كاتب الظل.. ذلك المظلوم بأجر
فتحت استقالة وزيرة الثقافة المصرية جيهان زكي بعد الحكم ضدها باقتطاف أجزاء واسعة، بلغت حد السرقة، من كتاب للصحفية سهير عبد الحميد عن "قوت القلوب الدمرداشية" الباب واسعًا أمام نقاش جاد حول "كاتب الظل"، وهي مسألة سارية في ثقافتنا المعاصرة.
عندما مات شاعر موهوب فقير، توقف عشرة أثرياء عن نشر القصائد. هذه المقولة الساخرة تلخص ما نطلق عليه "كاتب الظل"، وهو ليس كاتبًا ينشر باسمه ما يكتبه، لكنه يواجه تواريًا إراديًا، حتى لو كان صاحب كتابة مدهشة، لأنه يكتب لغيره بأجر، إما لضيق حاجته، أو لطمع في حياة مادية أفضل، أو لعدم امتلاكه مشروعًا كتابيًا حقيقيًا، أو لاعتقاده أن الكتابة أو بعضها مجرد مهنة كغيرها يمكن تأجير جهد صاحبها لحساب الغير، أو هو يستهين بالكتابة، ولا يتعامل معها كعملية ذاتية الطابع خاصة، إنما يراها شيئًا يمكن تجهيزه كما تجهز الطبخات لتؤكل، وتهضم وينتهي أثرها في أوصال من يلتهمها، سواء أضافت لجسده متانة أو زادته ترهلًا.
أقلام مستأجرة
هذه آفة موجودة طوال الوقت في الحياة الثقافية، وأنتجت قصصًا تُروى، همسًا أو جهرًا، ودُوّن بعضها، مثل الحكاية التي أوردها سليمان فياض في كتاب النميمة، عن أديب راحل رسم ملامحه فكادت تنطق اسمه، كان قد استملح كاتبًا موهوبًا فقيرًا ودعاه إلى وليمة عامرة في بيته، وتودد إليه، طالبًا منه صياغة أفكار قصص له، وكتابة مقالاته التي كانت تنشر في كبريات الصحف المصرية، على أن يحصل على مكافآتها المجزية إلى جانب الأعطيات التي يمنحها له الكاتب الشهير صاحب المناصب والمواضع المتقدمة في الثقافة والسياسة، لكن الشاب لم يطعه، فطرده من بيته وهو يكيل له السباب، لأنه في نظره رفض الفرصة التي أتاحها له، والنعمة التي كان سيسبغها عليه. وتناول نجيب محفوظ هذه الشخصية في روايته أو كتابه القصصي المرايا، تحت اسم جاد أبو العلا.
ويعرف صحفيو مصر جميعهم حكاية رئيس التحرير الذي تندروا عليه بعبارة "كُتَّابه أكثر من قرائه"، وبعضهم يعرف أسماء من يكتبون له، وكيف كانت سكرتيرته توزع عليهم المقالات وفق تخصصاتهم، مقابل مكافأة تصرفها المؤسسة الصحفية الكبرى. فهذا لكتابة المقالات السياسية، وذاك للاقتصادية، وثالث للاجتماعية، وحتى الكتابة عن العواطف الإنسانية التي تناسب بعض المطبوعات التي تصدرها المؤسسة كان لها من تسند إليه.
وزاد واستفحل هذا الأمر وذاع سره حتى أن الصحفيين كانوا يعيدون المقالات فور أن تقع عيونهم عليها إلى كتابها الأصليين، لأنهم يعرفون أسلوبهم المميز من مقالاتهم الأخرى التي تحمل أسماءهم، بينما ظل المكتوب له موزعًا على أساليب عدة، لا علاقة له بها، ورحل عن الدنيا دون أن يترك أي بصمة تُذكر في عالم الكتابة.
