تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2026
صراع "الطيب" و"الشرير" على ساحل رأس البر

"راس البر" ترتدي ثوب الساحل الشرير

هل غادر الغلابة هذا العام مصيفهم إلى الأبد؟

منشور الاثنين 14 أيلول/سبتمبر 2026

يُعدُّ محمود عوض، الموظّفُ الإداريُّ بإحدى المدارس الخاصة بمدينة طنطا، من بين المحظوظين نسبيًّا من مصطافي رأس البر الذين لا تزال لديهم القدرة على المبيت في المدينة، عكس الآخرين الذي ودعّوا ليالي المنتج الصيفي العريق وأصبح المصيف بالنسبة لها رحلة نهار واحد ينقضي بغروب الشمس.

صحيحٌ أن رأس البر لم تتخلَّ بشكل كلي عن طبيعتها مصيفًا شعبيًّا للطبقات الأقل دخلًا، لكنَّ شبه الجزيرة التي تتبع محافظة دمياط باتت على أبواب تحوُّل ضخم قد ينتزع مِن محمود ومَن في طبقته الاجتماعية فرصة قضاء عدة أيام على الشواطئ المفتوحة والاستمتاع بجولات شارع النيل والجلوس على "اللسان" لمراقبة الغروب.

وبالفعل، تقلَّصت إقامة محمود في رأس البر هذه السنة إلى ثلاثة أيام فقط، بضغطٍ من سعر إيجار العشة/الشاليه غرفتين وصالة في الليلة، الذي بلغ 1200 جنيه، إضافة لعمولة السمسار  وشحن كارت الكهرباء بـ250 جنيهًا.

بهذا المعدّل، يمكننا توقع أن يكون صيف 2026 الذي نودعه، هو الأخير في عمر رأس البر كمصيف شعبي، حيث ينتظر الحاجزون تسلم وحدات مشروع دوراي باي الفاخرة في 2027 بمقابل لا يقل عن سبعة ملايين جنيه للوحدة، ما يعني استقطاب أعداد جديدة من الشرائح الاجتماعية يتدفقون إليها هذه المرة مُلّاكًا لوحدات سكنية لا ضيوفًا عليها كما هو حال مرتادي فندق شتيجنبرجر الذي افتتح قبل سنوات، واستأثر بإطلالة بانورامية على نقطة التقاء البحر الأبيض المتوسط بنهر النيل.

إضافةً لذلك، فإن ما ترصده جولة المنصة في رأس البر تُبين مدى تراجع قدرة الطبقات الأقل دخلًا على الحفاظ على وجودها في المصيف العتيق، بعد ارتفاع إيجارات "العشش" وازدياد تكلفة الحياة اليومية، إلى جانب ارتفاع تكلفة الوصول للشواطئ وتأجير الكراسي والشمسيات، مع توسع الدولة في تبني نمط تأجير مساحات من الشواطئ للقطاع الخاص.

يا محلا الفسحة في راس البر

يقارن محمود إقامته القصيرة هذه السنة بما اعتاد عليه في الماضي حين كان يقضي نصف شهر أغسطس /آب في "عشة" يستأجرها والده، قبل أن تتقلص إلى أسبوع في سنوات زواجه الأولى، وصولًا إلى الليالي الثلاثة هذا الصيف مع زوجته وطفلتيه.

تبدأ إيجارات العشش في صيف 2026 من 500 جنيه لليلة في الوحدات الأضعف تأثيثًا والبعيدة عن البحر، وتصل لمتوسط ثلاثة آلاف للوحدات القريبة من البحر، فيما تتراوح الغرفة الفندقية بين 600 و4000 جنيه، وفق ما رصدته المنصة في جولتها الميدانية. 

وفي عينة من إعلانات دوبيزل مطلع الشهر الجاري، تراوح أغلب المعروض من غرفتين بين 800 و1400 جنيه يوميًا، وبلغت وحدات أكبر قرب اللسان ألفي جنيه.

بذلك، تتراوح تكلفة الإقامة لأسبوع بين 5600 و9800 جنيه، أي ما يعادل 70% إلى 122% من الحد الأدنى للأجور، البالغ ثمانية آلاف جنيه، تضاف إليها تكلفة الانتقال والطعام والخدمات.

وأعلنت الحكومة في أبريل/نيسان الماضي رفع الحد الأدنى للأجور في القطاع الحكومي والجهاز الإداري للدولة، وبدأت تطبيقه في يوليو/تموز الماضي. 

