تصميم: سيف الدين أحمد، المنصة 2026
السياسيون أكمل قرطام وحمدين صباحي وفريد زهران

الحركة المدنية الديمقراطية.. شبه معارضة في شبه دولة

منشور الخميس 11 حزيران/يونيو 2026

في 13 ديسمبر/كانون الأول 2017، داخل قاعة حزب الكرامة الناصري بالقاهرة، وقف المهندس يحيى حسين عبد الهادي وأمامه 9 ميكروفونات لوسائل إعلام، بينها واحدة فقط مصرية، ليتلو البيان التأسيسي لتدشين الحركة المدنية الديمقراطية، التي تعيش الآن لحظةً حاسمةً قد تكون طورها الأخير، بعد أزمة بيان قصر رئيس حزب المحافظين أكمل قرطام.

ويعقد مجلس أمناء الحركة اجتماعًا غدًا الجمعة، قال القيادي في الحركة حمدين صباحي لـ المنصة إنه سيضع خلاله سؤالًا جوهريًا على الطاولة؛ "هل تستمر الحركة المدنية أم لا؟"، مشيرًا إلى أن الحركة أمام مفترق طرق إما "استمرارها بتغييرات جادة" أو الإقرار بأن "دورها انتهى".

المعنى نفسه أكده رئيس حزب الكرامة سيد الطوخي لـ المنصة، لافتًا إلى أن الحركة لعبت "دورًا كبيرًا" في الحياة السياسية منذ تأسيسها، لكن بسبب "بيان قرطام" أعطت خصومها "مادة خامًا" للهجوم عليها.

لكن أزمة الحركة المدنية لم تبدأ من "بيان قصر" قرطام، حسب قيادات تحدثوا لـ المنصة، إنما هي نتاج سنوات من مصادرة الحياة السياسية، بالإضافة إلى اختلاف جذري بين مكوناتها حول كثير من الملفات.

الآن، وبعد نحو 9 سنوات من مؤتمر التأسيس تتفاقم تلك الاختلافات فيما يُتم المهندس يحيى عبد الهادي نفسه، بعد شهرٍ، سنتين في الحبس الاحتياطي عقب اختطافه من الشارع في يوليو/ تموز 2024 وهو ذاهبٌ -للمفارقة- إلى المكان نفسه الذي ألقى فيه خطابه من قبل، بسبب بوست كتبه على صفحته بفيسبوك.

حركة جامعة لسلطة جامحة

تشكلت الحركة المدنية الديمقراطية عام 2017 من تحالف ضم عددًا من أحزاب المعارضة المدنية، للتمسك للتمسك بأهداف ثورة يناير وبناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة.

تحدث عبد الهادي، في المؤتمر التأسيسي للحركة، بلغةٍ عربيةٍ رصينةٍ، معلنًا الخطوط العامة التي تسعى إليها الحركة؛ تأسيس دولة مدنية ديمقراطية، فتح المجال العام بعد سنوات من الإغلاق والاستقطاب، حق المصريين في التظاهر السلمي والتنظيم، الإفراج عن سجناء الرأي، وانتخاب برلمان "حقيقي" يُحاسب السلطة التنفيذية.

شارك في التأسيس 149 شخصية عامة، وعدد من الأحزاب السياسية، هي التحالف الشعبي الاشتراكي والدستور والكرامة ومصر الحرية، والعيش والحرية (تحت التأسيس)، والإصلاح والتنمية الذي جمَّد نشاطه عام 2020، والعدل والمصري الديمقراطي الاجتماعي اللذان جمَّدا نشاطهما 2024. وفي 2022، انضمت تباعًا أحزاب المحافظين والوفاق القومي والشيوعي المصري.

وجاء الإعلان عن الحركة في واحدٍ من أكثر الأعوام توترًا في حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي، بعد ستة أشهر من التنازل على جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، وبالتزامن مع تصاعد وتيرة الانتقادات الحقوقية للتوسع في حملات القبض على معارضين وحبسهم احتياطيًا، وتقييد التظاهر والعمل العام، مع اقتراب أول انتخابات رئاسية تجري في رئاسة السيسي، وكان واضحًا وقتها علوَّ الأصوات الناقمة من الإجراءات الاقتصادية القاسية التي أفقرت الكثير من المصريين.

