تصميم أحمد بلال، المنصة، 2025
الإضرابات العمالية وسيلة مشروعة للمطالبة بالحقوق الدستورية

11 عامًا من الاحتجاج

قراءة في خريطة الإضرابات وأسباب الغضب المجتمعي

منشور الجمعة 1 أيار/مايو 2026

الاحتجاجاتُ العماليةُ والاجتماعيةُ مرآةٌ صادقةٌ لحالة المجتمع؛ تعكسُ المتراكمَ من الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، والتوازنات الدقيقة بين القدرة على التحمل وحدود الصبر الاجتماعي.

من قراءةِ البيانات الواردة من الفترة بين يناير/كانون الثاني 2014 وديسمبر/كانون الأول 2025، التي أعدتها جمعية مبادرة البيانات المفتوحة -ODt، على الأخص عدد الاحتجاجات الذي وصل إلى 6780 احتجاجًا عماليًا واجتماعيًا على مدار 11 عامًا، يمكن لنا الوقوف على مجموعة من التحولات البنيوية التي مسّت طبيعة الاحتجاج، وأسبابه، وجغرافيته، وقواه الفاعلة.

مفاجأة عام 2025

تُظهر البيانات بوضوحٍ أن الاحتجاجات لم تكن ثابتةً، بل تحركت في موجات مد وجزر تعكس طبيعة السياق العام، فقد سجل عام 2014 نحو 1286 احتجاجًا، وهو رقم يمكن فهمه في ضوء المناخ السياسي الساخن الذي أعقب أحداث 30 يونيو و3 يوليو 2013، حيث كان المجال العام مشحونًا بالتوترات السياسية وإعادة تشكيل موازين القوى داخل الدولة والمجتمع.

ثم شهد عام 2016 قفزةً أكبر نسبيًا في عدد الاحتجاجات، إذ وصلت إلى 1358 احتجاجًا، وهو عام ارتبط بملفين شديدي الحساسية اجتماعيًا وسياسيًا؛ تصاعد الغضب الشعبي على خلفية اتفاقية تيران وصنافير، واحتجاجات الموظفين على قانون الخدمة المدنية، الذي مسّ قطاعات واسعة من الجهاز الإداري للدولة.

لكن المثير للاهتمام اجتماعيًا ليس فقط ارتفاع الاحتجاجات في تلك الأعوام، بل الانخفاض التدريجي بعد ذلك، فقد هبطت الأرقام بشكل ملحوظ خلال الفترة من 2017 إلى 2024، لتصل في العام الأخير إلى 102 احتجاج فقط، وهو أدنى مستوى خلال الـ11 عامًا الأخيرة.

التعليم والبحث العلمي في صدارة القطاعات المحتجة بإجمالي 881 احتجاجًا

هذا التراجع لا يعني بالضرورة تحسن الأوضاع الاقتصادية أو الاجتماعية، إنما يعكس عوامل أخرى مثل تضييق مساحات التعبير الجماعي، وارتفاع تكلفة الاحتجاج مقارنةً بالعائد المتوقع منه، وانتقال بعض أشكال الاحتجاج إلى قنوات أقل ظهورًا أو أكثر فردية.

غير أن عام 2025 جاء بمفاجأة لافتة، فقد شهد 1193 احتجاجًا، وهي قفزة كبيرة تعيد الاحتجاجات إلى مستويات قريبة من ذروة الأعوام الأولى. اللافت أن هذه القفزة لم ترتبط بأحداث سياسية ساخنة كالتي وقعت في 2014 أو 2016، بل ارتبطت أساسًا بثلاثة عوامل اقتصادية مباشرة؛ الارتفاع المتواتر في أسعار السلع الأساسية، وتراجع القوة الشرائية للجنيه، وزيادة أسعار الخدمات العامة.

هذا التحول يحمل دلالةً اجتماعيةً عميقةً؛ الاقتصاد بات المحرك الرئيسي للاحتجاج بعد أن كانت السياسة المحرِّك الأبرز.

