تصميم: سيف الدين أحمد، المنصة 2026
منذ حوالي ربع قرن لم يلعب مسيحي واحد للمنتخب

هل ننتظر ربع قرن لرؤية مسيحي آخر في منتخب مصر؟

منشور الثلاثاء 14 تموز/يوليو 2026

وسط أجواء الفرح والاعتزاز بالمنتخب، ونتائج رحلته التي تخطت التوقعات، تصبح الفرصة مواتية وضرورية لإعادة الحديث عن ظاهرة سلبية يعاني منها المجال الرياضي في المجمل، وهي غياب المسيحيين عن تشكيلة المنتخب، في امتداد لغيابهم عن قوائم الأندية التي تمثل  منها عناصر المنتخبات الوطنية، لدرجة أن البعض قارن قائمة مصر بمنتخب العراق الذي يضم ثلاثة مسيحيين، رغم أن نسبة الوجود المسيحي به أقل بكثير مقارنة بمصر.

هل من الطبيعي اختفاء المسيحيين من أندية الدوري المصري موسم 2025-2026؟

الحديث عن هذه الظاهرة يتكرر بالتزامن مع المناسبات الرياضية العالمية. وأجمعت كثير من شكاوى لاعبين مسيحيين على أن منظومة اختيار الناشئين تمثل العائق الأكبر، إذ تسمح بالتمييز ضدهم في اختيارات الأندية. ورغم عرض تجاربهم وتفاصيل وقائع التمييز الديني، لم يهتم أحد من المسؤولين بالتحقيق فيها أو التعامل مع المناخ المسبب لها.

ماضٍ من التمييز

أعضاء نادي عيون مصر يلتقطون صورة تذكارية.

سبق وحذر أحمد حسام ميدو لاعب منتخب مصر لكرة القدم والزمالك السابق في لقاء تليفزيوني، من وجود "عنصرية" ضد المسيحيين في ملاعب الكرة المصرية، قائلًا "هل يُعقل ألا يكون هناك في تاريخ الكرة المصرية سوى خمسة لاعبين أقباط فقط في التوب ليفل في الكرة المصرية. هناك الكثير من اللاعبين الأقباط يتوقفون عن لعب الكرة في سن صغيرة بسبب العنصرية التي يواجهونها في فرق الكرة، ولا بد من مواجهة هذه المشكلة، العنصريون لا يخفون عنصريتهم، وعندنا عنصرية حول الديانة واللون والعِرق".

وفي نفس السياق، أشار هاني رمزي مدافع منتخب مصر السابق، في لقاء مع الإعلامي أبو المعاطي زكي في مارس/آذار هذا العام، إلى وجود تمييز خصوصًا في الفئات السنية الصغيرة، وأن الأسر المسيحية لم يعد لديها أمل في لعب أولادها كرة قدم، وأن الوضع حاليًا أسوأ عما كان من قبل.

ندرة الوجود المسيحي، دعت أسقفية وسط القاهرة عام 2022 إلى تأسيس نادي "عيون مصر"، ليتيح خدماته لجميع المواطنين دون تمييز، وحصل على موافقة وزارة الشباب والرياضة، إلا أنه واجه انتقادات بالطائفية.

فقد انتقدت تيارات سياسية وفكرية متنوعة مشروع أسقفية وسط القاهرة بحجة أنه يرسخ الطائفية، ويعمل على تديين المجال الرياضي.

وكان رأيي وقتها أن معيار الحكم الأساسي لنجاح التجربة أو فشلها هو ممارسات النادي، وهل يقوم بالتمييز ضد أي فئة من المواطنين من عدمه أي هل يسمح بانضمام مسلمين وبدون تمييز أم لا؟ هل هو نادٍ يعتمد معايير الجدارة والكفاءة ويتيح فرصة لمن لديه الموهبة من الفئات الضعيفة والمهمشة؟ وما طبيعة علاقة المؤسسة الدينية؟ فلو كان النادي يخاطب المسيحيين فقط فإنه يعيد تجربة التمييز والاستبعاد على الهوية الدينية.

في النهاية تراجعت الوزارة عن موافقتها مؤكدة أن اللوائح والقوانين المنظمة للعمل الشبابي والرياضي تحظر إقامة أو إنشاء أو إشهار أي منشآت أو هيئات شبابية أو رياضية على أساس ديني.

كفى حججًا واهية

لم يعد يجدى نفعًا اجترار الماضي بأن هاني رمزي كان من أهم لاعبي مصر، لأن آخر مباراة لعبها بقميص المنتخب كانت في عام 2003. وبالمثل، لا مجال لإنكار الواقع، بالادعاء أن المنظومة الرياضية تعتمد على الموهبة والكفاءة فقط، وكأن الخصائص الجسمانية للمسيحيين غير مناسبة لممارسة أي ألعاب رياضية على مستوى المنافسة، كما يدحض هذه الحجة أيضًا انتشار الأكاديميات الرياضية التي أسسها مسيحيون مؤخرًا ومسابقات الكنائس التي تشهد مشاركة واسعة للمسيحيين.

حتى إن التعلل بالحجة "السخيفة" التي تُساق بلا دليل، بأن الأسر المسيحية تهتم بالتعليم فقط، مردود عليها بأن ممارسة الرياضة لم تعد هدرًا للوقت أو نشاطًا للترفيه فقط، بل تحولت إلى صناعة ومهنة مجزية وبوابة للترقي الاجتماعي أسهل وأسرع حتى من العمل من خلال الحصول على مؤهل عالٍ من "كليات القمة".

