رأس البر. - برخصة المشاع الإبداعي: ويكيبيديا

اكتشاف رأس البر: محاكاة صغيرة للجنة

منشور الاثنين 27 ديسمبر 2021

 

1

عندما دخلت موقف السيارات أصابني التشاؤم، لم يكن في الميكروباص المتجه إلى دمياط غيري، ووجب عليَّ انتظار ثلاثة عشر راكبًا آخرين.

جلست في الكرسي الأوسط، وضعت سماعة الهاتف في أذني، وشغلت قائمة أغان عشوائية على أمل أن ينقضي الوقت بسرعة. كنت أنظر في ساعتي كل عشر دقائق تقريبًا في انتظار اكتمال الميكروباص. بدأ الركاب يتسرسبون واحدًا تلو الآخر، وأنا أراقب الموقف الذي بدأت تخفت أضوائه وأصواته مع اقتراب منتصف الليل. كنا قد رتبنا للذهاب إلى رأس البر منذ شهر تقريبًا، أنا وصديقيّ حازم وعمر، تشجعنا على تلك الرحلة بعدما حفزنا حازم باعتباره من سكان دمياط، والذهاب إلى رأس البر يمثل شيئًا روتينيًا في حياته. ظللنا نؤجل الذهاب ونحاول توفيق ظروفنا حتى وجدتني في الميكروباص الذاهب إلى دمياط.

2

وصلت دمياط في حدود الساعة الثانية بعد منتصف الليل تقريبًا. كان الطريق وديعًا معنا، يخترق ساحل دلتا مصر في هدوء حتى يصل بك إلى ما تريد. انتظرت حازم على قهوة الجابري، أشهر مقاهي دمياط، وما هي إلا دقائق حتى كان عندي. اشترينا بعض الساندويتشات ريثما يصل عمر الذي قال إن أمامه ساعة تقريبًا. عدنا للقهوة، وفضضنا ساندويتشات شاورما اللحم. كنت ميتًا من الجوع، فالتهمت نصيبي على عجل، بينما كان حازم يمضغ بهدوء ويتكلم. سألته عن قهوة الجابري التي لها طراز عتيق، كأنها تقف في مكانها منذ ثلاثمائة عام تقريبًا. أخبرني أنها قهوة دمياط الثقافية، حيث كانت تحتضنهم في ليالي نقاشات السياسة الساخنة والمناوشات، وقتما كان يجرؤ الناس على النقاش.

بعد الساندوتشات انتقلنا من طاولتنا التي كنا عليها لنسمح للعامل بتنظيفها، وجلسنا على طاولة أخرى في مواجهتها. شربنا الشاي لنحبس بعد الأكل، وأنا أحكي لحازم عن رغبتي في الزواج من الفتاة التي تعجبني. استمع حازم ثم راح كعادته يفتش عن الثغرات في القصص التي أحكيها، حتى لو كانت قصصًا واقعية عشتها بالفعل، في تلك اللحظة يترك الأحداث التي حصلت، ويجنح إلى المشاعر وتناقضاتها.

عرجنا من الكلام في الحب إلى الكلام عن المدن، أخبرته أن هناك روحًا تتلبس دمياط، شيء شفيف، يجذبك إليها، فهي تمتليء زخمًا يمكن ملاحظته من شكل المباني وماركات المحلات والمطاعم وجودة السلع المعروضة، لكنها في الوقت نفسه تفعل كل ذلك في هدوء وثقة كأن هذه المدينة اعتادت على ذلك الإيقاع منذ الأزل. قارنّا بين دمياط والقاهرة والمدن الجديدة التي تُبنى على أطراف العاصمة أو المحافظات، بالطبع شعرت بغصة المقارنة مع القاهرة، ككل مرة أتذكرها فيها، أشعر بمظلومية أبناء الأقاليم الذين يعرفون كيف تخفسهم القاهرة في الهامش. أخبرت حازم في لحظة مصارحة أنني أتمنى لو أعيش بقية عمري في دمياط. ضحك وقال إن هذا أبسط طلب ممكن. نظرت في ساعة الموبايل كانت جاوزت الثالثة بقليل، وكان عمر يخبرنا أنه وصل.

