تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2026
لاعب كرة القدم دييجو مارادونا والزعيم الكوبي فيدل كاسترو.

بين دييجو وفيدل.. أيادي الله المنفلتة

منشور الأربعاء 22 تموز/يوليو 2026

في مطلع سبعينيات القرن الماضي نشر الشاعر والصحفي الكوبي اللامع إبرتو بادييا ديوانه الجديد Fuera de Juego/خارج اللعبة. منحه اتحاد الكتاب والفنانين الكوبيين جائزته لعام 1971. وكان لفيدل كاسترو، زعيم الدولة المثقف، ولأجهزته السيادية رأي مختلف في الديوان الشعري. حُبس بادييا 38 يومًا، تعرض خلالها لسوء المعاملة وربما التعذيب، وجرَّده اتحاد الكتاب من الجائزة.

ما عُرف عالميًا بـ"حالة بادييا"، أحدث انقسامًا بين المثقفين المتعاطفين مع الثورة الكوبية على مستوى العالم، وشكَّل نقطة تحول في علاقة بعضهم بالنظام الكوبي، وخصوصًا أن الشاعر كان من المتحمسين للثورة في بداياتها، وعمل كصحفي في نشرتها اليومية الأهم Granma. لكنه بدأ في نهايات الستينيات يوجِّه انتقادات لبعض النواحي، من بينها سيطرة البيروقراطيون على الحياة الثقافية الكوبية، والمنحى الستاليني الاستبدادي للنظام.

"فيدل"، كما كان يحب أن يخاطبوه باسمه المجرد تعبيرًا على التبسط اليساري والرفاقية، والذي اعتاد اللقاء بالمثقفين والكتاب والحوار معهم طيلة الساعات، أمام الكاميرات أو في غيابها، استجاب للخطاب المفتوح الذي وجهه إليه عدد من أهم مثقفي العالم مطالبين بالإفراج عن بادييا، مثل كورتاثر وسارتر وسيمون بوليفار وبارجاس يوسا، بشرط أن يقدم الشاعر نقدًا ذاتيًا علنيًا أمام عدد محدد بالاسم، ومختار بعناية من بين زملائه من أعضاء الاتحاد.

وافق بادييا على النقد الذاتي، ناصبًا فخًا للجميع. فخٌ منفلتٌ على الرغم من أنه محكوم بأداء تمثيلي مبهر، مقدمًا هذا النقد في مونولوج دام بضع ساعات من على منصة قاعة اجتماعات الاتحاد، وأمام أكثر من كاميرا سينمائية. نقد ذاتي ساخر بوجه جاد ومتعرق، يُدين النظام بكلمات إدانته لذاته، فيما يوشي ببعض زملائه الحاضرين، ومن بينهم زوجته الكاتبة نفسها، وأنهم ينتقدون النظام الثوري مثله، نتيجة افتقادهم للقدرة العقلية لفهم عظمة النظام والثورة. فيعاقبه فيدل بالإقامة الجبرية، ويمنعه من مغادرة البلاد لمدة عشر سنوات.

إله الكرة

ملصق لمارادونا في أحد شوارع نابولي، إيطاليا. صورة ملتقطة في أبريل 2019

حين مات مارادونا أذاع التليفزيون الإسباني حوارًا مسجلًا قديمًا معه، خلال مرحلة انتقالية شهدت تخلص "دييجو" -مرة أخرى الاسم المجرد كما هو حال يساريّ أمريكا اللاتينية- من إدمان المخدرات، قبل أن يعود إليها وللكحول من جديد. أتذكر جيدًا أنه نظر بابتسامة ثقة لمحاوره، ليسأله: أترى من أنا؟ أتتخيل إلى أي مدى كنت سأصل في لعبة الكرة إن لم أدمن الكوكايين؟

لم يُلقِ دييجو السؤال بوجهٍ باكٍ، أو حتى بحسرة. ففي هذه الحالة لم يكن ليضيف جديدًا لصورته كضحية، وإله ملوث، مثلما يصفه الكثيرون في استعارتهم لجاليانو. بل طرح سؤاله الذي لا يحتاج لإجابه بطريقة تخلده أكثر فأكثر عند المتمردين والثوريين واليساريين ومحبي الكرة؛ وجه مبتسم، راضٍ عما وصل إليه، بوعي كامل بعظمته المطلقة.

نجد في نماذج مثل مارادونا من رياضيين وفنانين لامعين الأسئلة التي تقلق أرواحنا، أسئلة الإنجاز والعمل، في تناقضها مع الرغبات في الصعلكة والمتعة والانفلات، وعمل ما نريد دون أي التزام. إنها الأسئلة التي تواجه الموهوبين الواعين بموهبتهم، الذين يمتلكون مشروعًا يطمحون لإنجازه. لكنهم في الوقت نفسه يريدون خوض الحياة بكل انفلاتاتها ومخاطرها وتعثراتها.

