تصوير سالم الريس، المنصة
عائلة نزار مسعود، وزوجته سماح، وأطفالهم الثلاثة، داخل خيمتهم بمخيم جباليا شمال قطاع غزة، 14 يوليو 2026

لا زيت لدينا ولا طحين.. مساعدات غزة "المفقودة" من المعبر إلى الطابور

منشور الخميس 13 آب/أغسطس 2026

في السادسة من كل صباحٍ، تغادر سماح أبو ناجي وزوجها نزار مسعود الخيمةَ التي أقاماها من الأغطية البلاستيكية في إحدى زوايا حديقة مستشفى اليمن السعيد بمخيم جباليا، شمال قطاع غزة، متجهين إلى مركز توزيع المساعدات في نقطة أبو راشد على بُعد 150 مترًا من مكان نزوحهم. في كل مرة يجولُ في خاطرهما السؤال نفسه: هل يعودان اليوم بشيء يسد جوع أطفالهما؟

يستحث الزوجان الخطى في ثبات نحو نقطة توزيع المساعدات لأنهما كغالب أهل غزة لا يملكان رفاهية اليأس، وإن كانا ممتلئين بشعور الخذلان وأنهما كالعادة لن ينالا إلا مشقة الطريق وسيعودان بدون زيت ولا طحين. 

"كل مرة بروح وزوجي لمركز التوزيع يقولوا: اسمكم غير موجود على النظام"؛ تقول سماح البالغة من العمر 31 عامًا، الحامل في شهرها الخامس، وترعى طفلين إضافة إلى ابنة أخت زوجها التي فقدت والدها قبل عامين.

عائلة نزار مسعود، وزوجته سماح، وأطفالهما الثلاثة، داخل خيمتهم بمخيم جباليا شمال قطاع غزة، 14 يوليو 2026

دون نتيجة، يحاول الزوجان معرفة سبب غياب اسميهما ويتوسلان لإدراجهما في كشوف المستفيدين من المساعدات، التي تتكون من كيس طحين وطرد غذائي يحتوي على معلبات وأرز وزيت نباتي، عندها لا يبقى أمامهما سوى الانتقال إلى طابور آخر أمام "تكية" قريبة تقدم وجبات مجانية عادةً ما تتكون من كميات محدودة من الأرز أو البرغل أو العدس أو الفاصولياء.

حتى لو وصلا الدور قبل نفاد الطعام فلن يتسنى لهما الحصول على أكثر من طبق واحد لا يسد جوع أحد الأطفال الثلاثة.

تختصر معاناة سماح وزوجها اليومية أزمة أكبر يعانيها القطاع المنكوب، فنجاح وصول طرد غذائي إلى أسرة في شمال غزة لا يتوقف فقط على إدراج اسمها على قوائم المستفيدين.

من الشاحنة إلى مركز التوزيع

تبدأ الأزمة على حدود قطاع غزة، حيث لا تسمح قوات الاحتلال إلا بدخول كميات قليلة من شاحنات المساعدات المصطفة أمام المعابر.

بعدها تبدأ الشاحنات رحلةً صعبةً تجتاز فيها طرقًا محفوفةً بالمخاطر قبل الطريق إلى مستودعات المنظمات الإغاثية، ومن ثم تظهر تحديات انتقال المساعدات من المستودعات إلى مراكز التوزيع، التي قد تتعطل بدورها، وفي نهاية هذه الرحلة تتنافس آلاف الأسر على المساعدات الشحيحة التي قد يستولى عليها من جهات غير معلومة أو يتوقف توزيعها لأسباب عدة.

في 12 يوليو/تموز الماضي، أعلنت الأمم المتحدة توقف توزيع الغذاء في نقطة أبو راشد بجباليا، شمال القطاع، بعدما قالت إن أفرادًا مسلحين "تابعين لسلطات الأمر الواقع" دخلوا المركز بالقوة، كما دخلوا مستودعًا تابعًا لبرنامج الغذاء العالمي، واعتدوا على سائقين كانا ينقلان مساعدات إنسانية.

يحوي الطرد أرزًا وزيت قلي وملحًا وبعض معلبات البقوليات إلى جانب شوال طحين 25 كيلوجرامًا

وحذرت الأمم المتحدة من تصاعدِ ما وصفته بنمط من التدخل والعنف وعرقلة العمليات الإنسانية، شمل محاولات تهريب واستهداف العاملين في المجال الإنساني وإساءة استخدام عمليات الإغاثة، مؤكدة ضرورة حماية العاملين وضمان وصول المساعدات دون عوائق. 

