انتخابات نادي القضاة.. رسائل غاضبة في "صناديق الاحتجاج"
جاءت نتائج انتخابات نادي القضاة التي احتضنها البهو الرئيسي لدار القضاء العالي بوسط القاهرة يوم الجمعة الماضي، مُحمَّلةً بـ"رسائل غضب مكتوم" سعى القضاة إلى إيصالها لدوائر صنع القرار خلال السنوات الماضية دون جدوى، وفق مصدرين قضائيين شاركا في الانتخابات تحدثت إليهما المنصة.
فبعد إقبال لافت على التصويت في أجواء تنافسية؛ حسم المستشار رفعت جبر مقعد رئاسة النادي بأغلبية مريحة 4111 صوتًا مقابل 2796 لمنافسه المستشار ربيع قاسم، المحسوب على الدوائر الحكومية بحكم منصبه السابق مساعدًا لوزير العدل لسنوات طويلة، ما اعتبره المصدران دلالة على أن القضاة "يرفضون الوصاية، ويختارون إبعاد ناديهم عن احتمالات الهيمنة الحكومية".
وجرت هذه الانتخابات التي فُتح باب الترشح لها قبل نحو شهرين، في ظل إدارة "تسيير أعمال"، إثر استقالة آخر رؤساء النادي المنتخبين، المستشار محمد عبد المحسن، في أغسطس/آب 2024، بعد إعارته للعمل في البحرين، ليعيّن مجلس إدارة النادي المستشار أبو الحسين فتحي قايد خلفًا له، وتبدأ ما وصفها مصدر النيابة العامة بـ "فترة ركود إداري" تراجع خلالها الأداء الإداري والخدمي للنادي.
ويوضح المصدر، الذي طلب عدم نشر اسمه، أن "الفترة اللي فاتت كان فيها جمود وضعف في النادي لأن الرئيس ماكانش مُنتخب.. كنا حاسين إن صوتنا ما بيوصلش". هذا الجمود، وفق المصدر ذاته، تزامن مع زيادة الضغوط المعيشية والاقتصادية، فضلًا عن صعوبة ظروف العمل الميداني "بيئة العمل بقت ضاغطة.. وفي نفس الوقت بنروح نشتغل في أماكن بعيدة جدًا، ضاغطة فعلًا".
غير أن المنعطف الأبرز الذي حوّل هذا الاحتقان الصامت إلى غضب معلن، كان التوجه مطلع العام الجاري إلى توسيع صلاحيات الأكاديمية العسكرية في تعيين القضاة، لتصبح هي الجهة المسؤولة عن التقديم والمقابلات الفنية والاختيار النهائي بدلًا من الجهات والهيئات القضائية ذاتها، وهو ما أثار حفيظة القضاة وفاقم غضبهم.
وأبدى مجلس إدارة النادي المؤقت تفاعلًا سريعًا مع الأزمة داعيًا إلى اجتماع طارئ لمناقشة "أمر جسيم يتردد في أروقة القضاء ويمس شؤونه"، خلص إلى دعوة الجمعية العمومية غير العادية للانعقاد في 6 فبراير/شباط الماضي. غير أن الدعوة سرعان ما ألغيت عقب لقاء جمع مجلس إدارة النادي بمجلس القضاء الأعلى.
ويروي المصدر تفاصيل تلك اللحظة الحرجة "إلغاء الجمعية العمومية تم تحت ضغوط.. غالبًا كانت من أهم الحاجات اللي زودت الاحتقان، وبدأنا نتيقن إن صوتنا مش واصل من خلال مجلس إدارة النادي بتشكيله السابق.. وحسينا إن مفيش أي اعتبار لصوت القضاء".
"المساواة" لا "الاستقلال"
وفي ظل غياب دور النادي، بدأ القضاة البحث عن كيانات بديلة تتبنى مطالبهم المعيشية الحادة؛ ومنها مساواة رواتب قضاة محاكم الاستئناف بزملائهم في محكمة النقض، مع اتساع الفجوة المالية بينهما إلى نحو 18 أو 19 ألف جنيه شهريًا، حسب المصدر الثاني، وهو قاضٍ على درجة رئيس محكمة في إحدى محافظات الصعيد.
من المفترض إن أي قاضي في الدنيا يبقى مستقل.. دي مش سُبّة.. الطبيعي إن أي قاضي في الدنيا يطلب الاستقلال
ويشير المصدر، الذي تحدث لـ المنصة طالبًا عدم نشر اسمه كونه ليس مُصرحًا له بالحديث للإعلام، إلى أن اسم المستشار محمد رفعت جبر صعد في تلك اللحظة تحديدًا كوجه بارز، متوليًا رئاسة لجنة تشكلت داخل النادي عُرفت بـ"لجنة المساواة" تتولى ملف الطعن أمام المحاكم لإقرار المساواة في الرواتب، بوصفه أكبر أعضائها سنًا.
