إكسات الطبقة الوسطى

منشور الثلاثاء 25 آب/أغسطس 2026

شيء ما يحدث للطبقة الوسطى في مصر أبطأ من أن نطلق عليه سقوطًا، وأوضح من أن نتجاهله. هي لا تختفي فجأة، إذ لا تستيقظ أسرة في الصباح لتكتشف أنها أصبحت فقيرة. ما يحدث أكثر هدوءًا من ذلك: تتنازل الأسرة عن أشياء كانت تعتبرها عادية، ثم تتعامل مع التنازل باعتباره قرارًا عقلانيًا، إلى أن تكتشف بعد سنوات أنها تعيش حياة مختلفة تمامًا عن تلك التي كانت تتخيلها.

المصيف أصبح رفاهية يمكن الاستغناء عنها، وخروجة المطعم صارت عزيزة، وشراء الملابس لم يعد عادة موسمية، والسيارة باتت عبئًا، والمدرسة الأفضل أصبحت حلمًا مؤجلًا أو فاتورة ثقيلة، والخروج مع الأصدقاء صار يلزمه ترتيب مسبق.

هذه الأشياء، كل منها على حدة يبدو تافهًا، لكن الطبقة الوسطى لا تُقاس فقط بما تملك، وإنما بما تستطيع أن تفعله من دون أن تهتز حياتها. وهنا بالضبط يبدأ التآكل.

في الماضي، كان تعريف الطبقة الوسطى بسيطًا إلى حد ما: وظيفة مستقرة، بيت مقبول، تعليم جيد للأبناء، سيارة أو وسيلة انتقال مريحة، إجازة سنوية، بعض المدخرات، وقدرة على مواجهة ظرف طارئ من دون أن تتحول الحياة كلها إلى أزمة.

لم تكن حياة مترفة، لكنها كانت حياة فيها مساحة للخطأ، وللمرض، وللسفر، ولشراء شيء غير ضروري، وهذه المساحة هي ما تضيق الآن.

تبدو الزيادات المباشرة في الرواتب، للوهلة الأولى، قادرة على سد الاحتياجات، غير أن حركة أسعار السلع والخدمات تتجاوز هذه الزيادات بسرعة خاطفة؛ ما يتسبب في تآكل القدرة الشرائية للمواطنين. حتى الترقية التي كان يفترض أن تحسن مستوى المعيشة أصبحت في أحيان كثيرة مجرد وسيلة للحفاظ على المستوى نفسه، أو على الأقل تفادي هبوط درجات كثيرة في السلم.

وهذا هو الجزء الأكثر قسوة في المسألة.

أكبر من مجرد أرقام

الطبقة الوسطى لا تقارن نفسها بالفقراء فقط. هي تقارن نفسها بمن هم أعلى منها أيضًا، وهذا يجعل الإحساس بالتراجع أكثر قسوة.

المشكلة إذن ليست أن الناس أصبحوا يشترون أقل.. المشكلة أن معظمهم أصبحوا يحلمون أقل

أنت لا تشعر فقط بأن الأسعار ارتفعت، وإنما ترى حولك من يستطيع أن يدفع ثمن الأشياء التي أصبحت صعبة عليك. ترى مطاعم ممتلئة، وسيارات جديدة، ومجمعات سكنية، وسفرًا، ومدارس خاصة، وحياة تبدو وكأنها تسير في اتجاه مختلف تمامًا.

فتكتشف أن المشكلة ليست فقط في قدرتك على شراء الأشياء، وإنما في قدرتك على مواصلة الانتماء إلى الحياة التي اعتدت أن تعتبرها حياتك الطبيعية.

لذلك، فالحديث عن الطبقة الوسطى لا ينبغي أن يكون مجرد حديث عن التضخم والأسعار والدخل.

المسألة أكبر كثيرًا من ذلك.

لا يمكن النظر إلى الطبقة الوسطى باعتبارها رقمًا في توزيع الدخل. بقدر ما هي شعور بالاستقرار، وإحساس بجدوى العمل، وأن المستقبل يمكن التخطيط له، من أجل حياة أفضل للأبناء.

موظفان

حين يختفي هذا الشعور، تبدأ هذه الطبقة في التآكل حتى لو ظلت الأرقام تشير إلى وجودها.

المشكلة إذن ليست أن الناس أصبحوا يشترون أقل.. المشكلة أن معظمهم باتوا يحلمون أقل. وهذا خطير.

لأن الإنسان يستطيع أن يتنازل عن مطعم، ومصيف، وسيارة، وحتى عن أشياء كثيرة اعتادها.

لكن حين يبدأ في إقناع نفسه بأن المستقبل لا يحتاج إلى أكثر مما هو عليه الآن، وحين يصبح أكبر طموحه أن يمر الشهر من دون أزمة، فهنا لا تكون الطبقة الوسطى قد خسرت بعض رفاهيتها فقط، بل بدأت تخسر الفكرة التي قامت عليها أصلًا: أن الغد يمكن أن يكون أفضل من اليوم.

ماذا حدث؟ ولماذا حدث؟

لا يمكن اختصار ما حدث في كلمة "التضخم"، رغم أن آثاره اليومية هو أكثر ما يشعر به الناس.

