تصميم أحمد بلال، المنصة 2025
دونالد ترامب الرئيس، الملك، الإمبراطور

أمريكا التي أحبها في ذكرى تأسيسها الـ250

منشور الثلاثاء 21 تموز/يوليو 2026

احتفلت الولايات المتحدة في الرابع من يوليو الجاري بالذكرى الـ250 لتأسيسها دولةً فتيةً ستصبح لاحقًا قوةً عظمى، تسيطر على العالم واقتصاده في فترة وجيزة مقارنة بحضارات وإمبراطوريات عريقة. يفتخر الأمريكيون بتلك المناسبة القومية ويخرجون في عطلتها إلى الحدائق العامة، ويفخر أغلبهم بهذه الدولة/القارة التي بنوها بسواعدهم من خمسين ولاية تكاد تكون كل منها دولة مستقلة يجمعها نظام فيدرالي يضم ما يزيد عن 330 مليون مواطن ومهاجر.

المساحة وعدد السكان يكفيان لاعتبار أمريكا سوقًا مكتفية بنفسها، بفضل تنوع الموارد وبفضل محيطين يفصلانها من جهة عن إفريقيا و أوروبا ومن جهة أخرى عن آسيا، فيما تعد أمريكا اللاتينية فناء خلفي ومصدر إزعاج يُصدِّر المهاجرين والمخدرات.  

لكنَّ وجود رئيس أمريكي استثنائي مثل دونالد ترامب في البيت الأبيض، حوّل هذه المناسبة الوطنية إلى مصدرٍ لترسيخ الانقسام الأمريكي الحاد بين المحافظين، وأغلبهم من البيض الذين يرون في أنفسهم الملاك الحقيقيين للبلد وحُماة "هويتها" في مواجهة غزو المهاجرين؛ و"الليبراليين" بأطيافهم المتنوعة من اليسار إلى المدافعين عن قضايا التحرر الوطني مثل القضية الفلسطينية، والمهتمين بقضايا المرأة والمثليين والإجهاض وتضم أعدادًا أكبر من المهاجرين من أصول وعرقيات متنوعة.

بطعم المَلَكية

ملك الاستعراض ترامب، والذي تفصل عشرون يومًا بين عيد ميلاده الثمانين في 14 يونيو/حزيران، والذكرى الـ250 لإنشاء الولايات المتحدة، أراد الجمع بين المناسبتين تحت شعاره الشهير "لنجعل أمريكا عظيمة مجددا" (ماجا). فبدأ باستضافة البيتِ الأبيض مباراةً في المصارعة الحرة التي يعشقها، في حدث غير مسبوق، ثم طلاء "البحيرة العاكسة" الشهيرة في العاصمة واشنطن باللون الأزرق للعلم الأمريكي، بتكلفة 14 مليون دولار.

لكن مع افتتاح البحيرة العاكسة بعد طلائها، تحول اللون الأزرق إلى أخضر بفعل الطحالب، كما تآكلت طبقة الطلاء المستخدمة، ما دفع الرئيس الأمريكي إلى اتهام القائمين على المشروع بالسرقة وتعمد التخريب. ثم انسحب عدد من الفنانين الأمريكيين، غالبيتهم محسوبون على التيار الليبرالي، من المشاركة في الحفل الكبير الذي أُقيم بمناسبة عيد الاستقلال، فجاء الإقبال أقل من المتوقع، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة.

زادت الحرب ضد إيران من الانقسام الداخلي مع تراجع واضح في شعبية ترامب

لم يقتصر اختلاف الأمريكيين على طريقة الاحتفال على المظاهر، ولكن تمثلت الأسئلة الأهم في هوية الولايات المتحدة التي يرغب كل طرف في الاحتفال بها. وعززت حرب إيران هذا الانقسام الداخلي، مع تراجع واضح في شعبية ترامب حتى بين أنصاره، الذين يشعرون بالخيانة بعد إخلاله بوعوده الانتخابية بعدم خوض حروب خارجية لا تخدم مصالح أمريكا، وتأكيده عدم تكرار أخطاء أسلافه في العراق وأفغانستان.