في المقابل، رفض المكتب الإعلامي الحكومي في غزة هذه الرواية، وقال في بيان نشره عبر قناته على واتساب إن ما جرى كان عملية نفذتها الشرطة الفلسطينية بعدما قالت إنها عثرت على مواد مهربة داخل بعض طرود المساعدات، من بينها سجائر وشاشات هواتف محمولة، معتبرًا أن التدخل جاء استجابة لمطالب سابقة بتأمين قوافل الإغاثة ومنع استغلالها.

ولم يحدد المكتب الجهة المسؤولة عن إدخال المواد، أو ينشر صورًا أو أدلة عليها، فيما قال شهود عيان لـ المنصة إن المواد عُثر عليها داخل عدد من كراتين المساعدات. ولم يصدر عن برنامج الغذاء العالمي، بعد اتهامات المكتب الإعلامي الحكومي والبيان الأممي الأول، رد آخر يتناول مزاعم التهريب.

بغض النظر عن الروايتين المتعارضتين بشأن الواقعة، أدى الخلاف إلى توقف التوزيع أربعة أيام قبل استئنافه، في وقت تنتظر فيه أسرٌ إدراج أسمائها أصلًا ضمن قوائم المستفيدين، فيما تعتمد أسر أخرى على كميات محدودة لا تكفي احتياجاتها طوال الشهر.

طعام يزيد المرض

يشير نزار إلى أن مراكز التوزيع تعمل أيامًا محدودة خلال الشهر، وتقدم طردًا يحتوي على الأرز وزيت القلي والملح وبعض معلبات البقوليات، إلى جانب شوال طحين يزن 25 كيلوجرامًا، وهي كمية لا تكفي الأسرة طوال الشهر. بينما تشير سماح إلى طفلها البكر ماجد، 9 أعوام، الجالس في إحدى زوايا الخيمة، يحك ساقيه اللتين تغطيهما قروح وجروح ملتهبة ونازفة، وتقول إن العيادة الطبية شخصته بحساسية تجاه البقوليات، التي يعتمد قدر كبير من الطعام المتاح للأسرة عليها.

ماجد، ابن نزار مسعود وسماح، مصاب بتقرحات ملتهبة في قدميه نتيجة حساسيته من البقوليات. 14 يوليو 2026

"بسبب الاعتماد في أكلهم على البقوليات، ظهرت الحبوب على رجليه، وانتشرت أكتر بسبب بيئة الخيمة الملوثة والبعوض والذباب، الطبيب في العيادة قالي إنه محتاج مضاد حيوي ومرهم مخصوص ومزرعة بكتيريا. المرهم ثمنه 40 شيكلًا (15 دولارًا تقريبًا) وأنا مش معايا المبلغ. حتى أكل التكية اللي كله بقوليات بيزود حساسيته، لكن مجبرين ناكله؛ احنا عايشين على الجاي من المساعدات القليلة"؛ تقول سماح.

ولا تقتصر المشكلات الصحية على أطفال الأسرة، تؤكد الأم أنها هي نفسها تعاني من سوء تغذية وفقر دم، يصاحبهما هبوط متكرر يصل أحيانًا إلى فقدان الوعي.

وحين ينصحها الأطباء بتناول الأغذية الغنية بالحديد مثل اللحوم والكبدة والحليب، تتساءل بسخرية "من وين أجيب حليب ولحمة؟ حتى المساعدات المالية إللي وعدونا فيها المنظمات الدولية خلال ندوات تثقيفية قبل فترة، عنا شعور إنها مجرد كلام ووعود بدون تنفيذ".

أسر خارج القوائم

على بعد أمتار من خيمة سماح، يواجه محمد بعلوشة وجهًا آخر للأزمة نفسها، فالأب، البالغ من العمر 36 عامًا، يعيش في خيمة صغيرة نصبها فوق ركان بيته المدمر لتؤويه مع زوجته وأطفاله الثلاثة.

يقضي بعلوشة، الذي كان يعمل سائق سيارة أجرة قبل الحرب، معظم نهاره باحثًا عن مساعدات إغاثية يقول إنها لا تصل إليه، بينما تعاني ابنته تالين، التي لم تكمل عامها الأول، من سوء تغذية حاد، وفق تشخيص عيادة جباليا التابعة للأونروا.

"بيعطوها مكملات غذائية، لكن هي تحتاج حليب خاص مانقدرش نشتريه. كنا معتمدين على مبادرات شبابية بتوفر الحليب للأطفال، لكن المبادرات وقفت بعد ما انقطع عنها الدعم، ومنتظرين أي بديل يحمي جسمها من الهلاك"، يقول بعلوشة لـ المنصة، مؤكدًا أنه لم يحصل على أي سلة غذائية منذ نحو خمسة أشهر، رغم تسجيل اسمه لدى أكثر من جهة، حيث تضع قلة الكميات الواردة آلاف الأسر في منافسة على عدد محدود من الطرود.