المغادرة مع غروب الشمس

بارتفاع الإيجارات وتضاعفِ تكاليف المصيف، باتت رأس البر في نظر أكثرية من مرتديها مقصدًا لرحلات اليوم الواحد، بالأخص أبناء محافظات الدلتا الأقرب، من بينهم عبد المنعم السيد، رب الأسرة من ستة أفراد، الذي يعمل بإحدى شركات إنتاج الأسمدة بمركز نبروه محافظة الدقهلية. 

منذ صيف 2019، وعبد المنعم يصطحب أسرته إلى رأس البر لقضاء يوم واحد تجنبًا لدفع الإيجار "المبالغ فيه"؛ وقتها "كان السعر المعتاد يتراوح بين 300 و500 جنيه لليلة، ويوصل لـ1500 جنيه بالنسبة للوحدات القريبة للبحر"، يقول لـ المنصة.

يعتمد عادل الحسيني، فرد الأمن في إحدى الشركات الخاصة، هو الآخر نمط رحلات اليوم الواحد، الذي يبدأ مع فجر اليوم وينتهي بغروب الشمس، ما جعله يزور رأس البر خمس مرات هذا الصيف؛ كل مرة لمدة يوم واحد يقضيه مع شقيقاته وأسرهن عبر رحلة تبدأ باستئجار ميكروباص من ديرب نجم بمحافظة الشرقية يحمل العائلة الممتدة، المكونة من 11 شخصًا، إضافة لكراسي البحر والطعام المعد سلفًا.

"رأس البر لسه المصيف الأساسي، بس لازم تيجي مجهز"؛ يقول الحسيني لـ المنصة عارضًا خطته لتخفيض النفقات إلى أقصى ما يمكن؛ "العربية بنقسمها، والأكل من البيت، وبنقعد في الشط المجاني. لو كل واحد اشترى غدا وقعد على كافيه وأجر شمسية، اليوم هيبوظ".

ما يشير إليه الحسيني يمكن ملاحظته بوضوح على الشواطئ، بالأخص ما يتعلق بالطعام منزلي الطابع، التي تُعدّه أسر مجتمعة، على رأسه حلل المحشي، وباقي الوجبات التي تسمح الشواطئ العامة بدخولها إلى جانب مستلزمات قضاء اليوم على البحر دون تكبد تكاليف، ما بين كولمن المياه وجراكن العصير المجهز في البيت وأكياس الفاكهة.

طور التحول للساحل الشرير

فضلًا عن ارتفاع تكلفة إيجار العشش، ثمة مصروفات صبغت وجه المدينة تدريجيًا بأصباغ الساحل الشمالي، تتعلق في الأساس بمصروفات قضاء يوم على الشاطئ، ما  يرسخ صورة المدينة مقصدًا لرحلة لليوم الواحد.

احتاج محمود لإنفاق 300 جنيه مقابل شمسية وأربعة كراسي، كما يقول ضاحكًا من أن "رأس البر لسه قريبة مننا، بس القعدة نفسها بقت بعيدة"، على حد تعبيره. 

ويوضح "أحمد"، الشاب العشريني الذي يدير مجموعة شماسي وكراسٍ في قطاع من شاطئ 77، لـ المنصة أن تأجير الطقم يبدأ من مائة جنيه في الأيام الهادئة ويرتفع حسب الزحام وموقعه من المياه.

ينخفض السعر إذا ما كنت أحد المقيمين في المدينة؛ "اللي بيقول دفعت 300 ولا 350 جنيه في الأسبوع ممكن يكون حاجز نفس الطقم طول الأسبوع وعامل اتفاق. غير اللي جاي الجمعة وعايز الصف الأول.. وطبعا العمال بيزودوا لما يلاقوا الزحمة". 

السمسار في قفص الاتهام

يتكرر اتهام الوسطاء في نقاشات المصطافين بأنهم السبب الأساسي في زيادات الأسعار وتغير طبيعة المكان بجعله مصيفًا للمقتدرين وحدهم، ما دفع أحد مرتادي رأس البر لتبني اقتراح على جروبات حجز العشش بأن يؤجر الملاك وحداتهم مباشرة حتى تستعيد المدينة "سمعتها التي ضاعت بسبب الجشع وسوء المعاملة"، ما دفع سمسارًا للرد ساخرًا بأن من يرفض ثلاثة آلاف جنيه لشقة مكيفة "أول مطل" يمكنه البحث عن وحدة بثلاثمائة جنيه في منطقة أبعد.