مدخل رأس البر. برخصة المشاع الإبداعي: ويكيبيديا

3

المسافة بين دمياط ورأس البر لا تكاد تُذكر، عشرون دقيقة بالسيارة تقريبًا. 

وصلنا إلى شارع 77، في توقيت أذان الفجر، وانتظرنا عدة دقائق حتى وصل الرجل الذي يستأجر حازم منه "العشة" أو الشقة التي ستحتوينا خلال إجازتنا تلك.

فور دخولنا الشقة لم يسرنا ما رأيناه، كانت مهملة نوعًا ما، طلاء الجدران متساقط، والأثاث قديم جدًا، حتى الحمام بدون سيفون، انزعج حازم قليلًا، لكننا تناسينا ذلك من أجله، كان المهم عندنا أن نكون سويًا ونستمتع بما نعيشه فقط.

تمشينا قليلًا لشراء بعض ما يؤكل، ثم قررنا رؤية الشروق عند اللسان. وصلنا اللسان بعد نصف سعة مشي من وسط البلد تقريبًا، لم يكن مزدحمًا بالناس، مجرد بقايا وفضلات الليلة السابقة، كأن الشارع نفسه يعاني من ثمالة المصيف العائلية. خضنا في اللسان حتى وصلنا إلى الفنار القديم، وحتى أصبح الفنار الجديد على مرمى بصرنا، يفصل بينهما فرجة مصب النيل، حيث يبقى تيار الماء هادئًا ومحافظًا على توازنه بين النهر والبحر، لا يميل إلى أي منهما.

رأس البر. برخصة المشاع الإبداعي: ويكيبيديا

بعد شروق الشمس قررنا العودة إلى العشة كي نستريح قليلًا. كانت لفظة "العشة" غريبة الوقع على أذني، رغم أنني ريفي، فإن العشة عندنا تستخدم للطيور أو تخزين القش والتبن مثلًا، الغريب أنهم في رأس البر يطلقون لفظ العشة على كل شقة موجودة، سواء كانت متواضعة كتلك التي ننام فيها، أو حتى في أفخم فندق في البلد.

سألت حازم عن أصل تلك الكلمة، فأخبرني أنه من زمان عندما كانت رأس البر هي المقصد الأول للمصيف في مصر، ووجهة الفنانين ونجوم المجتمع، كانت البيوت هنا عبارة عن خشب قريب جدًا من البحر، ويتم تطويقه بنوع من القصب ليحميه من الرطوبة وليحافظ على درجة الحرارة الداخلية صيفًا وشتاءً، فجائت من هنا تسمية العشة. ثم ذكَّرني بكافيه كنا رأيناه أثناء التمشية، كان مبنىً خشبيًا وسط المياه فعلًا، ومسمى باسم السيدة أم كلثوم، لأنه كان، كما يقال، مكانها الأثير في رأس البر.

4

استيقظنا بعد الظهر تقريبًا. قررنا أن ننزل البحر قليلًا قبل الغداء. كانت المياه جميلة دون أمواج، لكن لونها يميل إلى السواد نوعا ما، فسر حازم ذلك بمجاورة مصب النيل للشاطئ وأن هذا اللون هو من تأثير الطمي. كان البحر جميلًا وممتعًا حتى اللحظة التي ضاعت فيها نظارتي مع موجة غادرة. لأول وهلة انزعجت بشدة، خصوصًا أنها كانت جديدة، لكن قررت تناسي ذلك كيلا أفسد الرحلة على صديقي.