مظاهرات الاحتجاج على التنازل عن تيران وصنافير

تكشف خريطة التوزيع الجغرافي للاحتجاجات عن تمركز واضح في المحافظات الحضرية الكبرى، فقد جاءت القاهرة في المقدمة بـ1483 احتجاجًا، تلتها الإسكندرية بـ637، ثم الجيزة بـ536.

هذا التركز ليس مفاجئًا، ويعكس خصائص بنيوية لهذه المحافظات، منها: ارتفاع الكثافة السكانية، وتركُّز المؤسسات الحكومية والشركات الكبرى، ووجود تجمعات عمالية واسعة، وسهولة الحشد والتواصل داخل المجال الحضري.

بالمقابل، سجلت محافظات مثل شمال سيناء 30 احتجاجًا، والوادي الجديد 33 احتجاجًا، وهي أعداد محدودة، يمكن تفسيرها بعوامل مثل انخفاض الكثافة السكانية، والطبيعة الجغرافية الخاصة، والقيود الأمنية أو اللوجستية التي قد تحد من الفعل الاحتجاجي.

أما اللافت اجتماعيًا فهو أن محافظات الدلتا مثل الشرقية (434)، والدقهلية (405)، والغربية (381)، والمنوفية (379)، سجلت معدلات احتجاج ملحوظة، ما يعكس تحول الاحتجاج من كونه ظاهرةً حضريةً خالصةً إلى ظاهرة تمتد إلى مناطق شبه ريفية ذات طابع صناعي أو خدمي.

اتساع دائرة الاحتجاج

تشير البيانات النوعية إلى تغيُّر مهم في طبيعة الاحتجاجات، فقد بلغت احتجاجات الأفراد والقضايا الاجتماعية المتنوعة 1221 احتجاجًا، بلغا ذروتها في عام 2016 (265 احتجاجًا)، بينما تراجعت بشدة في 2025 إلى 8 احتجاجات فقط.

هذا الانخفاض الحاد في الاحتجاجات الفردية يقابله ارتفاعٌ واضحٌ في الاحتجاجات القطاعية والمؤسسية، خصوصًا احتجاجات الشركات والمصانع بواقع 1868 احتجاجًا، مع ذروة في 2025 (240 احتجاجًا)، إلى جانب 604 احتجاجات في قطاع الأعمال العام، كان أكثرها في 2025 (415 احتجاجًا)، ثم المحامين بـ548 احتجاجًا، مع قفزة كبيرة في 2025 (381 احتجاجًا) تركزت حول زيادة الرسوم القضائية.

يعكس هذا التحول انتقال الاحتجاج من الطابع الفردي إلى الطابع التنظيمي لتصبح المؤسسات المهنية والنقابية والقطاعية الفاعل الرئيسي، لا الفرد المعزول.

حين تضيف المساحة الاقتصادية أمام الأفراد تتسع مساحة الاحتجاج

من المهم أيضًا النظر لاحتجاجات قطاع التعليم والبحث العلمي، بالأخص وأنه تصدر القطاعات المحتجة بإجمالي 881 احتجاجًا، وسُجل أعلى معدل في عام 2016 (297 احتجاجًا)، وهو ما يحمل دلالات اجتماعية مهمة، منها: حساسية قطاع التعليم تجاه التغيرات الهيكلية، واتساع قاعدة العاملين في التعليم مقارنة بقطاعات أخرى، وارتباط مطالب التعليم غالبًا بالأجور، والبيئة المهنية، ومستقبل الخدمة العامة.

لكن المفارقة أن عام 2025 شهد 3 احتجاجات فقط في قطاع التعليم، وهو تراجع لافت قد يعكس إعادة ترتيب أولويات الاحتجاج، أو انتقال بؤر الغضب إلى قطاعات خدمية واقتصادية مباشرة مثل المياه والطاقة.

عام الاحتجاج

إذا كان عام 2014 عامًا سياسيًا بامتياز، و2016 مزدوج الطابع سياسيًا واجتماعيًا، فإنه يمكن وصف 2025 بوضوح بأنه عام الاحتجاج الاقتصادي.

