تصميم: أحمد بلال، المنصة 2026
لاعب كرة قدم

عالمٌ ليس لنا في كثير من الملاعب

منشور الخميس 16 تموز/يوليو 2026

يقول حريفةُ كرة القدم إنها اللعبةُ التي تجعل الجميع سواسية؛ إذ تبدو دومًا في متناول الكل، يتشاركها أبناء الحواري وسُكَّان القصور. لاعبو "الكورة الشراب" وهؤلاء القادرون على اقتناء كرات تحمل خاتم فيفا وتوقيعات المشاهير.

تتبارى وتتجاور الأقدام الحافية مع الأقدام في الأحذية الفاخرة، والصبية الذين ينخرطون في مدارس الكرة بأرقى النوادي الرياضية مع أولئك الذين شقوا مشوارهم من ساحات القاهرة الشعبية، أو طرقات قرية نجريج ومركز شباب السنبلاوين؛ تمامًا كما حدث في عشوائيات فيلا فيوريتو التي جاء منها دييجو أردماندو مارادونا، وحواري لا باخادا الحي الفقير الذي نشأ فيه ليونيل ميسي.

هي اللعبة التي يذوب فيها الجميع، لاعبين وجمهورًا، حين تصهرهم روح الفريق في المستطيل الأخضر، فتتساقط الحواجز الطبقية والاجتماعية، ولا تبقى سوى معايير الحرفنة والمعافرة، وقدر معقول من العدالة، ثم حظ سعيد للفريقين.

يُلخِّص إبراهيم حسن هذه المعادلة بعبارة بليغة "المفروض كل اللعيبة زي بعضها.. 11 لاعب قصاد 11 لاعب". صحيح، لكنَّ المعادلة تضم أيضًا قدرًا هائلًا من الحب الأعمى، وأشياء أخرى.

ينطلق كأس العالم كل أربع سنوات، فتلتحم الجماهير لتختار الفرق التي تمنحها ذلك الحب الأعمى، وتنصب مواسم البهجة في شتى أصقاع الأرض. يصف المخرج الفلسطيني مهدي فليفل في وثائقي عالم ليس لنا (2012) كيف يتحول مخيم عين الحلوة للاجئين إلى أسعد مكان في ذاكرة طفولته بمجرد أن يبدأ كأس العالم.

بدأ تعلقي بكرة القدم وأنا طفلة لم يتشكّل وعيها بعد، تتابع مشاركة مصر في نسخة إيطاليا 1990. كانت العائلة الممتدة، الممسوسة بجنون اللعبة، تتحلق حول تليفزيون صغير ذي ألوان باهتة في منزل جدتي، نردد السلام الوطني مع منتخب مصر بحماس وفخرٍ، فيتسرب إلى قلبي للمرة الأولى معنى الانتماء.

يقفز الجميع فرحًا حين يحرز مجدي عبد الغني هدف المنتخب الوحيد في البطولة -الذي ظل بعدها وحيدًا لعقود- فتغمرنا نشوة عارمة ويتملكنا أمل لا يخضع للمنطق. ثم يخرج المنتخب من دور المجموعات، فنشجع الكاميرون كونه الفريق الإفريقي الوحيد، ونساند عمومًا فرق دول الجنوب. في ذلك الصيف البعيد، ورثتُ تعلق عائلتي بمنتخب الأرجنتين وحبنا الأعمى لدييجو مارادونا، وتوحدنا مع دموعه التي انهمرت بعد خسارة النهائي أمام ألمانيا الغربية.

مشادة بين الحكم الفرنسي فرانسوا لوتيكسييه والمدير الفني لمنتخب مصر حسام حسن وبينهما كابتن الفريق محمد صلاح، خلال مباراة مصر والأرجنتين في ثمن نهائي بطولة كأس العالم، 7 يوليو 2026

مارادونا.. قصة حب ودراما العالم

يعتبر معظم مؤرخي كرة القدم مارادونا الحرَّيفَ الأعظمَ في التاريخ. لكنَّ صعوده كأيقونة للجنوب العالمي بأسره/poster boy of the global south لم يرتبط بعبقريته الكروية فحسب، بل بسحر قصة صعود المستضعف/underdog الذكي والعنيد الآتي من أفقر عشوائيات العاصمة الأرجنتينية. ذلك الفتى الذي قال في بداياته إنه لا يحلم بأكثر من اللعب في فريق جيد وشراء بيت يؤوي أهله عوضًا عن عشش الصفيح، قبل أن يبزغ نجمه بعدها بسنوات قليلة.