الحركة أُسست لرفض هندسة العملية السياسية بالكامل

في ذلك السياق الملتبس، جاء تشكيل الحركة كـ"رد فعل"، بتوصيف أستاذ علم الاجتماع السياسي سعيد صادق، فتلك اللحظة السياسية صعّدت المخاوف من هيمنة التيارات الدينية على المعارضة، كما يقول.

ويشير صادق في حديثه لـ المنصة إلى أن الحركة لعبت دورًا مهمًا في الحفاظ على مساحة ولو محدودة لطرح أفكار بديلة داخل المجال العام، ومنعت ولو جزئيًا احتكار المجال السياسي بين السلطة والأحزاب الموالية لها والتيارات الدينية.

يذهب القيادي بالحركة ورئيس حزب العيش والحرية (تحت التأسيس) أكرم إسماعيل إلى تفسير قريب من ذلك، مؤكدًا المنصة على أن الحركة أُسست لرفض جعل "العملية السياسية مهندسةً بالكامل"، وهو ما يتفق معه أيضًا سيد الطوخي، مشيرًا إلى أن أبرز ما ميّز الحركة أنها لم ترسخ لفكرة "الموالاة"، ولم تقبل أن تكون أحزابها مجرد جزء من المكون السياسي الشكلي الموجود في البلد.

موسم الاختلافات والانتخابات

عقب اجتماع لقيادات في الحركة المدنية الديمقراطية في الساحل الشمالي، أغسطس 2023

دائمًا ما مثّلت الانتخابات واحدًا من أكثر الملفات حساسيةً داخل الحركة؛ فرغم ما بدا أنه اتفاق بين أحزابها على مقاطعة الانتخابات الرئاسية عام 2018؛ تفاقمت الخلافات حول المشاركة من عدمها في الاستحقاقات الانتخابية التالية.

يرجع صادق أبرز أزمات الحركة المدنية  إلى طبيعتها "كحركة احتجاج" أكثر من كونها تحالفًا سياسيًّا متماسكًا طويل الأمد، مشيرًا إلى أن أعضاء الحركة اتفقوا على ما "يرفضونه" وليس على ما "يريدونه"، لذلك سرعان ما كانت تظهر الخلافات بينهم.

يؤكد أيضًا على أن الحركة امتلكت خطابًا عامًا عن الديمقراطية والدستور والفصل بين السلطات وحرية الصحافة، لكنها لم تستطع تحويل هذه الشعارات إلى مشروع سياسي عملي واضح المعالم أو إجابة مقنعة عن سؤال "كيف؟".

في يونيو عام 2020، بدأت الخلافات حول موقف المشاركة في الانتخابات البرلمانية على قوائم السلطة، إذ قررت الحركة في بيان لها رفض المشاركة في الانتخابات البرلمانية بسبب نظام القائمة المطلقة، واتهمت "ائتلاف دعم مصر البرلماني" - المقرب من السلطة - بتكرار تجربة الحزب الوطني والهيمنة على العملية الانتخابية، وطالبت بإجراء الانتخابات بنظام القوائم النسبية، وتوفير شروط المنافسة العادلة وضمانات العملية الانتخابية وإصلاح المناخ السياسي.

إلا أن محمد أنور السادات رئيس حزب الإصلاح والتنمية خالف وقتها قرار الحركة وأعلن في يوليو/ تموز تجميد عضوية الحزب وانضمامه للقائمة المشاركة في الانتخابات.

طنطاوي وذروة الانقسام

بلغت الانقسامات ذروتها خلال الانتخابات الرئاسية 2023، إذ بدا أول الأمر أن قطاعًا واسعًا داخل الحركة يميل إلى دعم البرلماني السابق أحمد الطنطاوي، الذي اكتسب حضورًا متزايدًا داخل أوساط المعارضة منذ إعلانه خوض السباق الرئاسي.

