الفُرجة من ثقب الباب.. بصمات الاحتكار على بث المونديال
تفتح التليفزيون أو تطبيق البث لتشاهد مباراةً مباشرةً. يُنقل الحدث في اللحظة نفسها. تظهر الصورة فورًا. الإنترنت قادر على حمل الصورة والصوت إلى ملايين البيوت. هذا من الناحية التقنية، لكن تجربة المشاهدة تكشف واقعًا مختلفًا، فالمباراة نفسها التي قد تكون متاحة في بلد تحجب في آخر؛ وقد تدخل في باقة وتخرج من أخرى؛ قد تبث مجانًا على منصة وطنية وتغلق خلف اشتراك مدفوع في سوق مختلفة.
في مثل هذه الحالات لا تأتي الندرة من عجز الإنترنت عن نقل المباراة، إنما من الطريقة التي تُباع بها حقوق البث، فمن يملك الترخيص يتحكم في شروط الوصول إليه قانونيًا، فيحدد من يشاهد ومتى وكيف، ويربط المشاهدة بإذن مؤقت تحكمه اعتبارات القدرة على الدفع والموقع الجغرافي.
تفضح اشتراكات البث المنزلية هذا التباين بين اتساع الإمكانات التقنية وضيق الوصول الفعلي. فبينما تتيح التكنولوجيا وصولًا أوسع، يقوم اقتصاد البث على تضييق هذا الوصول حتى يصبح مصدرًا للربح. لذلك لا تظهر مبارايات كأس العالم، في السوق، لحظةً جماعيةً مفتوحةً بقدر ما تظهر سلعةً موزعةً بين تراخيص وباقات وحدود جغرافية وشروط استخدام.
من هذا التضييق ينشأ بحث الجمهور عن بدائل، مثل مواقع البث غير المرخص. ولا يكون الدافع له دائمًا رفض الدفع أو الرغبة في التحايل، بل اصطدامه بسوق لا تعامل الوصول إلى الحدث باعتباره خدمةً عامة المعنى، إنما إذن محدود بباقات ومنصات وحدود جغرافية.
مع ذلك، لا يصير البث غير المرخص أكثر عدلًا لأن السوق الرسمية غير عادلة، فهو يتحرك في ظل السوق نفسها، ويكشف كيف يدفع الإقصاء الاقتصادي حاجةً اجتماعيةً واضحةً إلى مساراتٍ أقل أمنًا، حيث قد يدفع المشاهد ثمنًا آخر من خصوصيته، أو سلامة جهازه، أو تعرضه للاحتيال.
الوفرة التي يعاد إغلاقها
يبدأ اقتصاد البث من علاقة الملكية، لا من التطبيق أو الرابط أو جهاز الاستقبال، فالبث الرقمي في صورته الاقتصادية علاقةٌ بين طرف يملك حق المنع وجمهور يريد الوصول إلى الحدث.
صحيح أن إنتاج البث الحي مكلفٌ بالفعل؛ فالمباراة لا تصل إلى الشاشة وحدها. قبل ذلك توجد بطولة وملاعب ومعدات وفرق عمل، ثم شبكة تقنية تنقل الصورة والصوت في اللحظة نفسها إلى جمهور واسع. لكن بعد إنتاج البث وتجهيز مساره التقني، لا يحتاج كل مشاهد جديد إلى بث جديد يُنتَج من الصفر، أو بتكاليف جديدة باهظة، مع ذلك لا تُبنى نماذج الربح على هذه الوفرة التقنية وحدها، بل على القدرة القانونية والتجارية على التحكم في منفذ الوصول.
بالتالي لا يُربط السعر فقط بتكلفة نقل المباراة إلى الجمهور، فمالك حقوق البث يستطيع رفع قيمة الاشتراك لأنه يملك القدرة على منع المنصات الأخرى من عرض المباراة قانونيًّا، فلا يدفع المشاهد ثمن نسخة يصعب تكرارها، بل ثمن الدخول من الباب الوحيد المسموح به.
وفق تقديرات حديثة تتراوح أرباح فيفا من تنظيم كأس العالم 2026 بين 11 و13 مليار دولار
يظهر توسّع كأس العالم 2026 كيف تتحول زيادة عدد المباريات إلى فرصة أكبر لبيع الوصول إليها، إذ تضم النسخة الموسعة 48 منتخبًا يلعبون 104 مباريات، بعد اعتماد صيغة تشمل 12 مجموعة ودورًا إقصائيًّا من 32 فريقًا. يعني ذلك مواعيد مشاهدة إضافية، ومساحات إعلانية أوسع ورعاية وضيافة وأسواقًا جغرافية مختلفة، وبالطبع حقوق بث توزع على أسواق ومنصات متعددة.
وبينما قدّر فيفا في ميزانية دورة 2023-2026 إيراداته الإجمالية بنحو 11 مليار دولار، منها 4.264 مليار دولار من حقوق البث التلفزيوني، فإن التقديرات الأحدث التي عرضتها الجارديان استنادًا إلى أرقام الاتحاد الدولي المالية ترفع إيرادات الدورة الحالية إلى نحو 13 مليار دولار، مع بقاء بيع حقوق البث العالمية أكبر مولّد للإيرادات، لذلك تقع السيطرة على المشاهدة في مركز اقتصاد البطولة.
