قصة جريدتين: البديل وميدان مصر
عَبَرت جريدتا "البديل" و"ميدان مصر"، اللتان مثلتا تجربتين مهمتين في الصحافة المصرية، حياتنا الصحفية والثقافية سريعًا، وباختلاف سياق وعُمر كل منهما لم تتح الفرصة لكي يكتمل مشروعاهما. الأولى التي كانت تنشرها شركة التقدم للدعاية والإعلان استمرت من يوليو/تموز 2007 حتى أبريل/نيسان 2009، ثم توقفت بسبب التمويل، أما الثانية، التي كانت تصدر عن منصة المبادرات العمرانية بالقاهرة، فقد اقتصرت على ثلاثة أعداد ما بين فبراير/شباط ويوليو 2012، وتوقفت بسبب التحولات السياسية آنذاك.
شاركتُ في مشروع جريدة "البديل" لعشرة شهور، تحت رئاسة تحرير مؤسسها ومرشدها الروحي الدكتور محمد السيد سعيد، قبل مرضه وتخليه عن رئاسة التحرير ثم وفاته، بعمود أسبوعي من 350 كلمة في صفحة الثقافة التي كان يشرف عليها الروائي والصديق محمود الورداني.
المجال العام المغلق آنذاك كان أحد أسباب تأسيس الجريدة، التي راهنت وناورت بالطَرق بعنف لفتح هذا المجال وربط الصحافة بقضية الحريات. كان المناخ جاهزًا بالاحتجاجات والاحتقانات الأهلية، فقدمت الجريدة تغطياتها لانتفاضة 6 أبريل 2008، وقضايا التعذيب في أقسام الشرطة، وحريق مجلس الشورى، والحرب على غزة ديسمبر/كانون الأول 2008، وغيرها من الحملات لإشاعة الحقائق والكشف عنها أمام الرأي العام، فقد كانت تطرح نفسها بديلًا، وهنا تظهر جذريتها.
انحياز محمد السيد سعيد للمهمشين، الذين بلا صوت، وتكوينه اليساري ذا الصبغة الشخصية، انعكسا على حرارة أسلوبه، وبالتالي على أسلوب الجريدة التي جمعت بين أصحاب المواهب من اليساريين، وأصحاب الهوى اليساري، من أمثالي، لذا لم يكن لدعوته لي للكتابة ألا تلبى، فالتقيت به أثناء التجهيز في 21 شارع عبد المجيد الرمالي، باب اللوق، المقر الأنيق الذي كان مختلفًا عن المقر المتواضع لجريدة الأهالي، الصادرة عن حزب التجمع اليساري، 23 شارع عبد الخالق ثروت، حيث كنت أزور أصدقائي من الكتاب.
المؤلف الغائب
يقرن بندكت أندرسون في كتابه الجماعات المتخلية، بين الصحيفة والرواية، فالأولى تمتلك بنيةً روائيةً، وهو ما يظهر في تجاور موادها، وأخبارها، وتسلسل أحداثها، وإن لم تكن هناك علاقة سببية بينها فإن القارئ يرى هذه الأحداث والأخبار متزامنة، ويقرأها كرواية غاب مؤلفها؛ "قراءة الصحيفة تشبه قراءة رواية تخلى مؤلفها عن فكرة الحبكة المتماسكة". صفة المؤلف التي يمنحها أندرسون يمكن أن تكون وظيفة الصحفي المفكر صاحب عمود الرأي؛ وربما هو البديل عن هذا المؤلف الغائب.
يشعر قارئ البديل أن هناك شخصية مادية واعتبارية في آن تقف وراء الجريدة
يصبح هذا الكاتب المفكر جزءًا من هوية وروح الصحيفة، وهذه الصفة كانت علامة من علامات تجربة جريدة البديل. على سبيل المثال يمكن اعتبار عمود "أول ضوء" لرئيس التحرير معبرًا عن موقف الجريدة من السلطة والصحافة والمجتمع.
المؤلف الغائب ليس بالضرورة شخصًا واحدًا، فروح "البديل" تتآلف من أرواح عدة لأشخاص وأساليب، جميعهم لهم تجارب صحفية خاصة، مثل وائل عبد الفتاح، الذي شغل رئيس التحرير التنفيذي لعدة شهور، وأشرف أثناء وجوده على ملفات عن البهجة في مصر، وثورة الرجل العادي، وفيتشر صفحة أولى عن صحة الرئيس مبارك بسؤال أكثر من 15 صحفيًا في مواقع ومؤسسات معينة، كما أخبرني وائل في محادثة رقمية.
