حسن هدهد وزرياب وعم غمراوي.. أبطال خيري بشارة التراجيديون
"أنا ماقلتش إن أنا أحسن من حد، بس كمان مافيش حد أحسن مني". هذه الجملة الخالدة لأحمد زكي أو "حسن هدهد"، الملاكم الشعبي الفقير في فيلم كابوريا، بعد عودته جريحًا من تجربة حياة عاصفة عاشها في قصر المليونير وزوجته، اللذين ينظمان مباريات ملاكمة غير رسمية بمراهنات.
يشارك حسن في المباريات، بصحبة صديقيه الملاكمين مصطفى ومحمود، لينال استحسان الزوجين والمدعوين من أبناء طبقة المليونيرات فرحًا بهذه النمرة البلدي الحراقة، التي تدفع الملل المسيطر على حياتهم اللاهية.
تتجاور الطبقتان في القصر وحول الحلبة وداخلها. كل منهما يتذوق طعم الأخرى. الفارق الشاسع بينهما أن لكل طبقة مذاقًا وجاذبيةً في خيال الأخرى، بل وسعي حثيث لامتلاك ما تحوزه من أسباب الإغراء أو الجاذبية.
خلال إقامته هناك، بصحبة صديقيه؛ يتخلى حسن تمامًا عن شرف اللعبة من أجل الكسب السريع، الذي انهال عليه، سواء من المراهنات، أو من واسطاته ليملأ الحلبة يوميًّا بنمر الملاكمين، أو المصارعات الثخينات، من أبناء طبقته، اللاتي يتحولن لمادة لاستهلاك الضحك أمام جمهور القصر.
محاكمة رمزية
ظلت الجملة فاعلةً في ذاكرتي، أستعيدها كثيرًا، وبالرغم من صعوبة تمثلي لإحدى الطبقتين، فإنها تتعالى على واقعها، وعلى قائلها، وتصبح نموذجًا إنسانيًا للمساواة. أطلقها حسن، ليلًا، وسط حيَّه الفقير، بعد أن رفض كابتن حسنين، مدربه ومعلمه الروحي وأحد سكان الحي، الاستجابة لندائه وتوسلاته بأن يستمع لدفاعه عن نفسه، بل وينهره، لأنه باع نفسه وباع شرف الملاكمة، فالبوكس في عرفه "لعبة الشرف والجدعنة".
بعدها تنعقد محاكمة رمزية لحسن من أهل الحي، حيث تضاء أنوار الشبابيك، وينهالون عليه بالاتهامات. يحاول، في البداية، تلافي لكماتهم، وإساءاتهم. لكنه يفشل، ويرد عليهم بهجوم مضاد، وينصب لهم محكمة موازية يكشف فيها أسرار حياتهم، وخياناتهم للشرف الذي يدعون التمسك به، حتى الكابتن حسنين نفسه، الذي زوَّج ابنته الصغيرة لرجل كبير. خطايا صغيرة اقترفوها، من أجل التغلب على سطوة الفقر.
بعد هجومه المضاد يطلق حسن هذه الجملة، لتتحقق المساواة بين الطرفين، فالجملة بها اعتراف تطهري، تقبع وراءه رغبته في المساواة وليس التفوق على الآخر. كما ترد الاعتبار لتجربته ولأخطائه ولخطاياه، ولمخاطرته في العالم الثري، لاستعادة براءته من جديد.
بعدها أيضًا يرق قلب الكابتن حسنين، ونعرف أن حسن جاء ليطلب منه العودة لتدريبه مرة أخرى ليستعيد لياقته، فهناك مباراة مهمة، وأخيرة، سيلعبها أمام أحد الملاكمين الأقوياء في حلبة القصر، ولها مكافأة كبيرة.
ترك حسن حرفة صناعة الزجاج اليدوي من أجل البوكس. كان أمله هو وصديقيه الملاكمين مصطفى ومحمود، أن يلعبوا في الأولمبياد، وعندما أدركوا استحالة تحقيق حلمهم، قنعوا بإقامة حلبة ملاكمة في حيَّهم الشعبي للعب وسط تشجيع أهلهم وناسهم.
يختار حسن هدهد الملاكمة، لعبة الشرف والجدعنة، التي تمنحه الإحساس بالقوة، والندية مع الآخرين؛ الطرف الآخر في الحلبة، أو الحياة. بل تمنحه فرصة الفوز عليهم، ولو رمزيًّا. الحلبة ماكيت لصراع الحياة. لكن هذه القوة ليست مجانية، هناك قواعد لاستخدامها، خارج حلبة الملاكمة، وداخل حلبة الحياة؛ أن تلعب لمساعدة الضعفاء المهمشين، وهو ما التزم به حسن هدهد وصديقاه مع أحد سكان الحي البسطاء نظير مبلغ مالي بسيط يساوي "حق الدخان".