في الفيلم التسجيلي الرائع دييجو مارادونا نرى كيف عانى "الفتى الذهبي" وأغلى لاعب في العالم من العنصرية حين كان لاعبًا في فريق برشلونة، التي غادرها عام 1984 متوجهًا إلى نابولي، أفقر مدينة في إيطاليا، ليلتحق بناديها الذي كان مهزومًا ومأزومًا. يسأله صحفي عما يتوقعه في نابولي، فيجيب بحسم "أتوقع الاحترام قبل كل شيء"؛ وهو ذات الاحترام الذي يطالب به حسام حسن اليوم وننشده جميعًا كلٌّ في ملعبه.

نشاهد في الوثائقي ذاته كيف كان مشجعو أندية الشمال الإيطالي يرفعون شعارات عنصرية بذيئة ضد أهل نابولي وفريقها، يصفونهم بالقاذورات وحاملي الأوبئة، ويحثون على "غسلهم بالنار".

يقول مارادونا إن أهل نابولي "كانوا يُعتبرون أفارقة إيطاليا". ومن هنا صار دييجو بطلًا لـ"أفارقة إيطاليا" وصانع مجدهم؛ ذلك الفتى القصير الأسمر الصاعد من قاع الفقر، والذي يشبهنا نحن الأفارقة خارج إيطاليا، وأبناء الجنوب العالمي على اتساعه.

تثبت لنا كرة القدم دائمًا أن كل الأشياء مرتبطة دراميًا ببعضها داخل الملاعب وخارجها؛ أثناء مباراة مصر والأرجنتين الأسبوع الماضي، كتب مشجع مصري بعفوية "لو مارادونا نفسه عايش كان هيقف في صفنا إحنا".

الكرة والسياسة وأشياء أخرى

التوأمان حسام وإبراهيم حسن، المدير الفني ومدير الكرة بالجهاز الفني لمنتخب مصر الأول لكرة القدم، 7 يوليو 2026

منذ سقوط جدار برلين ونظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، يمطرنا منظرو العلوم الإنسانية بتحليلات تبشر بأن العالم يتغير نحو الأفضل. صرنا نتطلع -بسذاجة ربما- لعالم أكثر مساواة وعدلاً. عالم لا يتهاون مع العنصرية ولا يقبل بالمعايير المزدوجة. وعلى مدار ثلاثة عقود، تنهال  المعاهدات الدولية واللوائح التنفيذية واللافتات الإرشادية التي تناهض العنصرية وتمجد المساواة، وتحث على احترام التنوع وتحقيق الإنصاف مثل لافتة إرشادات فيفا التي ذاكرها حسام حسن جيدا

أفكر كيف كان سيتصرف مارادونا، أو حسام حسن، قبل عشرين عامًا، لو واجه مثل ذلك الظلم التحكيمي الفج في مباراة حاسمة. كلاهما اشتهر باستخدام يديه وأصابعه بطرق أخرى غير إشارة (الإكس) في وجه الظلم والعنصرية.

لكنَّ هذا العالم الذي يُفترض أنه يتغير للأفضل، يطالبنا -نحن أبناء الجنوب- أن نتغير أيضًا، حتى لا نُوصم بالهمجية. ندرب أنفسنا على كتم الغضب، والالتزام بالإرشادات، وضبط نبرات أصواتنا وإشارات أيدينا في نقاشاتنا مع عالم يحكمه الرجل الأبيض؛ كلٌّ في ملعبه: مكاتب العمل، قاعات الجامعات الغربية، أروقة المنظمات الدولية، وعواصم الغرب المتحضر.

وهناك، تُطل المعايير المزدوجة الممزوجة بالكلاسيكيات العنصرية برأسها لتحاصرنا تقريبًا في كل مكان، وقد تكشَّف وجهها القبيح بالكامل خلال أعوام البث المباشر للإبادة في غزة. ولكننا نظن أن كأس العالم يبقى بشكلٍ ما، ملاذًا لتحقيق معادلة المساواة داخل المستطيل الأخضر؛ "المفروض كل اللعيبة زي بعضها".

في الفيلم المؤلم Sleepers للمخرج باري ليفنسون (1996)، تقرر مجموعة من المراهقين المحبوسين داخل إصلاحية في نيويورك في الستينيات لعب الكرة بجدية ومهارة في مواجهة فريق الحراس، ويفوزون فيُنكَّل بهم، ليقول أحدهم "لم يكن مفترضًا بنا أن نفوز، كان المطلوب أن نحضر فقط". حدث ذلك في إصلاحية فاسدة بلا تحكيم ولا عدالة في الستينيات، لكننا نفترض أنه لن يحدث في إحدى مباريات كأس عالم على مرأى ومسمع من الملايين عام 2026.