ومع تصاعد حملته، تحولت مقرات بعض أحزاب الحركة إلى نقطة تجمع للفعاليات الداعمة له، كما حضرت قيادات بارزة من الحركة مؤتمراته وتحركاته السياسية، وعقد مؤتمرًا في مقر حزب المحافظين.

لكن الحركة، ككيان، لم تحسم موقفًا موحدًا تجاه ترشحه، وحاولت الوصول إلى صيغة توافقية، فعقدت اجتماعات مطولة لبحث الدفع بمرشح واحد يمثل "التيار المدني الديمقراطي". وجرى تداول أسماء الطنطاوي وفريد زهران وجميلة إسماعيل، قبل أن تستقر الحركة على تأجيل الحسم لما بعد غلق باب الترشح والإعلان النهائي عن المرشحين.

جاءت أزمة "بيان القصر" لتكشف عن "ترهل" واضح في الحركة

غير أن التطورات المتلاحقة دفعت المشهد إلى اتجاه مختلف، إذ واجهت حملة الطنطاوي أزمات خلال مرحلة جمع التوكيلات، شملت شكاوى متكررة من التضييق على مؤيديه، ثم انتهى الأمر بإعلانه عدم قدرته على استكمال العدد المطلوب لخوض الانتخابات. وبعدها أُحيل هو وعدد من أعضاء حملته إلى المحاكمة على خلفية قضية "التوكيلات الشعبية".

خروج الطنطاوي من السباق أعاد الانقسام داخل الحركة بصورة أكثر حدة. فبينما رأت أحزاب مثل المصري الديمقراطي والعدل أن دعم فريد زهران، الذي تمكن من استيفاء شروط الترشح، يضمن بقاء تمثيل للمعارضة داخل الانتخابات، اعتبرت أطراف أخرى مثل الكرامة والتحالف الشعبي الاشتراكي أن المشاركة نفسها فقدت معناها السياسي بعد استبعاد المرشح الأكثر حضورًا داخل الشارع المعارض.

لنصل لتاريخ 11 نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، عندما أصدرت الحركة بيانًا لم يوقع عليه المصري الديمقراطي والعدل ونُشر على صفحة حمدين صباحي، أعلنت فيه عدم دفعها بمرشح ورفضها خوض الانتخابات الرئاسية واعتبارها "استفتاءً  في عملية مهندسة بتدخل سافر من أجهزة الدولة"

بعد البيان بثلاثة أيام، تحديدًا في 14 نوفمبر، أعلن حزبا المصري الديمقراطي والعدل تجميد عضويتهما داخل الحركة بسبب ما اعتبروه "تخوينًا وكيلًا بمكيالين"، بخصوص رفض دعم زهران.

أزمة البيان

جاءت أزمة "بيان القصر" بعد ذلك لتكشف عن "ترهل" واضح في الحركة، و"ضعف" لا يرى حمدين صباحي أنها "منشِئة له"، موضحًا أن الحركة تعاني منذ سنوات من آثار بيئة سياسية مغلقة، ومن ضعف الموارد والإدارة، ومن تراجع التوافقات التي جمعت مكوناتها في البداية.

يتفق الطوخي مع هذا الطرح، مشيرًا إلى أن البيان لم يكن سوى كشف عن "خللٍ أعمق" داخل الحركة، فيما يقيّم أكرم إسماعيل البيان بوصفه "غلطة سياسية وإجرائية"، لا تعكس جوهر القضايا التي تأسست الحركة للدفاع عنها، متفقًا في الوقت نفسه مع أن طريقة تمريره كشفت خللًا واضحًا في آليات اتخاذ القرار، رافضًا منطق "التبرؤ الفردي"، فخروج كل طرف يقول "أنا ماليش دعوة" لا يعكس سلوكًا مناسبًا داخل عمل جبهوي كالحركة.

وسط هذه التحللات التي تمسك بجسد الحركة وتدفع لنهايتها، ثمة من يذهب إلى خيار وضعها على جهاز التنفس

ورغم بيان أكمل قرطام الذي انتقد بيان التضامن معه، وقال إنه لم يكن يعلم عنه شيئًا قبل نشره، فإن محمد رفعت رئيس حزب الوفاق القومي يتحدث عن دور كبير لأكمل في بداية التفكك قبل أزمة القصر.