"الناس بتقول إن السماسرة ولّعوا السعر. طب هو طالب أول مطل وأسانسير وتكييف وعايز يدفع 500 جنيه"؛ يقول علي سليم(*)، مالك مكتب عقاري صغير قرب شارع 77، معلقًا على اتهام السماسرة برفع الأسعار والتكسب من الفارق الكبير بين ما يطلبه المالك وما يدفه شاغل العشة.

منذ 14 عامًا،  وعلي يمارس عمله معتمدًا على موبايله المكدس بصور وحدات تبدأ من شقق داخلية بأثاث قديم، وتنتهي بشقق جديدة وواسعة مكيفة تطل مباشرة على البحر، مؤكدًا لـ المنصة أن الشقق الداخلية المقبولة هذا الموسم تبدأ من 700 أو 800 جنيه، فيما تتجاوز وحدات الصف الأول ألفي جنيه، خصوصًا في عطلات نهاية الأسبوع.

يعترف علي بأن مدة الحجز تقلصت "زمان الزبون كان يسأل عن 15 يوم، وبعدها بقينا في الأسبوع. دلوقتي أغلب الكلام ليلتين وتلاتة". 

شواطئ داخل الشاطئ

يسهم التوسع في سياسة تأجير القطاعات المحاذية للبحر من الشواطئ للكافتيريات الخاصة في تراجع الطابع الشعبي في المدينة. بالرغم من أن أغلب الشواطئ تبقى -ولو صوريًّا- عامة مجانية. لكنها مرهونة بالكافتيريات التي تتحكم في أسعار الجلوس على البحر، سواء على الشماسي أو في محيطها الذي تشغله بالطاولات والكراسي والشاشات العملاقة، فلا يتبقى مساحة كافية للحركة أو ممارسة ألعاب البحر.

ورفعت محافظة دمياط الإيجار على أصحاب الكافتيريات هذا العام بنسبة 25% دفعة واحدة، وهو ما شك في أنه سينعكس بطبيعة الحال في شكل زيادات على تكلفة الخدمات التي تقدمها للمصطافين.

السبيل الوحيد لتجنب مثل هذه التكاليف هو التراجع بعيدًا عن البحر، والبقاء في الجزء المجاني لتأتي بشمسيتك وكراسيك، باحثًا عن فجوة تنفذ منها إلى البحر، وهو الخيار الذي لجأت له امرأة أربعينية كانت تقضي اليوم على البحر مع شقيقتيها وأطفالهما، وقالت لـ المنصة مازحةً "إحنا سألنا الأول فين الجزء المجاني. لو هادفع 300 جنيه عشان أقعد قدام البحر، أفرش ورا وأشوفه برضه".

يضع المهندس المعماري والباحث عمرو أبو طويلة التوسع في تأجير الشواطئ للمقاهي جنبًا إلى جنب مع تدفق الاستثمارات في المشروعات السياحية الفاخرة في المدينة ضمن المنطق الاقتصادي العام وراء التوسع في الاستثمار العقاري؛ "الدولة تحولت بشكل عام لمطور عقاري أكثر منها مقدم للخدمة"، يقول لـ المنصة، معتبرًا هذا المنطق ما يوجه عمل مؤسسات الدولة وأسلوبها في توظيف مواردها. 

يشير أبو طويلة إلى أن الأولوية التي تحكم التوجه الحكومي هي استرداد الأموال بعائد سريع من العمليات العقارية وإعادة تدويرها، لذلك نرى تدفقات الاستثمار الكبيرة وتوسعات المقاهي على الشواطئ لما يمثلانه من سعي لتعظيم العائد من الأرض والعقار، بالتالي استهداف الفئات القادرة على الإنفاق، ما سيدفع لتعظيم "الإحلال الطبقي"؛ بمعنى إحلال طبقة جديدة محل الطبقات الشعبية من زوار المدينة.

تكفي جولةٌ على ما تيسر من طول البلاج لمعرفة كيف تستحوذ الشواطئ المؤجرة للقطاع الخاص على غالبية الشريط الشاطئي لرأس البر، على نحو يتضح معه الفارق في الزحام بين تلك الشواطئ وغيرها من الشواطئ المجانية بالكامل، خاصة وأن ديوان عام محافظة دمياط أعلن العام الماضي عن مزاد لطرح حق الانتفاع لشواطئ أمام القطاع الخاص لمدة عشر سنوات.

ويُظهر مسح ميداني لمؤسسة الإنسان والمدينة للأبحاث الإنسانية والاجتماعية أن معظم الشواطئ في رأس البر مؤجرة، وأن البحر حُجب بواقع 43.9% من إجمالي طول البلاج الذي يبلغ 4.56 كيلو متر. 

