عودة القضاة من التغريبة الثالثة
تتسم العلاقة بين نادي قضاة مصر والسلطة السياسية بالحذر والتوتر منذ تأسيسه عام 1939. وفي ظل نظم حاكمة تعامل القضاء كمرفق تابع للدولة، تحولت العلاقة إلى صراع مستمر؛ يسعى فيه القضاة لحماية استقلالهم ومنع تغول السلطة التنفيذية، التي تحاول من جانبها فرض هيمنتها وتوظيف القضاء لتثبيت حكمها. وكان النادي دائمًا هو الساحة الرئيسية التي يظهر فيها هذا النزاع بين رغبة الاستقلال ومحاولات السيطرة.
في هذا السياق، مثّلت العقودُ الثلاثة الأولى بعد التأسيس، وقد تزامنت مع تطور وتبلور مفاهيم سياسية حداثية مثل سيادة القانون والفصل بين السلطات وحقوق الإنسان، فترةَ تجريبٍ لرسم حدود نفوذ الطرفين؛ اللذين سعى كلٌّ منهما لمعرفة صلاحياته والمساحات المتاحة له والممنوعة. ذلك .
وفي شارع عبد الخالق ثروت بقلب القاهرة، تعددت المعارك الضارية بين قضاة يطالبون باستقلالهم من أجل ضمان حيادهم، وسلطة ترغب في إخضاعهم لأحكامها وقراراتها. ولكل معركة رموزها القضائية النبيلة التي وقفت في وجه السلطة التنفيذية معلنة استقلالها.
تعددت النجاحات وكذلك الهزائم، وبعد كل هزيمة تأتي تغريبة يُعصف فيها بالقضاة المطالبين بالاستقلال، لكنهم سرعان ما يعودون لتنظيم أنفسهم في نادي القضاة ورفع مطالبهم مجددًا بضرورة استقلال القضاء كضمانة أساسية للحكم الرشيد.
ومع هزيمة 1967 وصل الصدام بين السلطة السياسية ونادي القضاة ذروته، ليُفضي إلى نزاعات لا تزال آثارها ممتدة حتى انتخابات نادي القضاة التي عُقدت يوم السبت الماضي 26 يونيو/حزيران 2026. وطوال هذه الفترة الزمنية الطويلة؛ ظل القضاة المستقلون بين انتصارات تتبعها هزائم تتلوها تغريبات مؤقتة في متوالية حسابية، نتيجتها 3 تغريبات على مدار 56 عامًا.
التغريبة الأولى: 1969 - 1975
امتدت التغريبة الأولى ست سنوات منذ بدأت عام 1969، بإعلان الحكومة هجومًا حادًا غير مسبوق على نادي القضاة، تلته مذبحة القضاء التي أطاحت بالمستقلين وأحالتهم إلى المعاش، بعد رفضهم تدخلَ السلطة التنفيذية في أعمالهم، ومحاولةَ إجبارهم على الانضمام إلى الاتحاد الاشتراكي، التنظيم السياسي الواحد آنذاك، وثمنًا لمطالبتهم باستقلال القضاء وعدم الزج به في شؤون السياسة.
صدر قرار بحل مجلس النادي وغلقه تمامًا. لتبدأ التغريبة الأولى لقضاة الاستقلال الذين مُنعوا من المشاركة في أنشطته، ومن العمل بالمنظومة القضائية أيضًا. وأحيلوا جميعًا إلى المعاش، وكان أصغرهم المستشار يحيى الرفاعي الذي سيلعب دورًا بارزًا في عودة القضاة من تغريبتهم.
العودة الأولى
وبعد 6 سنوات من المذبحة، أعاد الرئيس السادات عام 1975 النادي والقضاة المحالين إلى المعاش للعمل مجددًا، باستثناء المستشار يحيى الرفاعي الذى رفض العودة بقرار رئاسي، وانتظر مجلس الدولة ليحكم قضائيًا بإعادته إلى عمله.
عاد القضاة المستقلون للعمل، واجتازوا الانتخابات تحت قيادة أحد أهم رموز تيار الاستقلال، المستشار العظيم ممتاز نصار، رئيس النادي أثناء المذبحة وأحد أبرز ضحاياها.
أعلنت الحكومة بالقبض على المستشار محمد حلمي مراد عن نهجها في التعامل مع كل المطالبين باستقلال القضاء
بقي نصار رئيسًا للنادي حتى عام 1980، ليخلفه المستشار الجليل محمد وجدي عبد الصمد مستكملًا مسيرة استقلال القضاء. طالب عبد الصمد الرئيسَ أنور السادات أثناء حضوره أحد مؤتمرات النادي بضرورة وقف العمل بقانون الطوارئ. وأكد في مواجهة الرئيس أن استقلال القضاء ليس منحةً وإنما حقٌ ينتزع. وأن القضاء لم ولن يكون أبدًا مرفقًا من مرافق الدولة، بل سلطة مستقلة بذاتها.
جاء من بعده أحد أبرز تلاميذه المستشار يحيى الرفاعي، الأب الروحي لاستقلال القضاء، ليكمل مسيرة الوقوف في وجه محاولات تدخل السلطة التنفيذية في شؤون القضاء. ونَظَّم عام 1986 مؤتمر العدالة الأول بحضور الرئيس مبارك وشدد فيه على ضرورة إلغاء قانون الطوارئ واحترام حقوق الإنسان وحرياته، واضطر مبارك إلى تمديد العمل بالقانون قبل يوم واحد من مشاركته في المؤتمر عندما علم أنهم سوف يطالبونه بوقف العمل به على الملأ. وظل تيار الاستقلال يقود النادي حتى عام 1990 مدة 15 عامًا كاملة.