وينفي المصدر في هذا السياق ما تناولته تقارير حاولت ربط جبر تنظيميًا بتيار استقلال القضاء التاريخي، الذي تصدر المشهد في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، عقب مواجهته تزوير الانتخابات البرلمانية 2005.
ضم ذلك التيار في حينه رموزًا قضائية بارزة؛ من بينهم رئيس مجلس القضاء الأعلى الأسبق المستشار حسام الغرياني، الذي ترأَّس الجمعية التأسيسية لوضع دستور 2012، ورئيس النادي الأسبق المستشار زكريا عبد العزيز، ونائب رئيس الجمهورية الأسبق المستشار محمود مكي وشقيقه وزير العدل الأسبق أحمد مكي، ووزير العدل الأسبق أحمد سليمان، ورئيس الجهاز المركزي للمحاسبات الأسبق المستشار هشام جنينة، ونائب رئيس محكمة النقض الأسبق المستشار محمد ناجي دربالة.
لكنَّ القواعد الشبابية والوسيطة لهذه المجموعة تلاشت من المشهد القضائي تمامًا إثر إحالتهم لمجالس التأديب والصلاحية، على خلفية التوقيع على "بيان رابعة" الذي أكد على شرعية الرئيس الأسبق محمد مرسي.
يستند قاسم على تاريخه في رئاسة نادي قضاة القليوبية لثلاثة عشر عامًا، تزامنت مع توليه المنصب الحكومي
وأكد المصدر الثاني أن "محمد جبر مش استقلال ولا عمره كان له دعوة بتيار الاستقلال، ونشاطه الخدمي بدأ فعليًا لما ترأس لجنة المساواة"، مُعربًا عن أسفه لهذا الربط الذي قال إنه لاحظه في المجموعات المغلقة للقضاة على السوشيال ميديا، حيث علّق مؤيدو منافسه ربيع قاسم مستنكرين الاحتفال بفوز جبر "هو إحنا مش كنا خلصنا من تيار الاستقلال وقضاة الإخوان دول ومسحناهم بأستيكة.. إيه رجعهم تاني؟!".
ولا يتردد المصدر في التعبير عن استهجانه لهذه التعليقات ومحاولات "الوصم السياسي" لكل من يحمل مطالب زملائه المهنية "أي حد بيتكلم في مشاكل الناس دلوقتي يبقى كده بيتحط في خانة تانية.. ده أنت إخوان، ده أنت استقلال، مع إن من المفترض إن أي قاضي في الدنيا يبقى مستقل.. دي مش سُبّة على فكرة.. الطبيعي إن أي قاضي في الدنيا يطلب الاستقلال".
ويتفق مصدر النيابة مع هذا الرأي قائلًا “للأسف دي بقت سمة في المجتمع كله إن أي حد يقول كلمة دلوقتي يتهم بأنه إخواني.. الفكرة إن أصلًا كل القضاة المتهمين بإنهم إخوان لم يعد لهم وجود.. ومحمد جبر أبعد ما يكون عن الكلام ده، وكل الفكرة من انتخابه إن لنا مطالب مشروعة وعاوزين نحصل عليها مش أكتر.. إحنا عاوزين حد يمثلنا ويعبر عن صوتنا”.
ولكن ماذا عن ربيع قاسم؟
كان مقررًا لهذه المعركة الانتخابية أن تُحسم في 19 من ديسمبر/كانون الأول الماضي، أي قبل نحو نصف عام من موعدها الفعلي، بحسب مصدر النيابة العامة، الذي أشار إلى أن مجلس إدارة النادي قرر في اجتماع سابق فتح باب الترشح ودعوة الجمعية العمومية للاقتراع.
وتقدم حينها عدد من الراغبين في الترشح بأوراقهم، وكان من بينهم المتنافسان على مقعد الرئاسة المستشاران محمد رفعت جبر ومحمد الذهبي، ولم يكن المستشار ربيع قاسم دخل حلبة السباق بعد.
ويوضح المصدر سبب الإرجاء قائلًا "لم تُجرَ الانتخابات في موعدها المقرر في ديسمبر بسبب صدور حكم من دائرة طلبات رجال القضاء بوقفها لوجود أخطاء إجرائية شابت قرار الدعوة". وخلال الأشهر الستة التي تلت قرار الإيقاف، تغيرت المعطيات بدخول لاعب جديد مدعوم بمركزه التنفيذي البارز.