استعادة البراءة
يكشف حسن خلال تغريبته زيف عالم المليونيرات، وأنه جسده وقوته يستغلان مادةً للتسلية. لهذا تخلى صديقاه عنه وتركا القصر، وفي المباراة الفاصلة التي يفوز فيها بعد عذاب، تسلمه سيدة القصر مكافأة المائة ألف جنيه، لكنه يلقي بها على أرض الحلبة، كأنه يرد الصفعة ويسترد كرامته. هي اللحظة التي ينتظرها ليمسح ذنب استسلامه وتخليه عن مبادئه، ويعود بريئًا.
رغم أن خيري بشارة اعتبر فيلم قشر البندق مستوحى من فيلم They Shoot Horses, Don't They? لسيدني بولاك، فإن "كابوريا" البذرة الأولى لهذا الخط الفكري الذي سلكته في عدد من أفلامه.
يدور فيلم سيدني بولاك في ماراثون رقص يقام في الثلاثينيات، فترة الكساد العظيم بأمريكا، يستمر لأيام وليال متواصلة دون نوم. يشارك فقراء ويائسون بحثًا عن الجائزة، بينما يتسلّى الأغنياء بمشاهدة بؤسهم واستهلاك طاقتهم حتى النهاية، حيث يقوم البطل بقتل صديقته لينهي معاناتها.
هناك علاقة بين حلبتي الماراثون والملاكمة؛ بين الفرجة، وتحول المعاناة إلى سلعة، مع ثبات الوضع بكل عناصره، ولا مهرب إلا بالموت، أو التمرد على شروط الحلبة/الحياة.
ومن هنا يظهر ما يضفيه حسن، بجملته الخالدة، من حس تراجيدي على سلوك "الجدعنة الشعبية". فبجانب اعتزازه بنفسه، الذي لا يناسب وضعه الطبقي، هناك هشاشته وضعفه الداخليان.
يرفض أن يصنفه أحد، أو أن يشغل المكان الطبقي الذي وضعه فيه القدر، وفي الوقت نفسه، لا مكان آخر يحلم به سوى البطولة الأوليمبية، فيتمرد، ليكسر أي تناقضات، ويدفع الثمن نظير هذا التمرد/المخاطرة التي قام بها، ليعيد المساواة إلى حياته، رغم أن حلبة الملاكمة، مثلها مثل الحياة، ليست مثالية، هناك غالب ومغلوب، وداخل هذه المفارقة والثنائيات القدرية التي يواجهها ويولدها يعرف موقعه من الحياة؛ يعيش البطل الشعبي بحثًا عن الفوز، فهو مفتاح المساواة وحاضن المخاطرة الرحيم.
طز في الأيديولوجيات
ثمة مخاطرة أخرى يخوضها بطل آخر من أبطال خيري بشارة؛ هذه المرة ليس على مباراة، بل على الحياة نفسها، فيتخلى عنها وعن صراعاتها، لكي يستعيدها بشكل آخر أكثر حرية وبراءة، بعد الوعي بها وبتناقضاتها.
زرياب الملحن الموهوب الاشتراكي الهائم على وجهه في الشوارع في أيس كريم في جليم بطل من أبطال الدرجة الثانية المؤثرين في سينما خيري بشارة. موهوب مثل حسن هدهد، والموهبة توصله للصراع مع القدر، وأيضًا للاستنارة، فهي الحبل الذي يفجّر التناقضات في الحياة.
يموت زرياب وسط الجنينة العامة إلى جوار المرأة التي تعرف عليها توًا في البار، بعد أن استمتع وأخذ نصيبه من الدنيا ومن جسدها، ولم يعد خائفًا من الموت، فقد عصرته تجربة التشرد في الحياة. يودع صديقة البار، ويمنحها كل ما في جيبه، تقول له "ده كتير"، فيرد في مونولوج أخير "أنا مش محتاج.. أنا مسافر"، ويكمل "قلبي بيحب الناس، بيعشقها، دلوقتي بس عرفت سر عذابي: اللغة، وحرب الكلام، مش مهم يتقال أنا اشتراكي، راديكالي بتنجاني، مش مهم أي إيديولوجية، طز في ايديولوجيات الدنيا، طز في العنف والتطرف، الله على اللقمة والحرية والعدل". ثم ينطق اسم ابنته آية كآخر نداء من فمه.