الجغرافيا الرقمية حدودًا سوقية
تُستخدم شركات الحقوق والبث الجغرافيا أداةً لتقسيم سوق كأس العالم 2026 عالميًا، فلا يُعامل الجمهور العالمي بوصفه جمهورًا واحدًا أمام حدث واحد، بل شرائح منفصلة بحسب منطقة الترخيص وقنوات التوزيع المسموح بها.
تُظهر وثيقة فيفا الرسمية للشركاء الإعلاميين للبطولة هذا التقسيم بوضوح؛ فحقوق البث موزعة على 223 إقليمًا، مع تمييز بين التليفزيون والراديو والموبايل والإنترنت، بما يعني أن الوصول إلى المباراة نفسها يمر عبر ترتيبات مختلفة من سوق إلى أخرى، كما يُباع بشروط متباينة، ثم يُستخدم الحجب الجغرافي -أي منع المستخدم من مشاهدة محتوى متاح في بلد آخر بناءً على موقعه- لمنع الجمهور من العبور بين هذه الأسواق.
وفيما تتحرك حقوق البث والإعلانات وحزم المحتوى عبر أسواق متعددة، يبقى المستخدم محكومًا بالمنطقة التي يُلحقه بها عنوانه الشبكي وحسابه ووسيلة دفعه. ولا يقع هذا التقييد على الجميع بالطريقة نفسها، فالأثر يتغير حسب الدخل، والجنسية، وقدرة المستخدم على الدفع بعملة مقبولة.
تُظهر نماذج الوصول المجاني أن هذا التقسيم لا ينتج عن ضرورة تقنية. ففي المملكة المتحدة مثلًا، تظهر BBC وITV ضمن شركاء البث للبطولة، وتعرض المباريات عبر منصتي BBC IPlayer وITVX، وهما خدمتا بث رقمي تابعتان لهيئتي BBC وITV، من دون اشتراك مدفوع.
وفي أستراليا، يظهر SBS Australia شريكًا إعلاميًا للبطولة، مع إتاحة المشاهدة عبر خدمة SBS On Demand، وهي منصة بث رقمية مجانية تابعة لهيئة البث الأسترالية SBS تتيح مشاهدة البرامج والمباريات عبر الإنترنت. وفي أيرلندا، يرد RTÉ ضمن شركاء البث، وتظهر خدمة RTÉ Player، وهي منصة بث رقمية مجانية تابعة لهيئة البث الأيرلندية RTÉ، كنافذة مجانية للمشاهدة.
المشاهدة المجانية، في هذا السياق، تظل محكومة بحدود السوق الوطنية، وتخضع لعلاقات الترخيص والحجب الجغرافي نفسها التي تنظّم بقية سوق البث. فيستطيع الجمهور داخل هذه البلدان الوصول إلى المباريات عبر قنوات ومنصات مجانية، لكن هذا الوصول لا يمتد بالضرورة إلى مستخدم خارج النطاق الجغرافي المسموح به.
البث غير المرخص سوق ظل
لا يقود نقد احتكار البث إلى تبرئة مواقع البث غير المرخّصة. فهذه المواقع وخدمات IPTV لا تعمل عادةً بوصفها مشاعًا حرًّا يتبادل فيه المشجعون روابط البث خارج منطق الربح، بل هي سوق ظل داخل الاقتصاد الرقمي.
تبيع هذه السوق مباريات أكثر، في مكان واحد، وبتكلفة أقل من السوق الرسمية. لكنها تسترد ما لا يظهر في السعر عبر الإعلانات المزعجة، والنوافذ المضللة، وجمع البيانات، والاشتراكات غير القانونية، ومخاطر البرمجيات الخبيثة.
تتخذ هذه المنصات أشكالًا متعددة؛ هناك مواقع تعيش على الإعلانات وتغيّر روابطها ونطاقاتها كلما تعرضت للحجب، وهناك خدمات IPTV، أي باقات تلفزيونية عبر الإنترنت تُباع من دون ترخيص تجمع قنوات ومباريات كثيرة في اشتراك واحد يقل سعره كثيرًا عن الاشتراكات القانونية. وتوجد أيضًا قنوات ومجموعات على تيليجرام وديسكورد تعيد نشر روابط البث أو ملفات التشغيل.
خلف هذه الواجهات تظهر طبقة أوسع من الموردين والموزعين، حيث تُباع لوحات تحكم وخطوط مشاهدة جاهزة لموزعين أصغر، فيتحول البث غير المرخص من رابط يبحث عنه مستخدم قبل المباراة إلى سلسلة توزيع وربح تستفيد من محتوى جاهز ومن جمهور ضاق بشروط السوق الرسمية أو عجز عن دخولها.