سجود اللاعبين يدخل في نطاق الحرية الشخصية، لكن توظيف اتحاد الكرة لهذا السجود يبعث برسائل سلبية

هذا الغياب الذي يدركه أي متابع موضوعي يقودنا إلى سؤال مهم: إذا كانت المشكلة مطروحة منذ عدة سنوات، ويتكرر الحديث عنها باستمرار مع إدراك أسبابه، فلماذا لم يحدث شيء؟ أربع سنوات مضت على الجدل الذي صاحب تجربة نادي "عيون مصر"، ماذا فعلت مؤسسات الدولة؟

لا شيء، بل على العكس يُرسخ المسؤولون لاستمرار هذه الظاهرة بصبغ المجال الرياضي بمزيد من السمت الديني، بدايةً من استخدام "منتخب الساجدين" بديلًا عن منتخب "الفراعنة"، مرورًا بإعلان حسن شحاتة، المدير الفني الأسبق للمنتخب، أنه يختار اللاعبين طبقًا لالتزامهم.

لا أفهم لماذا ينشر اتحاد الكرة فيديوهات وصورًا لصلاة اللاعبين ومواظبتهم على تلاوة القرآن قبل التدريبات والمباريات. هل هناك من يشكك في التزامهم الديني مثلًا؟ أم ليؤكد أن الفوز والأداء المتميز مرجعه الصلاة والدعاء قبل الأساليب العلمية في التدريب واختيار طرق اللعب المناسبة؟

لا أقصد هنا انتقاد سجود اللاعبين تعبيرًا عن الرضا أو الشكر لله أو الدعاء والصلاة، فهي ممارسات تدخل ضمن نطاق الحرية الشخصية كمن يرسم الصليب أو يرفع يديه بالدعاء. لكن طريقة توظيف الاتحاد لهذه الصلوات في فيديوهاته، بصورة متكررة، تبعث برسائل عن هوية المنتخب، وعما يمثله. رسائل تفيد بفقدانه جزءًا من هويته باعتباره يمثل كل أطياف المجتمع، ومن ثم يصبح وجود لاعب مسيحي وكأنه استثناءً، هذا بخلاف إقصائه نفسيًا، مع إشعاره المستمر بعدم تجانسه مع المجموع.

صورة جماعية من تدريب منتخب مصر استعدادًا لمباراة سيراليون في التصفيات الإفريقية المؤهلة لكأس العالم 2026. 25 مارس 2025

كسر ثقافة الفقاعة

من أين نبدأ؟ ومن يخطو الخطوة الأولى؟

تقع المسؤولية على عاتق عدة جهات، على رأسها مؤسسات الدولة التي لم تتخذ أي خطوة منذ رفض وزارة الشباب والرياضة مشروع نادي عيون مصر، رغم قدرتها على اتخاذ القرار وإمكانيات الحركة والتأثير.

فالوزارة تملك تفعيل قانون الرياضة بشأن مكافحة التمييز، وتشكيل لجان للمتابعة والتفتيش على المناطق الرياضية والأندية، ووضع خطة لزيادة ونشر برامج اكتشاف المواهب على أن يكون إحدى مهمها طرق أبواب الموهوبين في أماكن تواجدهم، بدلًا من انتظار ذهاب أهاليهم إلى الأكاديميات والأندية بما يعنيه ذلك من تكلفة وعرضة للتمييز. على الوزارة الذهاب إلى المدارس والكنائس وغيرها من أماكن التجمع، إذا أردت تغيير الوضع القائم.

وإذا اعتمدت وزارة الشباب والرياضة، كغيرها، سياسة الإنكار، لم تبد اهتمامًا بهذه القضية، فهل ستلتزم بتوجيهات رئيس الجمهورية بوجود كشافين "متجردين" للمواهب الشابة والمميزة؟ متجردون من الأهواء الدينية والطبقية والمناطقية؟ أم أنها، كما جرت العادة، ستُبدي اهتمامًا كبيرًا في البدايات، سيتلاشى مع مرور الوقت وكأن شيئًا لم يحدث؟

أيضًا، اتحاد الكرة مسؤول عن التشريع والتنظيم للعبة، ويبدأ دوره بضمان تكافؤ الفرص والقضاء على أي ممارسات تمييزية سواء كانت متعمدة أو ناتجة عن جهل وغياب للوعي. لا أدري هل صدر عن اتحاد الكرة لائحة تطبق على جميع عناصر المنظومة من مسؤولي أندية وإداريين ومدربين لتحقيق هذا الهدف؟ وهل لدى الاتحاد قائمة بالممارسات الممنوعة والعقوبات المفروضة في حالة وجود مخالفات؟ وهل من الأساس لديه آلية لتلقي الشكاوى والتحقيق فيها حتى لو لم يطلب أطرافها ذلك، واتخاذ ما يلزم لمنع تكرارها؟

وأخيرًا، لا يمكن الحديث عن حلول بدون إدراك الكنائس أن دورها في تنظيم الأنشطة الصيفية والرياضية يأتي في سياق إتاحة مساحة "إضافية" آمنة لممارسة الرياضة، لا مساحة "بديلة" عن تلك التي توفرها الأندية. وبالمثل ليس مطلوبًا منها تنظيم منافسات قاصرة على مسيحيين وداخل أسوارها، "بديلة" أيضًا عن أدوار المؤسسات الرسمية. بل العمل على التوعية بأهمية عدم التقوقع داخلها، وأن تشجع الموهوبين على الالتحاق بالأندية والأكاديميات، وتكرار المحاولات حتى لو شعروا في البداية بالتمييز والرفض.

لا توجد حلول سحرية، وتغيير هذا الواقع المؤلم يحتاج سنوات، لكن لا وقت ولا مجال للانتظار سنوات أخرى ضائعة.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.