الموت الذي يحدث مع بداية نور النهار، يتحول إلى موتٍ متسامٍ. انسجام بين الجسد والطبيعة، والبيوت والسماء، والطيور. تحصَّل زرياب على الوعي من تقلبه في حياته بين أكثر من اتجاه وأيديولوجية، ليصل إلى حكمة النهاية، وهي التعدد، ورفض القوالب والمعتقدات المتعصبة، وحروب الكلام، وألاعيب اللغة.
يعود لحالة بريئة من استعمال اللغة والرموز قبل أن تكتسب متاهتها وسط صراعات البشر وضيق أفقهم. وهنا يصبح ندًا ومساويًا لهذه الحياة وللآخرين الذين كون أيديولوجيته المتعصبة ضدهم، لكنه يتجاوزهم الآن بخطوة قبل النهاية، بالحب لكل الناس، فالحب يلغي الحدود والطبقات والحواجز.
يصل زرياب إلى الوعي، حتى ولو كان الموت هو الطريق، فالمساواة، مثل الحب، تتجاوز الآخر، بأيديولوجية مغايرة تمامًا للحياة، باستخدام الحياة نفسها مادةً للتجريب، وبدون قوالب تحد من تنوعها الخلاق بحياة جديدة تخرج من الموت، فمشاهد الموت عند خيري بشارة مبهجة كظاهرة طبيعية لها جلالها و ضرورة الاحتفاء بها، كما حدث لزرياب وسط الحديقة العامة.
ندم عم غمراوي
بطل ثالث من أبطال بشارة، هو عم غمراوي في أمريكا شيكا بيكا يتحدى حنين بيته، بعد أن كسدت مهنته كترزي، فيتركه هو وزوجته أم زينات وأولاده ويجرب السفر لأمريكا تهريبًا عبر رومانيا، مع فوج سياحي، ليوفر لعائلته ظرفًا أفضل للعيش. يدخل عدة تجارب في رومانيا، يلعب فيها دور المشاهد، حتى يصل إلى علاقة مع إحدى المومسات، ربما لخوفه من الغربة، أو لاحتياجه جسد امرأة، لم يوضح المخرج السبب وراء مغامرته، ولم يقصرها فقط على الحصول على المتعة الجسدية.
بعد هذه الواقعة يشعر عم غمراوي برغبته في الاتصال بزوجته في مصر. ربما بسبب شعوره بالذنب، بدلًا من أن يرسل لها خطابًا كالعادة يتصل بها هاتفيًّا، فالوقت أمامه ضيق. في هذه المحادثة المونولوج يستطرد عم غمراوي في طرح الوصايا على زوجته، ولا ينسى أن يشكرها على سنواتهما معًا، ويخبرها بأنه سيقطع الرحلة ويعود، لأنهم استوحشوه، ولن يسافر مرة أخرى. ثم يبكي.
يستأنف عم غمراوي، المحموم، المونولوج على الدكة في الحديقة العامة وسط أصدقاء فوج السفر. يتذكر والده الترزي الذي حرمه من حبه لكرة القدم، وأجبره على العمل معه، بعكس حسن هدهد الذي ترك صنعة العائلة واتجه للملاكمة.
يستسلم للموت الذي يعرف أنه قادم، لكنه يقابل لحظة الانكشاف هذه، ليس بالفرح والطمأنينة كزرياب، أو بالاعتراف بالخطأ واستعادة البراءة كحسن هدهد، لكن بالندم، لأنه لم يملك موهبة أو مخاطرة حياة تطور الندم وتحوله إلى مادة لاستعادة البراءة.
يموت عم غمراوي وسط الحياة في ميدان عام. الموت أحد أبطال خيري بشارة اللامرئيين، الحمام أول من يستشعر حضوره. يمنح المخرج وقائعه حسًا متساميًا تتعالى به وتصبح نماذج لاستمرار الحياة والتفاؤل وليس النهاية، حتى ولو كان تفاؤلًا تراجيديًا، يجمع بين الفرح والبكاء، ولكنه ليس عدميًّا.
يستبقي بشارة شيئًا حقيقيًّا وصادقًا من هذه الظاهرة الجليلة، بعيدًا عن قوة التمثيل، فالموت ليس تمثيلًا، هو شيء يجعله يقف بين الخيال والحقيقة.