في مواجهة مصر والأرجنتين بدور الـ16 لمس الظلم العلني جرحًا غائرًا داخل كل منَّا، ليس فقط لأن فريقنا كان الأفضل وكان يستحق الفوز، بل ربما توحدنا جميعًا في شعورنا العميق بالظلم الذي وقع على فريقنا طوال المباراة، الذي بلغ ذروته الدرامية في مشهد الهدف الملغي. وصف معلقو قناة فوكس ذلك الهدف الذي أحرزه زيكو في الدقيقة 58 بأنه الأجمل في البطولة. يُلغى الهدف فيعود زيكو ليحرز مجددًا بعد أقل من دقائق عشر.

لا يرانا حكم مباراة الأرجنتين سوى فريق جدير بالتمثيل المشرف أمام بطل العالم، لكن لا نستحق الفوز

جسَّدت تلك الدقائق ما يحاول كل منَّا فعله في ملعبه حين يُلغى له هدف صحيح بقرار ظالم، فيواصل المعافرة متحديًا غياب العدالة وازدواجية المعايير ليُسجل مجددًا. لا ننجح دائمًا فيما نجح فيه زيكو، بل في معظم الأحيان يدعسنا الظلم فيستغرق الأمر أسابيعَ أو أشهرًا أو سنواتٍ لنهز الشباك من جديد. "نعرف أن العالم ليس عادلًا، لكن لماذا يكون ملعب كرة القدم مكان غير عادل؟" يقول حسام حسن. يبدو لنا الڤار مثل القانون الدولي الإنساني، يطبقه الحكم بانتقائية مزاجية.

لا أحب نظريات المؤامرة بشكل عام، وظَنِّي أن حكم المباراة فرانسوا ليتكسييه كان منحازًا بشكلٍ أعمى، وفي الأغلب هو مقتنع حتى هذه اللحظة أنه لم يخطئ في شيء. لقد رأينا مثل ذلك الحكم في ملاعب أخرى خارج عالم كرة القدم. هو لا يرانا سوى فريق جدير بالتمثيل المشرف أمام بطل العالم، لا نستحق الفوز حتى حين نلعب بكل مهارة وشرف ونثبت أننا أفضل من بطل العالم. هو يرانا الأقرب للخطأ والأكثر ميلًا للهمجية والبلطجة -حتى إن مارسها الفريق المنافس طوال المباراة- فيمطرنا بالإنذارات والفاولات، ولا يرى "مظلوميتنا" أبدًا.

لمن الريمونتادا اليوم؟

يعتبر منتخب الأرجنتين أن ما حققه في الربع ساعة الأخيرة من المباراة ريمونتادا، التعبير الإسباني الذي يعني العودة القوية غير المتوقعة وتحويل الهزيمة إلى نصر. بينما تعتبر جماهير المنتخب المصري والغالبية العظمى من متابعي كرة القدم ومحلليها ما حدث "سرقة في وضح النهار".

لكن تلك المباراة شهدت أكثر من ريمونتادا: الريمونتادا الكبرى في ملحمة هدفي زيكو في المباراة، وريمونتادا المنتخب المصري الذي عاد إلى كأس العالم بروح وشخصية لم نشهدها من قبل، بعد مهازل مشاركته في كأس العالم نسخة روسيا 2018 التي كانت لحظةَ هزيمةٍ كاملةٍ أداءً وروحًا. وعاد محمد صلاح الذي خذلنا كثيرًا في السابق ملكًا متوجًا على عرش جديد يليق به في قلوبنا.

وتظل الريمونتادا الأكثر إلهامًا هي للعميد في نسخته الجديدة بعد أن تحول إلى أيقونة للثقة والصدق والمعافرة والحلم، في مصر، وبين أطلال غزة، وعبر فلسطين والعالم العربي، وربما في دول الجنوب كلها.

في مشهد النهاية لفيلم الحريف لمحمد خان (1984)، يقول فارس/عادل إمام "أنا هالعب مع الخسران يا رزق". أنا أيضًا سأطوي إحساس القهر وأنا أجتر الحروب غير المتكافئة التي نخوضها في كل الملاعب، وسأحتفل بالخسران يا رزق! سأفرح تلك الفرحة الناقصة بفريقي البطل الذي خسر معركة خاضها بروح فارس.