يشير هذا التصاعد في الاحتجاجات بقطاع الأعمال العام، خاصة محصلي المياه، والمحامين على الرسوم القضائية، وعمال الطاقة مثل عمال الغاز والكهرباء، إلى أن الاحتجاج بات مرتبطًا مباشرة بقدرة الأفراد على العيش اليومي، فحين تصبح تكلفة المعيشة القضية المركزية، يتحول الاحتجاج من خيار سياسي إلى ضرورة معيشية.

اللافت في البيانات أن بعض القطاعات شهدت معدلات احتجاج منخفضة للغاية؛ مثل قطاع المصارف الذي سجل 10 احتجاجات فقط خلال 11 عامًا، وهو ما يمكن تفسيره بعوامل عدة، منها ارتفاع متوسط الأجور مقارنة بقطاعات أخرى، ووجود نظم إدارية أكثر استقرارًا، وضعف القاعدة العمالية الواسعة مقارنة بقطاعات الصناعة أو الخدمات، والقطاعات ذات الاتصال المباشر بالجمهور مثل التعليم والمياه والطاقة، ما يعكس احتكاكًا يوميًا بالمشكلات الاقتصادية والاجتماعية.

الأرقام وحدها لا تحكي القصة كاملة، لكنها تكشف حدود ما يمكن تسميته بسقف التحمل الاجتماعي أو حدود الصبر الاجتماعي، فانخفاض الاحتجاجات لعدة سنوات متتالية لا يعني بالضرورة غياب الغضب، بل يعني تراكمه بصمت إلى أن تصل الضغوط الاقتصادية إلى نقطة الانفجار، كما حدث في عام 2025.

هذا يعيد طرح سؤال اجتماعي مركزي؛ متى يتحول الصمت الاجتماعي إلى احتجاج جماعي؟ الإجابة غالبًا ما ترتبط بثلاثة عوامل: اتساع الفجوة بين الدخل وتكلفة المعيشة، وتراجع الثقة في آليات التفاوض المؤسسي، وإحساس قطاعات واسعة بأن الاحتجاج هو الوسيلة الأخيرة المتاحة.

هنا ومن منظور اجتماعي، لا يمكن النظر إلى الاحتجاج باعتباره مجرد اضطراب أو فوضى، بل هو أداة من أدوات التوازن داخل المجتمع. ويعمل في كثير من الأحيان آليةَ إنذار مبكر تكشف الخلل قبل تحوله إلى أزمة أعمق، ويعكس وجود طاقة اجتماعية تبحث عن قنوات للتعبير، سواء عبر التفاوض أو الضغط أو المطالبة بالحقوق.

ولا يعني ارتفاع الاحتجاجات في بعض الأعوام بالضرورة انهيار الاستقرار، بل قد يكون مؤشرًا على حيوية اجتماعية تسعى لإعادة ضبط العلاقة بين الدولة والمجتمع.

تكشف قراءة أحد عشر عامًا من الاحتجاجات أن المجتمع يتحرك وفق منطق تراكمي، حيث تتفاعل السياسة والاقتصاد معًا في تشكيل سلوك الاحتجاج. لكن التحول الأبرز خلال هذه الفترة يتمثل في انتقال مركز الثقل من الاحتجاج السياسي إلى الاحتجاج الاقتصادي، ومن المطالب الرمزية إلى المطالب المعيشية المباشرة. هذا التحول يحمل رسالة واضحة أن المساحة الاقتصادية حين تضيق أمام الأفراد، تتسع مساحة الاحتجاج.

من هنا، لا ينبغي فهم الاحتجاجات بالاقتصار على عدّها أو رصدها، ويجب أن يمتد إلى تحليل شروط إنتاجها، لأنها في النهاية ليست مجرد أرقام بل لغة اجتماعية تعبّر بها الطبقات العاملة والفقيرة والمتوسطة عن موقعها داخل معادلة الاقتصاد والمجتمع، وما يمكن قوله بكل وضوح إن المجتمع يتحرك ويبحث عن خيارات للتوازن بين الأجور ونفقات المعيشة والخدمات الأساسية، ويسعى لمن يفهمه ويساعده على سد هذه الفجوات، لا من يستعديه أو يهمش ويهون معاناته.