ويؤكد رفعت لـ المنصة أن الحركة بدأت في التفكك "من يوم ما عُرض على أخونا أكمل إن ابنه يبقى عضو مجلس النواب ووافق"، وعن الجهة التي قدمت العرض، أجاب "من اللي بيعرضوا في مصر"، في إشارة إلى الأجهزة الأمنية التي تدير العملية الانتخابية.

وفق هذه المعطيات، يذهب رئيس حزب الوفاق إلى أن الحركة تعاني ما هو أكثر من أزمة تنظيمة يمكن تجاوزها، مشددًا على أنها دخلت طور النهاية، لا بسبب البيان الأخير وحده، إنما بسبب مسار طويل من التداخل بين المعارضة الرسمية والسلطة.

ماذا تبقى من الحركة 

بعد أزمة البيان الأخير، أعلن حزب العدل انسحابه الكامل من الحركة، والموقف نفسه منتظر من حزبي المصري الديمقراطي والإصلاح والتنمية، بينما كشف مصدر من حزب المحافظين لـ المنصة، طالبًا عدم ذكر اسمه، أن قرطام غادر جروب مجلس الأمناء، وأن الأمين العام طلعت خليل من سيحضر اجتماع الحركة المقبل ممثلًا عن الحزب.

وسط هذه التحللات التي تمسك بجسد الحركة وتدفع لنهايتها، ثمة من يذهب إلى خيار وضعها على جهاز التنفس لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، باعتبار أن ضعفها هو جزء من الضعف العام للحياة السياسية في مصر، ويعتبر المتحدث السابق باسمها خالد داود الهجوم عليها "غير مبرر"، ويرفض  في مقال له بـ المنصة دعوات تأسيس كيان جديد بدلًا من الحركة المدنية، مؤكدًا أن الحياة السياسية عمومًا تعاني حالة جمود تحت وطأة الأحداث الإقليمية المزلزلة المتتالية.

ورغم انتقادات أستاذ علم الاجتماع السياسي سعيد صادق لأداء الحركة، فإنه يرفض اختزال أزمتها في أخطاء قياداتها أو ضعفها التنظيمي فقط، معتبرًا أن البيئة السياسية نفسها لعبت دورًا حاسمًا في إضعافها.

يتفق رئيس حزب الكرامة سيد الطوخي على أن كل الكيانات السياسية والنقابية تعاني حصارًا شديدًا  وتربصًا من كل اتجاه، ويعدد رئيس حزب الوفاق القومي محمد رفعت أشكال الحصار، إذ يمنع أي حزب من عقد أي مؤتمر أو لقاء خارج مقره الرئيسي، ولا يمكنه الذهاب إلى مصنع أو قرية أو مزرعة أو اللقاء بالطلاب في الجامعات.

يُذكِّر أكرم إسماعيل بعدد من النجاحات في مسيرة الحركة المدنية، التي حاولت ممارسة نشاطها المعارض عبر محطات مختلفة؛ بدءًا من موقفها من تعديل الدستور، ثم الحوار الوطني الذي وضعت ملف سجناء الرأي كشرط للمشاركة فيه، والانتخابات الرئاسية، لافتًا إلى أنها كانت تضغط بما تملك من إمكانات لخلق انفراجة حقيقية في الحياة السياسية المصرية وفي المجال العام.

لكنه في الوقت نفسه، يعترف بأن هذا النجاح لم يبلغ القدر المأمول، وهذا يعود لحجم وزنها وقوتها من جهة، وإصرار النظام على الحكم بالغلق والهندسة من جهة أخرى.

يبدو من هذا الحديث أن الأزمة ليست أزمة الحركة المدنية في حد ذاتها، وإنما أزمة المعارضة في مصر بشكل عام، حيث لا تستطيع ممارسة دورها وتكتفي بلعب دور "شبه المعارضة" في شبه الدولة الذي سبق ووصّف به الرئيس السيسي أوضاع البلد الذي يحكمه.