هل هي أمريكا المتنوعة التي اشتهرت بـ"الوعاء الذي تذوب فيه شعوب العالم" وتكمن قوتها في تنوعها الذي ينتج إبداعًا في مجالات لا تنافسها فيها أي قوة أخرى مثل الصين وروسيا، وترى البشر متساويين وتنفتح على العالم وتدافع عن حقوق الإنسان، ومن الممكن أن يحكمها أمريكيون من أصول إفريقية او لاتينية أو آسيوية، ومن ديانات متعددة كالإسلام والبوذية والهندوسية؟

أم هي أمريكا التي يمتلكها ويديرها البيض المسيحيون المحافظون فقط، ويجب أن تبقى قوية باطشة تؤمن أن العالم لن يهابها ويخشاها دون فائض قوة عسكرية ونووية عملاقة قادرة على خوض حروب متعددة، تضع دائمًا مصالحها أولًا بغض النظر عن حقوق الإنسان والمساواة بين البشر؟

دراما الهبوط

شهدتُ شخصيًا بداية تصاعد هذا الانقسام في الولايات المتحدة حيث كنت أعملُ مراسلًا صحفيًا بين 2002 و2011، وبالتحديد مع انتخاب باراك أوباما رئيسًا في 2008.

لم يتقبل المحافظون، وعلى رأسهم ترامب، وصول رئيس من أصول إفريقية وخلفية مسلمة إلى الحكم بعد سبع سنوات على مقتل نحو 2700 أمريكي في هجمات سبتمبر على يد مسلّحين منتمين لجماعة إسلامية جهادية.

لذلك ليست مصادفة أن يركز ترامب على الاسم الأوسط لسلفه باراك "حسين" أوباما كلما تطرق إليه، بدلاً من الاتزام باسمه الثاني، الأكثر رواجًا، كما يقتضي البروتوكول. ثم إنه قاد حملةً شككت في صحة شهادة ميلاد أوباما وولادته داخل الولايات المتحدة، وهو شرط دستوري لخوض انتخابات الرئاسة.

ولن أنسى سعادتي وأنا أنقل على الهواء خبر فوز أوباما بتلك الانتخابات في غالبية الولايات الأمريكية، بما في ذلك ولايات مضمونة تاريخيًا للحزب الجمهوري والمحافظين.

في الذكرى الأولى لهجمات سبتمبر، كانت الأعلام الأمريكيين تغطي كل واجهات المباني والشرفات

شعرت وقتها أن هذه أمريكا التي أحبها، بعد ثمانية سنوات صعبة من إدارة سلفه الأحمق جورج دبليو بوش، الذي أقدم على جريمة غزو واحتلال العراق وقتل ما يزيد عن مليون عراقي ونهب بلادهم.

عندما وصلت واشنطن في العام التالي لهجمات سبتمبر، كنت قلقًا من المعاملة التي سألقاها كمصري عربي مسلم بعد تلك الحادثة التي زلزلت الولايات المتحدة، على خلفية تقارير تصاعد الكراهية تجاه المسلمين ومن يعتقد من لون بشرته وهيئته أنه مسلم.

كما تزامن وصولي مع واقعة قناص واشنطن الذي كان يستهدف الناس عشوائيًا في الأماكن العامة ببندقيته، وتبيّن أنه أمريكي من أصول إفريقية يعاني مشكلات أسرية. رسَّخت تلك الحادثة الصورة الذهنية المسبقة لديّ عن أمريكا كبلد تنتشر فيه الأسلحة وإطلاق النار على نمط أفلام الكاوبوي، وزادت من تحذيرات والدتي رحمها الله بأن انتبه لنفسي في الشوارع "لحسن تيجي فيك رصاصة طايشة".