أيضًا كان خالد البلشي مساعد رئيس التحرير الذي تولى رئاسة التحرير بعد مرض مؤسسها، عنصرًا من هذه الروح المؤتلفة، وأيضًا الأستاذة كريمة كمال، ومحمود الورداني، ومدحت الزاهد، وياسر الزيات، وآخرون. لذا يشعر قارئ "البديل" مثلًا أن هناك شخصية مادية واعتبارية في آن تقف وراء الجريدة، أو تصورًا معينًا للمجتمع والمهمشين، والعدالة، والمساواة، والحريات.
الراوي ذو الرؤوس المتعددة
بعد التوقف الورقي، دُشّن الموقع الإلكتروني في مارس/آذار 2010 برئاسة خالد البلشي، كي يضمن لمشروع البديل الاستمرار، لكنه عاد وتوقف عام 2018 بعد سحب الترخيص 2017. ما بين التاريخين جرت مياه تحت الجسر، وقامت ثورة 25يناير ومظاهرات 30 يونيو المطالبة باستقالة الرئيس مرسي، وغيرها من التحولات، وحدث تحول من الشكل الملموس المادي للجريدة إلى منصة رقمية، تفتح من حولها مجالات وأشكالًا عديدة للسرد، بالتالي تغير مفهوم شخصية الصحيفة وعقلها، ومؤلفها الغائب، بدأ يتحور وأحيانًا يختفي مع كم المقالات وسرعة تدفق المواد والأخبار، والسبق في تغطيتها. ربما هذا ما غيّر بوصلة الصحف من الاهتمام بمجال الرأي.
للأسف لم يتوفر أرشيف إلكتروني لهذه التجربة المهمة
ربما يُغير إنشاء الموقع من نظرية أندرسون وفهمه للبنية الروائية للصحافة، ولا يصنع جماعة متخيلة من حوله، فالموقع/المنصة يخلق أزمنة متعددة في الوقت نفسه. ولو عاش أندرسون ورأى المنصات الإخبارية، لتبدل أيضًا تصوره عن المؤلف الغائب وربما تحول إلى "الراوي ذي الرؤوس المتعددة"؛ كل في اتجاه ويجمعها واقع مكاني عبارة عن سحابة إلكترونية.
بعد ثورة يناير ومع التحولات السياسية الجذرية عاد الأمل والرغبة، ولو كحماس مؤقت، إلى الشكل الورقي القديم مصحوبًا بهدفه في إعادة فتح المجال العام، وهو أحد أهداف مؤسسها؛ أعيد إصدار "البديل" أسبوعيًّا في يناير/كانون الثاني 2014، لكنها توقفت نوفمبر/تشرين الثاني 2015. بالطبع تظهر التواريخ انعكاسًا للتحولات السياسية التي كانت تحوط بالجريدة، بجانب أزمة التمويل.
الملفت أن شعار العودة كان "المثلث عكس التيار"، وهذا المثلث يمثل ثلاثة أضلاع لتبني صوت المهمشين، الهوية المصرية، والمقاومة، وربما أيضًا يشير لتحولات الجدل الهيجلي عند ماركس بين الشيء ونقيضة والمركب الثالث.
للأسف لم يتوفر أرشيف إلكتروني لتجربة البديل المهمة، سواء للموقع، أو صور لأعداد الجريدة الورقية باستثناء موقع الصحف المصرية التابع لمكتبة الإسكندرية، وبالتعاون مع السيداح، حصلت منه على 3861 نتيجة تحت اسم البديل.
ميدان مصر
جاءت تجربة "ميدان مصر" الشهرية، أقصر زمنيًّا من تجربة البديل. كانت القوة الدافعة لمشروعها الصحفي ثورة 2011، صدرت تحت عنوان جانبي "صحافة لها رأي" في العدد زيرو، وفي العدد الأول أصبح شعارها "لا للأخبار.. نعم للآراء".
تأسست الصحفية، كما تشير قاعدة بيانات منصة مبادرة القاهرة العمرانية، سعيًا لتشكيل "نقطة محورية لهذا الثراء، والحماس، المتأجج لكثير من الأصوات والآراء، ملتزمة بعكس طيف واسع من النقاش والمناظرة التي تجري بشأن القضايا التي تؤثر على مصر".
بدأت المبادرة عام 2011، وصدر العدد زيرو فبراير/شباط 2012، وكان موضوعه الرئيسي هو ثورة يناير، وهناك مقال في الصفحة الأولى "الثورة المصرية والتحديات السياسية" لخالد شعلان. ثم صدر العدد الأول مارس 2012، وناقشت فيه موضوع "نهر النيل ودول حوض النيل" وكان مرفقًا به ملحق عن نهر النيل باللغتين العربية والإنجليزية في غاية التنوع والعمق بحثًا في هذه القضية الماسة على حياة المصريين. وكتب مجيب رشدي رئيس التحرير في الافتتاحية "إذا لم ننقذ نهر النيل سيصبح كل ما نناقشه ونتجادل حوله ونتعارك حوله بلا جدوى".