لمن رأس البر اليوم 

مع ذلك، ليست الكافتيريات السبب الوحيد لحجب البحر عن مرتادي المدينة، مع وجود شواطئ مغلقة، مثل شاطئ القوات المسلحة وشاطئ النخيل وشاطئ الخليج، التي تسمح بدخول المصطافين بتذاكر، تصل لـ150 جنيهًا للفرد، توجد حاليًا ثلاثة شواطئ خاصة مرتبطة باستثمارات تشارك فيه الدولة نفسها، هي شتيجنبرجر، وأركان، ودوراي باي.

الأول هو الشاطئ التابع لفندق شتايجنبرجر، العلامة التجارية الفندقية العالمية، الذي احتل قبل سبع سنوات أكثر مواقع المدينة تميزًا، بوصفه أول فندق خمس نجوم في وسط الدلتا، وافتتحه رئيس الجمهورية بنفسه عام 2019.

وحصلت الشركة القابضة للسياحة والفنادق على الموقع بحق انتفاع لمدة 49 عامًا، وأسندت الإدارة إلى شتيجنبرجر، التي قالت عند الافتتاح إن الفندق يستهدف "الشريحة الراقية من السوق".

وفي سبتمبر/أيلول 2020، افتتحت الشركة القابضة منطقته الشاطئية بعد تطويرها بعشرة ملايين جنيه، لتخدم النزلاء كشاطئ خاص يستقبل أيضًا زوارًا من خارج الفندق. وتسعى الدولة لافتتاح "ملحق فندق شتيجنبرجر اللسان" بحلول 2027 لتلبية الطلب المتزايد على الإقامة السياحية عالية المستوى في رأس البر.

أما شاطئ أراكان فهو الشاطئ التابع لفندق يحمل الاسم نفسه،  تابع للشركة القابضة للسياحة، وتديره شركة أراكان لإدارة الفنادق والمنتجعات السياحية، وتبلغ تكلفته الاستثمارية 125 مليون جنيه، لكنه لم يفتتح بعد.

أما الشاطئ الثالث فيتبع مشروع كومباوند دوراي باي الفاخر، المملوك لشركة MBG، الذي يمتد بطول كيلو متر، ولم يفتتح بعد، لكنه بدأ استقبال زواره في مطعم وكافيه فاخرين في يوليو/تموز الماضي. 

يتشابه تصميم أركان ودوراي باي في أنهما عبارة عن منصة خشبية فوق الرمل أمام الشاطئ، تعلوها عوارض تتدلى منها مصابيح، لتقدم هذه الصور مشهدًا مختلفًا عن نماذج المقاهي الشاطئية الشعبية، المزينة بحواجز خشبية قديمة، وكراسٍ بلاستيكية مكدسة أمامها، وتقترب أكثر من صور الشواطئ الخاصة والقرى السياحية الفارهة في الساحل.

على الأخص، يمثل شاطئ دوراي باي صورة رأس البر الجديدة، ويتعدى تأُثيره كشاطئ خاص إلى كونه مشروعًا سكنيًّا يضم وحدات من 60 إلى 300 متر، ويمثل أولى الخطوة لـ"غزو" الشريحة الأعلى من السكان للمصيف الشعبي، لا عبر  الاستئجار وقضاء بعض الوقت، كما هو الحال في فندقي شتيجنبرجر وأراكان، وإنما عبر التملك. 

ويمكن تصور حجم التغير في صورة المدينة مع تنفيذ المشروع، إذا تذكرنا أن سابقة أعمال MBG كلها تقتصر على المشروعات الفاخرة في العاصمة الإدارية الجديدة، خصوصًا وأن الشركة أعلنت في يوليو الماضي الاتفاق مع هيلتون على إنشاء فندق من 160 غرفة داخل المجمع بهدف تعزيز جاذبيته الاستثمارية.

سيترك محمود عشته التي تعود أن يستأجرها عامًا بعد عام في أحد الشوارع المألوفة في رأس البر، من 101 إلى 77 و64 حتى السوق وشاطئ المديرية، ويغادر بانقضاء لياليه الثلاث. في الغالب سيترك في العداد ما يتبقى من رصيد الكهرباء الذي شحنه، متمنيًا أن يعود العام المقبل؛ "ربنا يسهل. يمكن نرجع يوم واحد ولا يومين".


(*) اسم مستعار بناء على طلب المصدر