تكشف قضية Streameast حجم هذه البنية على المستوى المالي والتنظيمي. فقد أعلنت Alliance for Creativity and Entertainment/تحالف الإبداع والترفيه، بالتعاون مع السلطات المصرية، تعطيل ما وُصف بأنه أكبر منصة بث رياضي غير قانوني في العالم، وقال التحالف إن الشبكة حققت أكثر من 1.6 مليار زيارة خلال عام عبر 80 نطاقًا مرتبطًا بها. وتظهر تغطيات القضية أن العملية استهدفت بنية توزيع واسعة تمنح وصولًا غير مصرح به إلى مسابقات رياضية كبرى في كرة القدم والرياضات الأمريكية.
تذهب تقارير صحفية أبعد من ذلك في توصيف الجانب المالي للقضية، إذ تحدثت عن شركة واجهة إماراتية يُشتبه في استخدامها لغسل عائدات إعلانية، وعن مبالغ مرتبطة بالعملات المشفرة وأصول عقارية. وهذا في حد ذاته يكفي لتوضيح أن البث غير المرخص قد يتحول إلى مشروع مالي منظم، وليس إلى تضامن مجاني بين مشجعين.
البث الحصري يحوّل حدثًا جماهيريًا إلى مورد خاص للربح تحرسه الدولة بقوة القانون
تقدم عملية Kratos الأوروبية مثالًا آخر على البنية نفسها. فقد ذكرت وكالة أسوشيتد برس أن عملية نفذتها يوروبول خلال يورو 2024 وأولمبياد باريس استهدفت شبكة بث غير قانوني وزعت أكثر من 2500 قناة ووصلت إلى أكثر من 22 مليون مستخدم حول العالم. وحددت العملية أكثر من 560 موزعًا، وأكثر من 100 مشتبه به، وصادرت خوادم وأجهزة IPTV ونطاقات مرتبطة بالنشاط غير القانوني.
وخلال كأس العالم 2026، أعلنت وزارة العدل الأمريكية تنفيذ عملية Operation Offsides، التي أسفرت عن مصادرة نحو 400 موقع/نطاق كان يُستخدم في بث مباريات المونديال بصورة غير مرخّصة ومخالفة لقانون حقوق النشر الأمريكي.
حسب بيان الوزارة، استُخدمت هذه النطاقات لبث مباريات كأس العالم في الزمن الحقيقي من دون تصريح، وذكر أن جهات أمريكية شاركت في العملية إلى جانب فيفا وbeIN وتحالف الإبداع والترفيه وشركات إعلامية أخرى
ما تقدمه هذه السوق هو نفسه ما تمتنع السوق الرسمية عن تقديمه لأنه يهدد الربح القادم من الاحتكار والحصرية. غير أنها تفعل ذلك بلا ضمانات قانونية أو أمنية أو شفافية في استخدام البيانات والدفع. لذلك فهي لا تكسر منطق المنصة الرسمية بقدر ما تعيد إنتاجه في صيغة أكثر هشاشة وعبر وسيط جديد يتحكم في الوصول، ويستخرج الربح من حاجة الجمهور، لكنه يعمل خارج أي مساءلة أمام المستخدم.
ثمن الندرة
لا يتوزع ثمن الندرة المصطنعة بالتساوي، فالمشاهد القادر على الدفع قد يلجأ إلى خدمة غير مرخّصة طلبًا للراحة أو لتجميع المباريات في مكان واحد، بينما تدفع الفئات الأقل دخلًا ثمن الاحتكار من موقع مختلف، مثل العمال والشباب والطلاب ورواد المقاهي الشعبية الذين يريدون الوصول إلى حدث جماهيري جرى تحويله إلى سلعة محاطة بحقوق حصرية وباقات مرتفعة وشروط استخدام مغلقة.
هذه الفئات تدفع جزءًا آخر من الثمن في صورة مخاطر رقمية. فحين يُضطر الجمهور إلى مسارات غير رسمية، لا يتحمل الجميع الخطر بالقدر نفسه؛ من يعتمد على هاتف رخيص، أو اتصال غير مستقر، أو معرفة تقنية محدودة، يصبح أكثر عرضة للتصيد، والإضافات المشبوهة، والتطبيقات المعدّلة، وفقدان البيانات أو إتلاف الجهاز.
كما تظهر المقاهي ومساحات المشاهدة الجماعية كجزء من هذا الثمن أيضًا. فقد أبقت هذه الأماكن كرة القدم فعلًا اجتماعيًا وليس استهلاكًا فرديًا معزولًا، ومساحة تسمح لمن لا يملك منصة مدفوعة بأن يكون حاضرًا في لحظة جماعية. لكن هذا الشكل الشعبي من المشاهدة يصطدم بدوره بشروط ترخيص وأجهزة وباقات مخصصة.
ينبغي أن يتحول الوصول العام إلى الأحداث الرياضية الكبرى مطلبًا اجتماعيًّا منظمًا، لا رجاءً موجّهًا إلى سلطات قانونية يُفترض بها الحياد وهي غير ذلك، فالسلطة التي تستطيع حجب نطاق أو طلب إزالة رابط لا تعجز عن التدخل في سوق الحقوق، لكنها تتدخل غالبًا من موقعها داخل علاقات الملكية.