مصر مرت خلال السنوات الأخيرة بأزمة شديدة في العملة الأجنبية، ثم تعويمات وانخفاضات كبيرة في قيمة الجنيه، وانتقال إلى نظام أكثر مرونة لسعر الصرف، بالتزامن مع برنامج إصلاح اقتصادي يستهدف معالجة اختلالات تراكمت لسنوات. يربط صندوق النقد بين أزمة سعر الصرف السابقة ونقص العملة الأجنبية والانخفاضات المفاجئة للجنيه، وبين القفزات التي حدثت في التضخم.

كانت هذه الإجراءات، من وجهة نظر الاقتصاد الكلي، ضرورية لمعالجة أزمة أكبر: نقص الدولار، وضغوط الدين، واختلالات المالية العامة، والحاجة إلى استعادة الثقة وتوفير العملة الأجنبية. لكن المشكلة أن الإصلاح الاقتصادي له فاتورة اجتماعية.

الطبقة الوسطى ليست مجرد مجموعة من الناس تقع حسابيًا بين الفقراء والأغنياء، الطبقة الوسطى هي عصب المجتمع

وحين ترتفع أسعار السلع والخدمات بعد انخفاض قيمة العملة، لا تتوقف المسألة عند سعر السلعة المستوردة. الدولار يدخل في تكلفة النقل والطاقة والإنتاج ومدخلات الصناعة والأدوية والأجهزة وقطع الغيار وغيرها، وبالتالي يصبح انخفاض قيمة العملة موجة تمتد إلى معظم تفاصيل الحياة.

وهكذا يمكن أن يحدث شيء غريب: الاقتصاد يبدأ في الاستقرار على مستوى المؤشرات، بينما يحتاج المواطن إلى وقت أطول بكثير حتى يشعر بهذا الاستقرار في حياته اليومية.

حتى الآن، ورغم تراجع التضخم، ما زالت الأسعار ترتفع بمعدلات كبيرة؛ التضخم الأساسي سجل 14.9% سنويًا في يوليو/تموز 2026، بينما توقع صندوق النقد أن تظل الضغوط التضخمية مرتفعة خلال النصف الثاني من العام، والأهم أن انخفاض معدل التضخم لا يعني انخفاض الأسعار، لكن يعني فقط أن الأسعار ترتفع بسرعة أقل. ثم جاءت سياسة إعادة تسعير عدد من الخدمات والطاقة تدريجيًا، باعتبارها جزءًا من إصلاح المالية العامة وتقليل الدعم غير الموجه.

يمثل ارتفاع أسعار الطعام والشراب تحديًا كبيرًا أمام المصريين.

وهنا يمكن تفهم منطق الدولة: لا تستطيع الموازنة أن تتحمل، إلى الأبد، دعمًا مكلفًا للطاقة، خصوصًا في ظل ارتفاع أعباء الدين والحاجة إلى ضبط الإنفاق.

لكن السؤال الاجتماعي مختلف: من يحمي الطبقة التي تقع في المنتصف؟ الفقير يمكن أن يستفيد من برامج الدعم والحماية الاجتماعية الموجهة، والغني لديه أصول ومدخرات واستثمارات وقدرة أكبر على امتصاص الصدمات، أما الطبقة الوسطى فهي غالبًا في المنطقة الأصعب.

دخلها أكبر من أن يجعلها تستفيد من برامج الحماية، لكنه في الوقت نفسه ليس كبيرًا بما يكفي لامتصاص الارتفاعات المتتالية في التعليم والصحة والسكن والنقل والطعام. فتدفع فاتورة غلاء المعيشة كاملة.

قبل الهاوية بخطوة

الطبقة الوسطى هي عصب المجتمع. هي التي تشكل الجزء الأكبر من الحياة الطبيعية: التعليم، والمهن، والاستهلاك، والمشروعات الصغيرة، والخدمات، والضرائب، والثقافة، والإعلام، والطبقة المهنية التي تجعل الدولة تعمل كل صباح.

وهي أيضًا الطبقة التي تربط المجتمع ببعضه. الفقير ينظر إليها باعتبارها الدليل على أن الصعود ممكن. والغني يحتاج إليها باعتبارها السوق والعمالة والمهارات والخدمات. والدولة تحتاج إليها لأنها الأكثر قدرة على الإنتاج، والأكثر ارتباطًا بالتعليم والعمل والاستثمار والاستهلاك. لذلك فإن تآكلها ليس مشكلة اقتصادية فقط. إنه مشكلة اجتماعية وسياسية أيضًا.

هناك فرق نفسي كبير بين شخص لم يمتلك شيئًا أصلًا، وشخص كان يمتلك حياة مستقرة ثم بدأ يفقدها. الأول يريد أن يصعد، والثاني يخشى أن يهبط. والخوف من الهبوط قد يكون أقسى من الرغبة في الصعود. لا أحد يمكنه أن يطلب من الدولة أن توقف الإصلاح الاقتصادي، لكن هذا الإصلاح لا ينجح فقط عندما تتحسن المؤشرات الكلية، إنما ينجح حين يشعر الناس أن التضحية التي تحملوها صنعت لهم مستقبلًا أفضل.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.