الحركة المدنية الديمقراطية.. ضجيج حول شبح لم يحضر أبدًا
في أحد برامج التوك شو بعد ثورة يناير بشهور، استضافت قناة "أون تي في" عددًا من الضيوف، كان من بينهم مالك القناة الملياردير نجيب ساويرس، والباحث والكاتب عمار علي حسن. أثناء الحوار والخلاف حول مجريات الثورة، قال عمار لساويرس ما معناه إن انتصار الجوهر الحقيقي للثورة ليس من مصلحته وأمثاله من رجال الأعمال، لأنه ضد مصالحهم الطبقية.
كنا أيامها نعيش وهمًا، رُوج عن عمدٍ، ملخصه أننا جميعًا في القارب نفسه، وإنها ثورة الجميع؛ "كلنا سوا". لكن عمار علي حسن بكلماته، وإصراره على إكمالها وألَّا تُختصر نتيجة ابتسامات ساويرس التي تستهدف الضوضاء والتسطيح، نفى حالة "كلنا سوا"، أعلن صراحة ما كان يدركه بعضنا؛ تعارض المصالح الحتمي بين القوى والتيارات والكتل التي التقت في الثورة المصرية، أو التحقت بركبها بنفعية، تعارض طبقي، وسياسي بالتبعية.
الفضيحة
تذكرت هذا الحوار التليفزيوني فيما أتابع تطورات ما بعد فضيحة بيان "الحركة المدنية الديمقراطية" الرافض لإزالة قصر عضو الحركة ورئيس حزب المحافظين، المليونير أو الملياردير لا أعلم، أكمل قرطام. وما تلاه من استنكار، وبيانات مضادة، وانسحابات، ومحاولة إعادة تشكيل الحركة. اللافت أنه في وسط هذا الضجيج كله، لم يضع أيٌّ من أعضاء الحركة أمام الآخرين، المسألةَ التي طرحها عمار علي حسن بوضوح؛ "لسنا في قارب واحد". فمن بين أعضاء الحركة، أفراد وأحزاب، من تتعارض مصالحهم الخاصة مع الديمقراطية والمدنية حقيقة، إن لم نغفل الأبعاد الاجتماعية والطبقية لهذا التعبير الفضفاض: الديمقراطية.
لا مبالغة في استخدام تعبير "فضيحة" لوصف البيان. فهو فضيحة أخلاقية وسياسية، تفوح منها، شئنا أم أبينا، رائحة المحسوبية؛ أن تُصدِر حركة سياسية مفترض فيها رفض الفساد والاستيلاء على المقدرات العامة للدولة/للشعب، وتسعى لديمقراطية وشفافية، بيانًا لمحاباة ودعم أحد أعضائها لأنه ثريٌّ قررت الحكومة إزالة قصره المُقام، بناء على كلامها، فوق أراضي الدولة. فيما لم تصدر الحركة بيانات في أغلب الحالات التي أزالت فيها الدولة عشرات الآلاف من مساكن الفقراء والشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى لتوسيع طرق ومحاور.
بعد فضيحة منهج الشللية، الذي يُبسَّط بتصويره كمجرد خطأ سياسي، وخفوت ضجيج الأيام الأولى، بدأت الحوارات الهادئة ظاهريًا لمحاولة إنقاذ الحركة واستمراريتها، مستندة لتبرير تعثرها وأزماتها المتتالية وعزلتها بالظروف ومصادرة المجال العام. ومصحوبة بسؤال استنكاري يطرحه بعض أعضائها "مَن مِن مصلحته اختفاء الحركة؟".
هذا السؤال الأخير ابتزاز يمنع النقد. لأن إجابته الوحيدة التلقائية، إن انتبهنا إلى أننا نتحدث عن حركة معارضة، أن الجهة المستفيدة هي السلطة. فإن انتقد أي مواطن هذه الحركة/المعارضة، أو دعا لحلها، سيقف بالضرورة إلى جانب السلطة، في مواجهة حركة ديمقراطية ومدنية. وهذا الابتزاز له سوابق، أُستخدم في المرات التي انتقد فيها "جمهور المتفرجين/المتابعين"، من أمثالي، عضو الحركة كمال أبو عيطة، أو اجتماع الساحل الشمالي في أحد قصور قرطام، لمناقشة الموقف من الانتخابات الرئاسية الأخيرة، في أجواء لا علاقة لها بالواقع المعيشي لأغلبية الشعب المفترض أنَّ الحركة تعبر عنه.