التغريبة الثانية: 1990- 2000
أمام انتصار إرادة القضاة المستقلين في رئاسات الثلاثي الأهم في مسيرة استقلال القضاء: ممتاز نصار (1975- 1980) ووجدي عبد الصمد (1980- 1985) ويحيى الرفاعي (1985- 1990)، شنت الحكومة هجومًا مضادًا ضد تيار الاستقلال، عبر الدفع بمرشحين مدعومين منها في انتخابات القضاة عام 1990. نجحت الحكومة في إبعاد المستقلين عن رئاسة ومجلس إدارة النادي، ليستقر تحت قيادة المستشار مقبل شاكر، الذي كان للمفارقة من ضحايا مذبحة القضاة عام 1969!
عاد النادي إلى قبضة الحكومة لعشر سنوات كاملة حتى عام 2000، تعاملت خلالها معهم بقدر كبير من الغلظة والتهديد والوعيد، ومنعتهم من الاشتباك مع القضايا التي تتعلق باستقلالهم.
ثم في عام 1997، وقعت حادثة حملت أكبر دلالة على عنف الحكومة في تعاملها مع القضاة المطالبين بالاستقلال، مع إلقاء القبض على المستشار الدكتور محمد حلمي مراد وكان على مشارف الثمانين حينها، بسبب مقال نشره في جريدة الشعب؛ تناول فيه بلطف شديد الخلل في معايير الاختيار والتعيين في المناصب القضائية، وطالب بعدم التمييز الاجتماعي بين الموطنين الراغبين في العمل في النيابة العامة.
استمر التحقيق مع مراد في نيابة أمن الدولة حتى اليوم التالي وهو في حالة صحية بالغة السوء، في إعلان من الحكومة عن نهجها في مواجهة من يطالبون باستقلال القضاء.
العودة الثانية
خلال فترة سيطرة الحكومة على نادي القضاة من 1990 إلى 2000 بقيادة المستشار مقبل شاكر، اتجه المناخ السياسي والاجتماعي إلى مزيد من الانفتاح، وعبَّر القضاة عن رفضهم للأوضاع السياسية والاجتماعية من خلال أحكام قضائية أصدروها في مختلف المحاكم؛ جنائية وإدارية ودستورية.
ومع تعاظم دور المجتمع المدني والإعلام في مطلع الألفية، واتساع هامش الحريات الاعلامية، نجح تلاميذ يحيى الرفاعي في انتخابات نادي القضاة عام 2001 بقيادة المستشار الجليل زكريا عبد العزيز، ضد قائمة الحكومة بقيادة المستشار مقبل شاكر.
مرة أخرى يعود القضاة المستقلون للقيادة في الفترة من 2001 وحتى 2009، نشط خلالها تيار الاستقلال مطالبًا بتعديل قانون السلطة القضائية بالشكل الذي يضمن الاستقلال المالي والإداري لهم، وربط الإشراف القضائي على الانتخابات البرلمانية 2005 بحدوث ذلك، ما أدى إلى تصعيد التوتر بين الحكومة والنادي مرة أخرى.
ومع إحالة المستشارين محمود مكي والمرحوم هشام البسطويسي إلى المساءلة التأديبية لاعتراضهما على ممارسات الحكومة ومحاولتها التدخل في شؤون القضاء، اندلعت احتجاجات القضاة عام 2007 وما تلاها من أحداث.
استخدمت القوى السياسية أحداث نادي القضاة في معركتها مع الحكومة، ما أضعف موقف مجلس إدارته أمام جموع القضاة. استغلت الحكومة ذلك ضد تيار الاستقلال عام 2008، وسارعت في حشد تأييد للمرشح الذي دفعت به لخوض انتخابات 2009.
التغريبة الثالثة: 2010 - 2026
نجحت الحكومة في استغلال ما آلت إليه أحداث نادي القضاة بعد الوقفة الاحتجاجية، فقد فاز مرشحها المستشار أحمد الزند ومجلس إدارته كاملًا في انتخابات 2009، ليعود مجددًا إلى سيطرة الحكومة، ثم اندلعت الثورة.
على وقع مظاهرات الملايين في الشوارع، عاد قضاة تيار الاستقلال مجددًا إلى الحياة العامة، ليقع بعضهم في الخطأ الكبير الذي أفقدهم أصوات مجتمع القضاة المحافظ بطبيعته، حين قبلوا التعاون مع تيارات سياسية معينة في إدارة الدولة في وزارة العدل عام 2013. استغلت الحكومة هذا الأمر مرة أخرى ضد كل القضاة المستقلين، وقضية استقلال القضاء بشكل كامل، وغالت في عداوتها من أجل غل يده عن أداء دوره الرقابي على أعمالها.
في 2014 بدأت تغريبة أشد وطأة بلغت ذروتها عام 2019 مع تعديل الدستور وكل القوانين التي تمنح القضاء الاستقلال المالي أو الإداري بما يمكّنه من تنظيم شؤونه.
خلال تلك السنوات، ترأس نادي القضاة رئيس ومجلس مواليان للحكومة، وصدرت التشريعات التي تتحكم بها الحكومة في كل شؤون القضاة بداية من معايير الاختيار والتعيين وحتى قواعد وآليات اختيار أعضاء المجالس القضائية العليا.
امتدت التغريبة 16 سنة كاملة لتساوي التغريبتين الأولى والثانية مجتمعتين. لكن يبدو أنها على مشارف نهايتها؛ بعد أن اتجهت إرادة القضاة نحو المرشح المستقل المستشار محمد رفعت، ضد مرشح الحكومة المنافس له، ليصبح السؤال الذي يفرض نفسه؛ هل يمكن أن تكون هذه الجمعية بمثابة العودة من التغريبة الثالثة؟
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.