خرجنا من المياه وقررنا أن يكون الغداء أسماكًا. ذهبنا إلى سوق السمك، ضربتنا رائحة الزفارة الشهية فور ما وضعنا أقدامنا أمام البائعين. كان السوق عامرًا بكل شيء يخرج من البحر تقريبًا، أو أنني لم أر في حياتي كل هذا الثراء البحري من قبل. حاول الباعة اجتذابنا بلهجتهم الدمياطية المميزة، التي أثارت فيّ حنينًا وضحكًا ممتزجين. تصدَّر حازم للباعة وتعامل معهم، بينما نتهامس أنا وعمر.

وقفنا عند أحد التجار، أعجبنا ما لديه، كان السمك يبلبط في الصناديق، والثلج يبرق حوله مضفيًا بريقًا مغريًا. قررنا أن نأخذ كيلو جمبري، وثلاث سمكات بوري، وسمكة بلطية، واثنتين دنيس، مع بعض السلطات والخضروات.

بعد ساعة بالضبط كان السمك نضج. حملنا الأكياس وانطلقنا نحو البحر. جلسنا في كافيه يدعى الجامعة، كانت حوائطه مغطاة بعروق خشبية ونوافذه واسعة جدًا، شيء يعيدك إلى منتصف التسعينيات، في جو كلاسيكي بامتياز لا ينقصه سوي دي چي بأضواء براقة وأغاني علي حميدة وحسام حسني.

فردنا الأكل، وبدأنا في التهامه، كانت الشمس تميل ناحية الغروب، وأصحاب الكافيهات الشاطئية يخرجون الكراسي ويرصونها استعدادًا للسهر الليلي. ذبنا نحن مع السمك، كانت كل قطعة بها طعم فردوسي بشكل لا يمكن وصفه، هذا أحلى جمبري أكلته في حياتي، هذا أحلى بوري أكلته في حياتي، هذا أحلى دنيس أكلته في حياتي، هذا أحلى بلطي أكلته في حياتي. قمت من الأكل شبعانًا وراضيًا عن حياتي تمامًا، كان عندي استعداد للموت حالًا، لأنني لا أنتظر من حياتي شيئا آخر.

 

رأس البر ليلًا. برخصة المشاع الإبداعي: ويكيبيديا

5

في الليل صارت المدينة أكثر روقانًا، رغم ازدحامها قليلًا. كان الجو حنونًا جدًا، كأن لا شيء يحدث أو يهم خارج حدود مدينة رأس البر. تمشينا في سوق البلد، ثم شارع النيل، وهو يشبه في تصميمه شارعًا في أسوان لا أذكر اسمه لكن أتذكر أنني مشيت فيه في صغري، حيث تتراص المحلات البراقة على الجانبين بمبانيها الواطئة ولافتاتها المتفاخرة. مشينا كأننا لم نمش من قبل أبدًا، تنفتح الدنيا أمام أقدامنا، وتتجاذب الأضواء أعيينا وتتفتح رغباتنا على أشياء جربناها من قبل ونريد معاودة التجربة، أو على أشياء نجربها للمرة الأولى.

كنت أمشي وأنا أتحسس طريقي، بسبب فقد النظارة. أخذني الأصدقاء إلى أحد محلات الأكسسوارات وجلسنا نفاضل بين النظارات وموديلاتها، حتى استقر بنا الأمر على واحدة ذات ذراعين شفافين بتصميم ظريف، جربت النظارة على المرايا لأقتنع بها وفي أثناء ذلك أشار أحدهم من ورائي أن عينيَّ جميلتان، ضحكت والتفت خلفي فرأيت أشخاصًا يجربون نظارات، لكن لم ينتبه أحد لي.

اشترينا النظارة بسعر زهيد وانطلقنا. في نهاية جولة السوق، أصر حازم أن نأكل فطيرًا، وافقنا على الفور لأنه من الأشياء التي تشتهر بها دمياط. ذهبنا إلى أحد الفطاطرية المشهورين واخترنا ثلاثة فطائر، واحدة بالبسطرمة، وأخرى بالجبن، والثالثة بالمكسرات والكريمة. في انتظار الفطائر انضم إلينا محمد مظهر أحد أصدقاء عمر.