هل يتفق كل أعضاء الحركة المدنية على حق العمال في الإضراب والاعتصام وتشكيل نقابات مستقلة؟
الأهم أنه سؤال يتضمن مغالطة جوهرية، وهي افتراض انزعاج السلطة من هذا الكيان. فمن المحتمل أن تكون السلطة راضية بهذا النوع من المعارضة، وتراه كديكور ضروري، قد تحتاجه في أي ظرفٍ طارئ. وربما يكون السؤال النقيض أكثر صدقًا وواقعية، ولا يتضمن أي ابتزاز "من سيتضرر من اختفاء الحركة؟". ربما يتضرر عدد قليل جدًا من الأفراد، ممن تتولى الحركة التوسط لدى السلطة من أجل الإفراج عنهم في المناسبات. لكنهم قليلون بدليل أن أحد أبرز مؤسسيها، وقارئ بيانها التأسيسي، المهندس يحيى حسين عبد الهادي، لا يزال في السجن منذ عامين، ولم تفلح الحركة في إقناع السلطة بالإفراج عنه.
لتجنب إجابة "لن يتضرر أحد من غيابها"، ربما يكون من الصواب تغيير اسم الحركة، أن تزيل عن اسمها ألف لام التعريف المحتكرة، لتُصبح مراعاة للدقة "تجمُّع أفرادٍ وأحزابٍ مدنيين وديمقراطيين". فأغلب الأفراد الديمقراطيين والمعارضين خارجها، والكثيرون منهم لا تعنيهم الحركة، ويرونها تجمّعًا بلا تأثير. وخصوصًا أن كلمة "الحركة" تعني ضمنيًا أن هناك ما يُفعل، ما يحدث، ما يتحرك في أي مجال، وليس مجرد إصدار بيانات في المناسبات.
الإرث الثقيل
تستدعي واقعة البيان، وما تلاه وما سبقه من أزمات وانسحابات، وخلافات علنية بين أعضاء الحركة، منذ تأسيسها في 2017، ليس فقط حقيقة أننا لسنا جميعًا في القارب نفسه، أو أن اسمها غير دقيق، بل كذلك مناقشة جادة حولها، وعلاقة الشبه التي تربطها بالأحزاب السياسية الورقية في زمن ما قبل ثورة يناير. ومناقشة جادة حول ما تدافع عنه حقيقة، وهويتها الطبقية والجيلية التي ورثتها أغلب الأحزاب والتجمعات التي تأسست بعد ثورة يناير من زمن ما قبلها. لدرجة أنها تكاد تكون نتاجًا لأجواء 3 يوليو 2013، الذي تمر ذكراه هذه الأيام، أكثر من أي شيء آخر.
سيطرة الأغنياء، أو أصحاب العلاقات، أو المشهورين، أو من يسمون بـ"الشخصيات العامة"، وأغلبهم من المسنين ممن تجاوزوا السبعين، على هذا النوع من الحركات والتجمعات والأحزاب، يستحق النقاش الأعمق من الاسم ونزع ألف لام التعريف. فما يصلنا من خارج "الحركة" عنها أنها نسخة مطابقة لما كان قبل الثورة، سواء في المعارضة أو الموالاة. ومفترض أنه أثبت فشله الذريع في صناعة أي تغيير، أو حتى المساهمة فيه. ومن يسمَّون بـ"القيادات" لا قواعد لهم ليقودوها.
الجانب الآخر من الحوار المطلوب، هو تحديد الهدف الجوهري الذي تتشكل من أجله هذه الحركات أو التجمعات. في حالة "الحركة المدنية الديمقراطية"، وبناءً على بيانها التأسيسي، الديمقراطية بعموميتها. لكنَّ تعبيري "الديمقراطية" و"حرية الرأي" لا يكفيان. فهل الديمقراطية المقصودة تقتصر على ألا تعتقل السلطة النشطاء المشهورين؟ أم كل أصحاب الرأي؟ هل من بينهم الإسلاميين؟ وخصوصًا أن بعض أعضاء الحركة مع سجن بعض أصحاب الرأي إن انتقدوهم، أو كانوا من الإسلاميين.