إما أن يتنازلوا عن المتعة أو عن المجد والخلود، وإما أن يتنازلوا عن اكتمال المشروع أو عن الحياة بكل متعتها وصخبها. ودييجو في هذه الحالة يمثل الاستثناء، نال الجائزتين النقيضتين، محققًا المعادلة المستحيلة في أن يكون منحرفًا دون خسارة المجد والخلود أبدًا، بل ويمنحونه تمثال الإله الملوث. صحيح ملوث لكنه إله، آتٍ من أسفل من تراب الشارع.

إنها النقطة التي يتقاطع فيها فيدل في رؤيته لذاته مع دييجو، لكن في مجال الثورة والسياسة، وليس الكرة. وربما لذلك أحب مارادونا بشكل خاص، وتبناه، وفتح له أبواب كوبا، وليس فقط للاستفادة من شهرته وكسب محبيه كجمهور للنظام الكوبي بعد أن تخلى عن الثورية، دون أن يتوقف عن مضغ كلمة ثورة في كل خطاباته. وربما كان فيدل الوحيد، كأب محب ومسامح لإله الكرة، من عرف إجابة السؤال من دييجو مباشرة، سؤال متى وكيف طرح على ذاته معادلة التخلي عن قليل من المجد في سبيل المتعة، بما تحمله من مخاطر الدمار الذاتي الشامل.

القدر الأكبر من مصير دييجو قرره هو بنفسه، باختياره

لا يمكن تجاهل عوامل كثيرة شكلت مسار دييجو ومصيره، تجعلنا نستدعيه في كل مرة تحضر فيها سيرة ميسي، أو الأرجنتين، أو العنصرية، أو التعاطف مع الفقير والضعيف. صحيح أن دييجو مُنتج صنعه الفقر والتهميش والعنصرية والموهبة الاستثنائية والنجاح والصعود والشهرة والاكتئاب، وغياب سقف للطموح، والشعور بتفاهة النجاح نفسه، لكنها كلها ليست عوامل قدرية. فالقدر الأكبر من مصير دييجو قرره دييجو بنفسه، باختياره. وهو ما تؤكده ابتسامة الصعلوك على وجهه داعيًا محاوره لأن يتخيل إلى أي مدى كان سيصل إن لم يدمن الكوكايين.

نتحدث عن إدمانه للمخدرات باعتباره سقطته الوحيدة. لكن لدييجو جوانب أخرى يتجنب الكثيرون الحديث عنها، لأنها لا تنسجم مع صورة اللاعب الثوري، المتعالي على الملكية، يساري الهوى الذي يحمل فوق جسده وشمًا لتشي جيفارا وآخر لفيدل. من بينها رغبته، وربما إدمانه لامتلاك أجساد النساء، ولو بالعنف. رغبة في الشعور بأنه مَلك من العصور الوسطى لديه جَوارٍ، وبمقدرته على فعل ما يريد. وربما في ذلك يلتقي بفيدل، بالإله الثوري/السياسي/الحاكم المنفلت، الذي ربما حلم بأن يكون دييجو، فمنح اللاعب الفرصة ليعيش بعض فانتازياته المنحرفة، التي تتناقض مع أفكاره ومبادئه نفسها، في جزيرة الثورة والاشتراكية.

إله الثورة

قال دييجو بعد سنوات من ذلك الهدف الذي أحرزه بيده، ومنح الفوز للأرجنتين في 1986، أن الهدف كان مشتركًا بين رأسه و"يد الله". تاركًا المعنى في منطقة ملتبسة؛ أن الله تدخل بيده ليساعد عبده في إحراز الهدف، أو أن يده نفسها هي يد الله باعتباره إله الكرة، وإله المتعة. وهو الهدف الذي تلاه لقاؤه الأول بفيدل، وربما أدى الهدف لهذا التعارف.

كاسترو وجيفارا يستمعان إلى أوزوالدو دورتيكوس رئيس كوبا الأسبق - التقطت الصورة عام 1960

بالتوازي مع ذلك لم يتوقف الإله الكبير، إله الثورة، فيدل الأب الروحي لإله الكرة المنفلت الصغير، عن رؤية نفسه في مرآة دييجو أو عينيه. فهو بدوره لعب كرة القدم شابًا، ويقولون إنه كان موهوبًا كمهاجم من أقصى اليمين. لكن ما كان يثير الهمس حول الإله السياسي الثوري، لم يكن انفلاتاته السياسية مثل حالة بادييا، بل ولعه بالبيسبول والنساء، وكيف كان يختفي فجأة خلال سنوات حكمه الطويلة التي قاربت النصف قرن، ليظهر في ملعب "الكرة" مثلما يسمون البيسبول في أمريكا اللاتينية، ليلعب قليلًا مع مبتدئين أو محترفين، يسجل النقاط، ثم يختفي من جديد في دهاليز السياسة، أو مع واحدة من عشيقاته الكثيرات.