مظهر شاب لطيف وطويل له ابتسامة مرحة وصوت هادئ طول الوقت. اندمجنا سويًا وأخذنا الحديث حول كل شيء، الشغل، والحياة، والعلاقات. لفحت وجوهنا نسمات رقيقة جدًا، كأنها أصابع ملائكية تداعب خيالنا لتزيح عنا هموم الحياة. بعد عشرين دقيقة وصلت الفطائر. أكلت قطعة من فطيرة الجبن، وقطعة من فطيرة البسطرمة، ثم أخذت قضمة من فطيرة المكسرات بالكريمة، في اللحظة التي تفتت القطعة على لساني انفتحت في دماغي بوابة سحرية على عالم من الحوريات، دغدني شعور رهيب لا يمكن وصفه، يشبه المشهد الشهير في فيلم الفأر الطباخ عندما تذوق الناقد الخلطبيطة بالصلصة فعاد في الحال إلى أحضان أمه، كنت أنا مثله مع فطيرة الكريمة بالمكسرات، تنزلق في معدتي دفقات من المتعة، وتجري في دماغي حلقات من النشوة.

أنهينا الفطائر وقمنا لمعاودة التمشية. كانت الفطائر قد أثقلتنا لكن الشوارع المفتوحة أمامنا تدفعنا أن نمضي للأمام حيث لا يشغل بالنا الوصول إلى أي شيء. بدأت المدينة تهدأ قليلًا كأنها تستعد للنوم، أو للسهر داخل الشاليهات. تمشينا حتى اللسان، وصلنا الفنار، كنا نلقي عليه نظرة أخيرة قبل الوداع، في مشهد مختلف تمامًا عما رأيناه لحظة وصولنا عند الشروق. كان البحر والنهر صامتين تمامًا، لا مراكب ولا أي شيء يجرح الصمت المهيب للمياه، سوى الفنارين اللذين يقفان بعناد كأنهما يحجزان البحر أن يسطو بملوحته على النهر منذ الأزل.

 

فنار رأس البر. برخصة المشاع الإبداعي: ويكيبيديا

6

عدنا من رأس البر إلى دمياط بعد منتصف الليل بعدما غفت المدينة واستسلمت للنوم. نزلنا من التاكسي على الكورنيش، واقترح حازم أن نشتري بعض الحلويات كتذكار وهدايا للأهل. اخترقنا شارعا طويلًا جدًا حتى وصلنا محل حلويات يدعى "المساوي"، ضحكت من الاسم لدلالته شديدة الصلة بصنعة الحلويات بما تحتاجه من اقتطاع وتسوية.

شرح لي حازم أن طريقة تسمية المحلات في دمياط مميزة جدًا، لما تحمله كل عائلة من إرث في صنعة معينة ما يجعل اسمها كالعلامة التجارية فيما تفعله. أخذنا المشبّك بالعسل، وعدنا من نفس الطريق الطويل، فضّلنا المشي قليلًا قبل الذهاب إلى الموقف حيث باصات العودة. ملأت عينيَّ بأشكال المباني، ورئتيَّ بالهواء العليل، كان الجو ممتلئًا بنقاوة ما لا أعرف سببها، هل هو قلة الازدحام، أم أن أهل هذه البلد بالهم رائق لدرجة أنهم لا يعبئون بالحياة، أم الأكل والشرب اللذان لم يفقدا خيرهما بعد كما حدث لما نأكله نحن. كانت رأس البر ، ومن قبلها، دمياط بالنسبة لي عالمًا سحريًا لم يطله الخراب بعد.

ركبت باص العودة. وضعت حقيبتي على قدمي. تركت المدينة خلفي على أمل العودة قريبًا. فتحت الساوند كلاود ليؤنس طريقي، كان محمد قنديل في الواجهة يستعد ليغني أغنيته الأثيرة: وتروّح بلدك يا غريب.