ويتابع المصدر "خلال الست شهور دول ظهر بقى ربيع بيه قاسم، وهو كان مساعد وزير العدل لشؤون أبنية المحاكم، وبدأ يبين إن الدولة بتسمعله، ويقول أنا أقدر أحققلكم مطالبكم بدون صدام"، وهو الطرح الإداري الخدمي الذي لا ينكر المصدر أنه لاقى في بدايته قبولًا لافتًا لدى قطاع من القضاة يفضلون نيل المكاسب دون كلفة الصدام.
مرونة قاسم المقبولة بشأن الأجور والامتيازات لم تُسعفه في ملف "الأكاديمية العسكرية"
ولم يكن حضور قاسم عاديًا؛ إذ يشير رئيس المحكمة إلى ثقله بالقول "لأنه كان مساعد وزير عدل حتى وقتها أصلًا، وتلاقي التسهيلات بتاعته؛ منزلك صورة ليه إنه راح قابل وزير المالية، وإنه اتفق معاه على حل لأزمة الاستقطاعات الضريبية من رواتبنا، ووعود انتخابية مبنية على اعتبار إن الحكومة بتديله تسهيلات، ما هو بتاعهم".
ويعزز عضو النيابة العامة فرضية الحضور الحكومي لقاسم بوصفه "المرشح المسموع حكوميًا"، كاشفًا عن تحركات استباقية سبقت يوم الاقتراع "بدأ يقوم بأدوار قبل انتخابه كجزء من الدعاية، من ضمنها مثلًا إننا عندنا في القضاء مشكلة إدارية قديمة مرتبطة بتأخر الترقيات عن باقي أقراننا في الجهات والهيئات القضائية، ويترتب على ده تأخر مستحقات مالية وزيادات الأجور، وأعلن ربيع قاسم تدخله لدى وزارة المالية وحل الأزمة وصدور قرار يسمح لمجلس القضاء الأعلى بأن يصرف من ميزانيته الخاصة مكافآت للقضاة تعويضًا عن تأخر الترقيات".
لكن على الجانب الآخر، يستند قاسم على تاريخه في رئاسة نادي قضاة القليوبية لثلاثة عشر عامًا، تزامنت مع توليه المنصب الحكومي الذي اعتذر عنه قبل خوض انتخابات رئاسة النادي، بينما يرى أنصاره أنه تحمَّل وزر احتقان متراكم لم يكن مسؤولًا عنه.
المرونة تتحطم على باب "الأكاديمية"
لكن مرونة قاسم فيما يتعلق بالأجور والامتيازات التي لم يُمانعها قضاة كثيرون، لم تُسعفه في ملف "الأكاديمية العسكرية". يوضح المصدر أن قاسم "كان شايف إن مش هنقدر نلغي القرار دا، لكن ممكن نعترض على بعض ما يتعرّض له القضاة خلال التجربة دي زي الطوابير وصفا وانتباه ومعدلات الوزن المطلوبة للقبول، وننتظر إنشاء الأكاديمية القضائية المعلن عنها في مدينة العدالة لنستبدلها بالأكاديمية العسكرية، بدون صدام مع مؤسسات الدولة".
وفي مقابل مواقف جبر الحاسمة في هذا الملف، لم تلقَ مساعي قاسم للتهدئة "قبولًا كافيًا لدى قطاع واسع من القضاة، رغم تفهمهم لموقعه كمساعد للوزير؛ لكن كثيرين تساءلوا عن وعوده، ما دام إنت كنت تقدر تعمل كدا، ماعملتش من قبل الانتخابات ليه؟".
ولا تبدو هذه المعركة منقطعة الصلة بانتخابات عددٍ من النقابات المهنية، من بينها الصحفيين والمهندسين، اللتان تتقاطعان مع نادي القضاة في الطبيعة التمثيلية والدفاع عن مصالح القواعد. ورجحت كفة التصويت في كليهما لصالح المُرشَّحَين المستقلَّين خالد البلشي ومحمد عبد الغني، على حساب عبد المحسن سلامة عضو المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، وهاني ضاحي وزير النقل الأسبق؛ الاسمين المُقرّبين من الدوائر الرسمية، وكليهما راهن في حملته على قربه من الحكومة لجمع الامتيازات. لكنَّ نتائج الاستحقاقين عكست رغبة متزايدة من القواعد المهنية في الحفاظ على استقلالية القرار النقابي.