الجريدة التي أشار لها سمير فريد في مقاله بالمصري اليوم ووصفها بأنها "أكبر حدث في الصحافة المصرية بعد الثورة"، جاء عددها الثاني والأخير في يوليو 2012 وموضوعه الرئيس يدور حول "الدستور".
مصادفة
صادفتُ هذه الجريدة، التي كان يطبع من كل عدد منها 150 ألف نسخة، أثناء دخولي محطة القطار في القاهرة بطريق عودتي للإسكندرية. في منتصف المحطة، كانت هناك رزم من الجريدة يقوم أحدهم بتوزيعها، والناس يتحلقون من حوله، الكل يطلب نصيبه بدون مقابل من هذه الكعكة الورقية.
كانت هذه التجمعات عادية أثناء الثورة. لم يكن هناك شك بأنني أقف أمام شيء نادر سرعان ما سيصبح أثرًا مفقودًا عند البحث عن أرشيفه بعد 14 سنة تقريبًا. بُهرت من حرفية العدد، وأناقته، وقطعه التابلويد، والجدية التي تظهر في مواده، والأسماء غير المعروفة التي أوجدها الميدان.
كان تمويل الجريدة ذاتيًا ولا يتقاضى المحررون أجرًا
للأسف اختفى العددان اللذان حصلت عليهما تحت كتل الأوراق والمبادرات والائتلافات التي جمعتها أثناء مسيرات الثورة، ربما لأنني لم أشك بأنها ستصبح أثرًا خلال دورة حياة قصيرة تمثل أربعة عشر عامًا. كل ما لحق بزمن الثورة تحول إلى أثر.
تمسكت الجريدة بدور أكثر راديكالية في تبني صحافة الرأي وملء هذا المجال متعدد القوى والآراء والاتجاهات الذى انفتح بعد الثورة مستعينة بالمتخصصين في التحقيقات ومقالات الرأي، بجانب العناية بالصور الفوتوغرافية مع فتح المجال أمام كتاب معروفين وجدد وقراء ومدونين ورسامي كاريكاتير، من كل الاتجاهات. كانت تحاول استقطاب التعدد الذي أظهرته الثورة، في الميدان؛ هذه الجمهرة من الأراء والأعمار وأعمدة الرأي هي التي أملت الاختيار، و"الجودة هي معيار النشر"، كما أشار أحد محرريها لرحاب لؤي في حديثها معه.
وهذا المؤلف الغائب الذي لا يملك حبكة متماسكة كما كتب عنه بندكت أندرسون أصبح أكثر غيابًا وحبكته سائلة تمامًا، لم يعد يقف كعقل هارموني خلف الجريدة، بل هو ناتج عن تفاعل هذه الآراء ولاحقًا بها. وبالتالي شخصية الجريدة لم تتكون في البداية إلا بهذه الخطوط الأساسية العامة، ولكن ليس الحس الذاتي لمحرريها.
كان تمويل الجريدة ذاتيًا، ولا يتقاضى المحررون أجرًا، كما أشار المحرر في حواره مع رحاب لؤي، باستثناء الطباعة وأعمال الجرافيك. وكان توزيع الأعداد بدون مقابل جزءًا من خطة الدعاية والإعلان.
ربما يشير العدد الأخير الذي صدر في يوليو 2012، لتفسير النهاية، بالتوازي مع أزمة الحكم آنذاك بعد انتخاب محمد مرسي رئيسًا في يونيو/حزيران 2012، ثم الإعلان الدستوري في نوفمبر/تشرين الثاني سنة 2012، قضي تمامًا على أي أمل بالعودة، فقد حدث استقطاب عنيف كسر أي رمزية لميدان التحرير وتعدده الخلاق، الذي استمدت منه الجريدة مشروعها، وبعدها تحول الاستقطاب إلى عزلة جماعات أو أفراد.
هناك مقال باللغة الإنجليزية بعنوان A New, Bilingual Egyptian Opinion Journal: Midan Masr للكاتب مايكل كولينز رئيس تحرير The Middle East Journal، منشور على مدونته، يشير فيه إلى إطلاق صحيفة وموقع باسم ميدان مصر، ويثني على أنها صدرت بلغتين؛ "يبدو الأمر واعدًا، ولكني سعيد بوجود نسخة عربية ونسخة إنجليزية، مما يتيح فرصة لقراءتها خارج نطاق النخبة المثقفة في القاهرة".
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.