أقام دييجو في كوبا أغلب أوقاته بين 2000 وحتى 2005. لم يخلع هناك قناع الإله المنفلت، اللص، بل تماهى معه أكثر في منتجع باراديرا المخصص للمشاهير والأغنياء وضيوف النظام الكوبي من الشخصيات الهامة للعلاج من الإدمان، على حساب الشعب الكوبي، متخلصًا مؤقتًا من إدمان الكوكايين، ليدمن الكحول والمراهقات والفتيات الصغيرات اللاتي كُنَّ يُوفَّرن له دائمًا، تاركًا في الجزيرة فضائح متعلقة بأبناء غير معترف بهم، وإن كان سيعترف ببعضهم متأخرًا، وعنف جنسي وجسدي، وفضيحة أن يمنحه فيدل فرصة كل هذا الانفلات، والحياة المرفهة التي لا يستطيع الكوبيون الاستمتاع بها.

وإن كان دييجو في انفلاته وانحرافه استند على المجد، على ما حققه كإله للكرة، فانفلات فيدل السياسي استند على ما حققه كإله ثوري، استطاع أن يجعل كوبا البلد اللاتيني الوحيد المستقل حقيقة عن مصالح الولايات المتحدة، الخالي تمامًا من الأميين، وحاكم الشعب الوحيد في القارة الذي يتمتع بالتعليم والرعاية الصحية والسكن المجانيين وبجودة عالية.

حريصًا على أن يراه الشعب؛ الأب، الذي يمنحهم ما يريدون إن استطاع، مستبدلًا الثورة بذاته، فيصبح الإله الحكيم، المربي وإن كان بقسوة ضرورية أحيانًا

إنه المجد الذي جعله يستمر كرأس للنظام طيلة خمسة عقود، رغم المؤامرات والحصار. محتفظًا بالتابعين، وقاسيًا مع الناقدين والمستقلين والمشككين مثل بادييا وغيره. حريصًا على أن يراه الشعب بالعين التي يراه بها دييجو؛ الأب، الذي يمنحهم ما يريدون إن استطاع، مستبدلًا الثورة بذاته، فيصبح الإله الحكيم، المربي وإن كان بقسوة ضرورية أحيانًا.

كلاهما، دييجو وفيدل، استندا على هذا النموذج من الانفلات الإلهي، على أن يسامحهم الجميع على أخطائهم لأنهم أصبحوا آلهة بفضل شجاعتهم، ومغامرتهم، وموهبتهم الاستثنائية، وقبل كل شيء ثوريتهم، وأنهم آتون من بين صفوف الشعب، فقدموا إليه حياة أفضل في حالة فيدل، والمتعة الخالصة في حالة دييجو. لتضيف الصدف أبعادًا أسطورية على هذا الثنائي من الآلهة، لتكرس ألوهيتهم عند البعض؛ أن يموت فيدل يوم 25 نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2016، في الذكرى الستين ليوم إبحار قارب الغرانما من المكسيك لبدء الثورة الكوبية المسلحة، ويموت مارادونا في اليوم ذاته بعد أربعة سنوات.

موت الآلهة

تختفي الآلهة في أزمنة الانحدار. أو يتحولون للتفاهة المطلقة، أو يصلون لمستويات قياسية من الركاكة. وربما لذلك نفسه لا يخجل ميسي من هذا التواطؤ الفاسد من الفيفا معه ومنتخب بلاده، في لعبة بيزنس مرتبطة بما يفعله في ميامي، ومشروع ترامب لأن تكون الولايات المتحدة مركز أساسي للبيزنس الكروي، لا يحاول تبرير سرقة الهدف مثل دييجو.

أو أن يخلط البعض بين الحاكم الإسباني بدرو سانشيز، الذي اضطر لاتخاذ إجراءات رمزية منحازة لفلسطين تحت ضغط الكتلة الشيوعية في حكومته، والمنتخب الإسباني لكرة القدم، الذي لا تعني فلسطين شيئًا لأغلب لاعبيه.

إنه زمن السقوط والركاكة في السياسية المجردة كذلك، البعيدة عن الكرة. أن يحاول الحكم الكوبي الحالي تجنب السقوط بالطريقة الفنزويلية، باتخاذ إجراءات جديدة وتاريخية تفتح الجزيرة أمام رؤوس الأموال الأجنبية، الأمريكية والأوروبية بالأساس. وتنزع من الكوبيين كل الامتيازات الاجتماعية التي نالوها منذ 1959، وتجردهم من حماية الدولة الأبوية. دون التخلي ولو للحظة واحدة عن مضغ كلمتي ثورة واشتراكية، منهيةً زمن الآلهة بأكبر درجة ركاكة ممكنة.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.