي. ده اتفاق أمني لازم يكون فيه دقة. يقول فيه ألف واحد، فيه نص هيخرج، فيه ربع هيخرج".

مع تأييده لضرورة فض الاعتصامات؛ يصف عبد النور الفض الدموي لاعتصام رابعة بأنه مأساة إنسانية، لكنه في بالمقابل يرفض تسمية المسؤول عنها "هذا حدث مؤلم جدًا. مفيش شك إنه فيه ناس اتقتلت وما كانش مفروض تتقتل. إنما أنا بحكي لك المسرح كان شكله إيه والناس كانوا بيقولوا إيه".

يشدد عبد النور على أن الفض دون سقوط ضحايا كان هو ما يريدُه الجميع، ويسترجع أحداث هذا اليوم؛ "الببلاوي، وكان رئيس وزراء مصر وقتها، كلمني في التليفون الصبح، قالي تعالي أقعد معايا في مجلس الوزراء. ورحت قعدت معاه وكان مبسوط جدًا على الساعة التاسعة ونص. كان مبسوط جدًا لأنه تم فض اعتصام النهضة بدون أي مشكلة. فالراجل كان متفائل جدًا على أساس إنه إن شاء الله اللي حيحصل في رابعة هيكون مثله، وما حصلش".

وقُتل ما بين 600 و900 شخص في ساعات الفض التي بدت في بدايتها فضًا سلميًّا مع وجود ممرات آمنة للخروج، لكن سرعان ما تحوّلت إلى ساحة لإطلاق النار. ويعتبر تقرير أصدرته المبادرة المصرية لحقوق الإنسان في يونيو 2014 أن قوات الأمن "فشلت في التخطيط لعملية فض الاعتصام بغية تقليل حجم الخسائر البشرية، وأنزلت عقابًا جماعيًّا على كل من تواجد داخل منطقة الاعتصام".

واتهم التقرير قوات الأمن بأنها "استخدمت القوة المميتة بغير وجه حق في أكثر من حالة، واستهدفت عددًا كبيرًا من المعتصمين دون دليل على وجود سلاح معهم، ولم تكن هناك معظم الوقت مخارج آمنة فعلية تحمي المعتصمين الراغبين في المغادرة".

فض قوات الجيش والشرطة اعتصام مؤيدي الرئيس الراحل محمد مرسي في ميدان رابعة العدوية. 14 أغسطس 2013

ليس هذا ما حلمنا به 

يحاول عبد النور إعفاء جبهة الإنقاذ ومن انضموا إليها من تبعات ما حدث بعد 30 يونيو، بل ويدافع عن كثيرٍ من القرارات التي اتُّخذت في المرحلة الانتقالية وإن لعبت دورًا كبيرًا في تفريغ المجال العام من أي معارضة حقيقية.

على سبيل المثال يدافع الوزير في حكومة الببلاوي عن قانون التظاهر في صورته الأولى؛ "على فكرة، لما صدر وقبل تعديله كان قانون كويس جدًا، منقول من القانون الفرنسي والقانون السويسري، حيث المظاهرات تكون بالإخطار. في الجانب الإجرائي هو شبيه بالقانونين الفرنسي والسويسري. الجانب العقابي ده سيبك منه، لأن الجانب الإجرائي هو ده المهم. لأنه كان محصَّنًا. لو كان هناك طرف، هو طرف الأمن، يرى أن قيام هذه المظاهرة لها أخطار على الحالة الأمنية، يلجأ إلى المحكمة وحكم المحكمة نهائي. تمام؟ كان عندك رقابة قضائية وتفترض أن القضاء مستقل وأن القضاء سيحكم الحكم العادل. الحتة دي اتلغت، الضمانة دي اتلغت في التعديل".