وهل ينحصر تعبير الديمقراطية هنا في حرية الممارسة السياسية النخبوية في إطار برلمانية تمثيلية؟ أم يمتد للديمقراطية الاجتماعية؟ فهل يتفق كل أعضاء الحركة على حق العمال في الإضراب والاعتصام وتشكيل نقابات مستقلة؟ ليس أكرم قرطام وحده من سيتضرر من ذلك، بل آخرون من أصحاب العلاقات مع السلطة الاستبدادية. دون إغفال ضرورة وضوح الموقف من هيمنة المكون العسكري على السلطة. فهي المسألة المفصلية في حاضر ومستقبل البلاد.
الشبح يعلن عن نفسه
يقول البعض في سياق الدفاع عن الحركة أنها "ناضلت" في معارك سابقة، لكن ما يحدث في غزة أصابها بالشلل، فلا يمكن العمل خلال الإبادة. إنها المسألة غير المفهومة على الإطلاق، وتتخذ من قضية وطنية وقومية مبررًا للعزلة في الداخل، مضافة للحجة القديمة نفسها؛ الحصار السلطوي للقوى السياسية ومصادرة العمل السياسي، إلى آخره.
يدعو المقال إلى التعامل مع الحركة ببعض الواقعية والتواضع، والتفكير في بعض الأسئلة، مع بعض الوضوح والشفافية
إن كان كل ذلك صحيحًا، فلماذا تبقى الحركة من الأساس إن لم يكن بمقدورها فعل أي شيء؟ لماذا تتجمع أحزابها في كيان أكبر منها، ومثلها غير موجود حقيقة في أي مجال؟ ناهيك عن أننا لا نعرف شيئًا عن "نضالات الحركة"، دون إنكار نضالات أفراد ينتمون إليها، ومحاولات حزبية لكسر الحصار المفروض، تُنسب لهؤلاء الأفراد وهذه الأحزاب، وليس للحركة. فالمشاركة في مسرحية الحوار الوطني لا يمكن اعتبارها نضالًا. والحركة ليست محصلة الجمع لنضالات كل من ينتمون إليها، وبالذات إن كانت بينهم تناقضات جوهرية.
ليس مقصودًا بهذا المقال الدعوة لإنهاء وجود الحركة، أو الهجوم عليها. فعجزها تعبير عن عجزنا جميعًا، وهي تشبه واقعنا. إنما ينحصر هدفه في الدعوة للتعامل معها ببعض الواقعية والتواضع، والدعوة للتفكير في بعض الأسئلة، وبعض الوضوح والشفافية، وإنهاء الهيمنة الطبقية والجيلية، فربما تصبح ساعتها جاذبة لأشخاص جدد يتطلعون للمشاركة السياسية. دون وهم أننا جميعًا في القارب نفسه. لم نكن كذلك قبل يناير أو بعده أو الآن.
هناك تناقضات سياسية جذرية تمنع العمل المشترك. والبديل عنه ليس العداء والعراك. لكن ربما يكون التوازي، والتعاون في المناسبات، ومحاولة الاستمرار/البقاء/النجاة، لحين تغير الوضع أو انفكاك الأزمة. وأن تظل الأسئلة غير المريحة حاضرة، وأولها: لماذا تفتقد الأحزاب الحالية وهذه الأشكال من التجمع للجاذبية؟ لماذا لا ينضم إليها أغلب الغاضبين والمعبرين عن آرائهم الناقدة للسلطة علنًا؟ لماذا لم تتحول الحركة لحركة أبدًا؟
تحدث الشبح مع هاملت في مسرحية شكسبير. رآه هاملت وآخرون، تساءلوا إن كان شبحًا/شيطانًا أم أنه طيف الأب. لكنه لم يوجد أبدًا، فالدلالة الرمزية لطيف الآب في المسرحية تعبير عن أسئلة هاملت، عن قلقه، عن شكه، عن بحثه عن العدالة والقصاص، وبحثه عن التحقق وعن ذاته. ربما تكون "الحركة المدنية الديمقراطية" هي هذا الشبح، أو الطيف، الذي يدفعنا حضوره في الغياب إلى طرح الأسئلة، حتى وإن كانت أسئلة ضده. وربما تكتسب هذه الأسئلة معناها كلما ابتعدت الحركة عن شبح آخر ضار بها وبالجميع، وهو جوهر 3 يوليو 2013 الاستبدادي.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.