كانت سرعة تجاوز الأحداث، والسعي للمضي قدمًا والعودة إلى نمط الحياة المعتاد من أبرز المظاهر التي لفتت انتباهي. ففي الذكرى الأولى لهجمات سبتمبر، كانت الأعلام تغطي واجهات المباني وشرفاتها في المنطقة التي أسكن فيها، فيما أُقيمت في موقع الهجوم فعاليات لإحياء ذكراه، اتسمت بحزن شديد.

أمريكا الكبيرة

لم يمضِ عامان أو ثلاثة حتى اختفت الأعلام من الشرفات المجاورة. وبدأت وسائل إعلام محلية تنشر تقارير تتهم بعض ضحايا هجمات سبتمبر بالمبالغة في حجم معاناتهم للحصول على تعويضات إضافية، ولا سيما أدعياء التضرر من استنشاق غبار انهيار البرجين، بعدما امتدت المطالبات المادية لتشمل قاطني مناطق بعيدة عن موقع الهجوم.

وكما يرفع مواطنو الولايات المتحدة شعار المضي قدمًا/Move On؛ كان لافتًا حجم السعي نحو الثراء السريع في أعقاب الهجمات، عبر طرح مشروعات بمئات مليارات الدولارات لحماية البلاد وتأمين المطارات والجسور والمنشآت. وانعكس ذلك على تصنيع الأسلحة عبر شركات عملاقة، تُشكِّل العمود الفقري لإدارة البلاد، إلى جانب شركات الكيانات التكنولوجية والدوائية والنفطية والتأمين.

كان أحد أهم الدروس التي تعلمتها من سنوات عملي في العاصمة الأمريكية أن "أمريكا ليست واشنطن"

اقتنعت أن كل شيء في الولايات المتحدة ينتهي إلى تجارة، حتى الكوارث الإنسانية وأن بعض الحروب تكون أحيانًا للدعاية لصناعة الأسلحة الأمريكية ولدفع العالم إلى شراء المزيد منها، وإبرام صفقات تضمن للقائمين على هذا الجزء من أمريكا التي لا أحبها هيمنتها الاستعمارية.

غير أن أهم ما تعلمته في تلك الفترة أن "أمريكا ليست واشنطن"، العاصمة المزدحمة بالبيروقراطيين العاملين في صناعة السياسة/politics industry، حول مؤسسات الحكومة الفيدرالية وجماعات الضغط السياسي/lobbies.

تأكدت من هذه الحقيقة عندما سافرت في مهمة صحفية للمرة الأولى إلى ولاية بنسلفانيا المجاورة، وجلست في القطار بجوار امرأة أمريكية ودودة مبتسمة كعادة الأمريكيين العاديين خارج واشنطن.

سألتني عن عملي فأخبرتها أني صحفي أغطي أخبار البيت الأبيض والخارجية الأمريكية لجريدتي في مصر. وانتابني الذهول أنه بينما كان العالم مشغولًا بتطورات حرب العراق؛ لم تكن تلك المرأة تعرف اسم وزير خارجية بلادها كولين باول، ولا تعرف من "المسؤولين" إلا عمدة مدينتها الصغيرة، ولا تشاهد سوى القنوات المحلية ولا تقرأ الصحف، ولم تمتلك جواز سفر ولم تغادر ولايتها إلا نادرًا.

تتجاوز الولايات المتحدة حدود عاصمتها واشنطن، وإن كانت قرارات القادة فيها خلال العقدين الأخيرين تدفع نحو تحولات واسعة في بلد بحجم قارة؛ لا تحكمه صناعة السياسة وحدها، بل تتداخل فيه عوامل وصناعات متعددة، أبرزها التغيرات السكانية والعرقية. وستلعب هذه العوامل دورًا حاسمًا في تحديد مسار البلاد خلال السنوات المقبلة؛ بين صورة يفضلها العالم، وأخرى يراها قاسية ومتعالية تمنح نفسها استثناءات فوق القوانين، دون حساب على ما تسببه من كوارث وحروب أو ما تسقطه من ضحايا.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.