في 24 نوفمبر 2013 أصدر الرئيس المؤقت عدلي منصور قانون التظاهر بمرسوم رئاسي مباشر لغياب البرلمان، وأقرّته الحكومة الانتقالية رغم الاعتراضات الواسعة من القوى المدنية والمنظمات الحقوقية، وبعد يومين فقط من إقراره طُبِّق على مظاهرة خرجت للاحتجاج عليه نفسه، وقُبض بموجبه على عدد كبير من الناشطين الذين ناهضوا حكم مرسي، ومن بينهم علاء عبد الفتاح وأحمد ماهر ومحمد عادل وماهينور المصري، وحُكم عليهم جميعًا بالسجن المشدد.

وكما يعفي الجبهة من تبعات ما بعد عزل مرسي، يرفض تحميل 30 يونيو نفسها مسؤولية ما وصلت إليه البلاد اليوم؛ "طموحاتنا كانت تختلف تمامًا عما نحن فيه الآن وما ترتّب على التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي اللي حصل خلال العشر سنوات اللي فاتت. مفيش شك أن هذه الأهداف جزء كبير من أهداف 25 يناير، بالقاطع لم تتحقق".

ويرجع عبد النور السبب في كثير منه إلى إبعاد السياسيين من المشهد بالتدريج حتى اختفوا تمامًا، بالأخص مع تشكيل حكومة إبراهيم محلب في 2014؛ "عاوز أصف هذا التطور اللي حصل على ساحة السياسة المصرية بالتدرج الذي حدث به. عندما تشكّلت وزارة الببلاوي كان الهدف أن تمثّل هذه الوزارة الاتجاهات السياسية المختلفة السائدة في الشارع المصري. لو تشوف التشكيل واضح جدًا. وكان مقصودًا من الذين شكّلوا الوزارة. والذين شكّلوها هم رئيس الوزراء ومن حوله. ما كانش فيه تدخل من برا. يعني قولًا واحدًا".

يضيف، "الوزارة عاشت لغاية ما كُلّف إبراهيم محلب. وفي وزارة إبراهيم محلب الشكل السياسي للتشكيل ضاع خالص. كل ده صار بتدخل وجاءت وزارة كلها تكنوقراط وكأن السياسة دي حاجة عيب".

نظام جديد خلق نفسه

في 17 يوليو 2013 أعلن حزب الوفد انسحابه من جبهة الإنقاذ، باعتبارها حقّقت هدفها. وشهدت الأشهر التالية خلافات متعددة بين القوى والأحزاب التي استمرت في الجبهة، حتى أُعلن حلّها عقب الاستفتاء على الدستور في يناير/كانون الثاني 2014.

معه انتهى دور أكثر قطاعات المعارضة التي نشطت بعد ثورة يناير بأفكارها ومخططاتها، لذا عندما سُئل عبد النور عما إذا كانت لحظة 30 يونيو لا تزال تحكم الحاضر، أجاب بوضوح "لا طبعًا ننفصل عنها. وزير الدفاع اللي أعلن بيان 30 يونيو هو رئيس الجمهورية النهارده.. بس كده. أنت النهارده أمام نظام خلق نفسه".

ثم أضاف ما يبدو توصيفًا مختصرًا للواقع السياسي المصري الراهن "بدون ما يكون فيه حرية تعبير وديمقراطية وانتخابات حرة، أنا للأسف شايف إن الفساد بيستشري والأخطاء بترتكب دون رقابة ودون عقاب".

ليس هذا ما حَلُم به حفيد فخري عبد النور، القطب التاريخي لحزب الوفد وأحد قادة ثورة 19، ولا ما تمنَّاه في يوم 3 يوليو؛ "أنا شخصيًا كنت مفعم بالأمل، وكنت متفائل إلى أقصى حد، وشايف إنه إحنا مقبلين على عالم مختلف تمامًا. هو مختلف تمامًا بس ليس الاختلاف الذي كنت أبحث عنه وأتأمل فيه: مزيد من الحرية، مزيد من الديمقراطية، مزيد من الوحدة الوطنية".