محمد بعلوشة يحمل رضيعته تالين المصابة بسوء تغذية حاد، إلى جوار أبنائه الثلاثة الأخرين، 14 يوليو 2026

وبحسب آخر بيانات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، الصادر في 6 أغسطس/آب الحالي، سمح الاحتلال بدخول 63 ألفًا و94 شاحنة مساعدات من أصل 180 ألف شاحنة كان يُفترض دخولها إلى القطاع منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين حماس وإسرائيل في شرم الشيخ في 11 أكتوبر/تشرين الأول 2025، أي نحو ثلث العدد المطلوب.

ورغم عدم توافر بيانات عن عدد الأسر في شمال غزة أو عدد الأسر غير المدرجة على قوائم توزيع الطرود الغذائية، في ظل تعدد برامج وآليات الإغاثة واستمرار حركة النزوح، فإن بيانات الأمم المتحدة تظهر فجوة واسعة بين الاحتياجات والتغطية.

ويواجه 67% من سكان القطاع مستويات تصل إلى درجة الأزمة أو أسوأ من الأزمة من حيث انعدام الأمن الغذائي، بينما تتغير أعداد المستفيدين من المساعدات الغذائية العامة بدرجة كبيرة من شهر إلى آخر، في ظل نقص الإمدادات والتمويل وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق. وتقول الأمم المتحدة إن استمرار النزوح والقيود الأمنية واللوجستية، خصوصًا قرب مناطق تمركز جيش الاحتلال، يعقد وصول الأسر إلى الخدمات والمساعدات. 

تضاف إلى أزمة الغذاء ظروف معيشية أخرى؛ إذ تعتمد المياه التي تصل إلى منطقة إقامة بعلوشة على مضخة يهدد نقص الوقود والزيوت وتعطل البطاريات استمرار تشغيلها، بينما تقع خيمته بالقرب من مناطق تمركز جيش الاحتلال شرق وشمال جباليا، إذ يستمر إطلاق النار والقصف على مناطق قريبة، وقبل شهر سقط صاروخ على بعد أمتار من خيمته، ما أسفر، حسب شهادته، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة آخرين، بينهم طفلان بُترت أقدامهم.

الموت في طريق المستودعات

لا تقتصر مخاطر وصول المساعدات على محيط النازحين أو مراكز التوزيع؛ فالطريق الذي تسلكه الشاحنات نفسها بات يحمل مخاطر للعاملين عليها.

في 8 يوليو، أعلن المطبخ المركزي العالمي مقتل سائق يدعى أحمد ناصر سليم على يد جيش الاحتلال أثناء نقله مساعدات من معبر كرم أبو سالم إلى أحد مستودعات المنظمة داخل قطاع غزة. وكان سليم يعمل لدى شركة لوجستية شريكة للمطبخ المركزي العالمي.

ولم تكن حادثة سليم الوحيدة التي تعرض فيها عاملون بنقل المساعدات للخطر، إذ قال مصدر في جمعية النقل لـ المنصة، طالبًا عدم نشر اسمه، إن جيش الاحتلال احتجز عددًا من سائقي الشاحنات عند معبر كرم أبو سالم خلال الشهر الماضي.

وفي واقعة أخرى، استهدفت آلية تابعة لجيش الاحتلال في 20 يوليو مركبة كانت تؤمّن مرور شاحنات المساعدات على شارع البحر بين رفح وخانيونس جنوب القطاع، ما أسفر عن مقتل ثلاثة من العاملين، بحسب المصدر نفسه.

هكذا، لا يقف وصول المساعدات عند عائق واحد يمكن تجاوزه؛ فالكميات الداخلة إلى القطاع المنكوب أقل من الاحتياجات، ونقلها يعرض السائقين والعاملين للخطر، ويمكن أن تتوقف مراكز توزيعها بسبب وقائع أمنية متنازع عليها، ثم تنتهي الرحلة بقوائم لا تضم جميع الأسر وبطرود لا تكفي من تصل إليهم.

أما بالنسبة لسماح، فروتين حياتها معروف؛ ستستيقظ غدًا صباحًا وتغادر خيمتها ويدها على بطنها ترعى جنينها في طريقها إلى مركز توزيع المساعدات. وربما لا تجد اسم أسرتها في كشوف الطرود لتعود من رحلتها خالية اليدين لتنتقل إلى طابور التكية مرة أخرى، حيث لا تعرف إن كانت ستقدر على الوقوف في الطابور لبضع ساعات وإن كان الطعام سيكفي كل هؤلاء الواقفين أمامها ويتبقى لها بعض الأرز أو البرغل أو العدس أو الفاصولياء حين يأتي دورها أخيرًا.