يوم الحسم
يربط رئيس المحكمة الصورة الذهنية التي رُسمت لقاسم كصاحب نفوذ حكومي، بآليات "الحشد الإداري" قبيل الاقتراع، من خلال توجيهات لرؤساء المحاكم والنيابات للتأكد من حضور الأعضاء للتصويت. ويتفق عضو النيابة العامة على أن الجمعية العمومية شهدت مشاركة قياسية قاربت 8 آلاف قاضٍ، لكنه ينفي وجود "توجيهات رسمية مكتوبة" بانتخاب قاسم "يمكن فُهم ده من حرص القيادات على نزول الناس، لكن مفيش مسؤول قضائي يقدر يوجه لده بشكل صريح".
يرى عضو النيابة العامة أن أي اتجاه لإلغاء الاقتراع أو إعادته سيأتي بنتيجة عكسية تمامًا على الطاعنين
إلا أن هذا الاستنفار الإداري للنزول كان هو القشة التي ارتدت عكسيًا على البرنامج الخدمي لمساعد الوزير؛ إذ رأى فيه الناخبون تجاوزًا لإرادتهم الحرة، وفقًا لعضو النيابة العامة الذي أكد "ده ممكن يكون أجج الاحتقان أكتر.. لأن البعض فسرها إن ده استخفاف بالوعي، حاجة ليها علاقة بالكرامة قبل أي حاجة وإنه ما ينفعش تشتري صوتي بشوية خدمات مادية".
وهو الطرح الذي يؤيده المصدر رئيس المحكمة بقوله "الحشد انقلب ضدهم بشكل كامل وتسبب في فوز محمد جبر. لو مكانوش حشدوا الحشد ده كان ممكن ربيع قاسم يكسب". ليتحول الاقتراع إلى "تصويت عقابي" قاده جيل الشباب، بينما تركزت كتلة قاسم في صناديق المستشارين المتقاعدين والقاضيات.
في المقابل، يرفض المصدر بالنيابة العامة حصر النتيجة في "التصويت العقابي" السلبي فقط؛ موضحًا "لو إحنا كنا قدام تصويت عقابي، كان ممكن الناس تختار المرشح الثالث محمد الذهبي بدلاً من محمد جبر، ولكن التصويت لجبر تم عن قناعة.. هم اختاروا الشخص اللي مقتنعين بيه.. الفكرة إننا كنا بنحدد هنسير في أي مسار؟ المهادنة ولا الجرأة في المطالب".
طعون مرتقبة
لم يُسلِّم معسكر قاسم بالخسارة؛ إذ كشف المصدر بالنيابة العامة عن إعلانهم التقدم بطعون قانونية أمام دائرة طلبات رجال القضاء استنادًا إلى سببين؛ أولهما انقطاع التيار الكهربائي بدار القضاء العالي يوم الفرز والعثور على بطاقات تصويت خارج الصناديق، وهي الواقعة التي استدعى قاسم بسببها شرطة النجدة في منتصف الليل لتحرير محضر إثبات حالة بمكان الفرز لدعم طعنه. أما السبب الثاني للطعن فيرتبط بمخالفة فنية للائحة النادي الداخلية، بالبدء بفرز صناديق مقعد الرئاسة مباشرة وتجاوز عُرف فرز مقاعد العضوية أولًا.
وتثير هذه الخطوة القضائية توجسًا لدى المصدر رئيس المحكمة؛ مستدعيًا قرار الدائرة ذاتها بإلغاء الانتخابات السابقة لأخطاء إجرائية اعتبرها "غير جوهرية"، لا سيما مع تسرب شائعات عبر جروبات القضاة على السوشيال ميديا تشير إلى رغبة في حل المجلس المنتخب وتعيين إدارة مؤقتة بمعرفة مجلس القضاء الأعلى.
كذلك يرى عضو النيابة العامة أن أي اتجاه لإلغاء الاقتراع أو إعادته سيأتي بنتيجة عكسية تمامًا على الطاعنين، فلن يحصل خلالها قاسم على نسبة التصويت ذاتها التي حصل عليها وإنما "هيكتسحها محمد جبر من جديد.. وبالتالي مالوش لازمة الطعن، والناس مفترض ترتضي النتيجة ونبدأ صفحة جديدة".
ورغم قتامة السيناريوهات الإدارية المحتملة، يبدي رئيس المحكمة تمسكًا معنويًا بما تحقق ليل الجمعة، مختتمًا حديثه بنبرة تحمل الكثير من الصلابة المهنية "مش مهم بعد كده يعملوا إيه. إحنا طبعًا مش هنسكت، أهم حاجة إن الرسالة وصلت لهم إن إحنا لسه فينا الروح".