وهناك حكايتان معروفتان للقلة في الأوساط الصحفية المصرية، وهما لأكاديميتين، الأولى كانت تنشر مقالًا أسبوعيًا في جريدة عربية تصدر في لندن، وكانت تكلف باحثًا شابًا بالكتابة نيابة عنها، مقابل حصوله على المكافأة المجزية، واستمر هذا سنوات، إلى أن جاء يوم مشؤوم لهما معًا، حيث تكاسل هذا الشاب عن الكتابة، واستسهل الأمر فسرق مقالًا لكاتب عربي، وما إن نُشر المقال حتى اكتشف صاحبه الأمر، وخاطب رئيس تحرير الجريدة، فأوقفت الكاتبة عن النشر حتى كفت الجريدة عن الصدور.
والحكاية الثانية لمثيلتها التي كانت تكلف تلاميذها بالكتابة بدلًا عنها مقالاتٍ تنشرها بين حين وآخر في صحيفة مصرية يومية مستقلة، فلما افتضح الأمر، منعت الصحيفة هذه الأستاذة الجامعية عن الكتابة لها.
وهناك كاتب ظل غير معروف، أو تعرفه قلة، ثم نال شهرة في سن متقدمة نسبيًا، قد سطا على مخطوطة فصاغ منها رواية حصدت جائزة كبرى، ووزعت بإفراط، وحققت لصاحبها ما لم يكن بوسعه أن يحصله من كتاباته الأخرى.
ورغم أن هناك من يعرفون خلفية هذه الرواية، وكيف كانت بذرتها أو مخطوطها الذي قامت عليه، إلا أن أحدًا لم يجهر باتهام الكاتب بالانتحال أو السطو، لأن أصل المخطوط ليس في يد أحد، إنما كان على رف مؤسسة تُعنى باقتناء المخطوطات، وليس هناك من دليل يشفع عند أهل القانون، وإنما حجة يكسل الجميع عن تقديمها، لأنها تحتاج إلى جهد جهيد وقدرة نقدية فائقة، ولا ينفع تقديمها أمام النيابات والمحاكم إن وصل الخلاف إليها، لأنها تتعلق بـ"البصمة الأسلوبية" التي تشي بوضوح أن أسلوب الرواية الشهيرة يختلف عما نشره هذا الكاتب قبلها، وكذلك ما نشره بعدها، وبالتالي فهي في قطيعة ظاهرة مع كل ما أصدره من كتب أو روايات أو قصص.
هناك حالة أخف من الانتحال نراها في بعض الروايات التاريخية، التي لا يفصل كتّابها جيدًا، لضعف ذائقتهم الفنية، بين التأريخ والأدب السردي، حيث يتحول المؤرخ إلى كاتب ظل غير معروف عند من لا يطالعون النصوص الأصلية للحوليات التاريخية، وهم الأغلبية الكاسحة من قراء الروايات. ويتعدى الانتحال هنا مجرد الاستفادة من التاريخ في أحداثه ومواقفه وأحواله ومشاهده وأبطاله وشخوصه، أو الاقتباس منه الذي يراعى شروط هذا، إنما ينطبع أسلوب المؤرخ على أسلوب الروائي.
أكاديمي الظل
ولا يقتصر كتّاب الظل على عوالم الأدب وأصنافه، إنما امتد منذ عقود إلى مجال الأبحاث الأكاديمية، فيما عُرف بظاهرة "البترو ـ ماجستير" و"البترو ـ دكتوراه" وفق تعبير الكاتب وأستاذ علم الاجتماع السياسي الكويتي محمد الرميحي. وكدت أُفصَل من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية وأنا طالب بالسنة الرابعة لأنني فضحت هذا الأمر في مؤتمر علمي مشترك للجمعية العربية للعلوم السياسية ومركز البحوث والدراسات السياسية بالكلية، وتحدثت عن هذه الواقعة باستفاضة في سيرتي الذاتية التي حملت عنوان مكان وسط الزحام.
كان بعض طلاب الدراسات العليا من أهل الخليج يدفعون لمن يعد لهم أطروحاتهم، وكان بعض الأساتذة يلعبون دور الوسيط بين باحثين شباب يفعلون هذا وبين من ستنسب إليهم هذه الرسائل الجامعية، ثم لم تلبث أن امتدت الآفة إلى أناس من بلدنا ينظرون إلى الدكتوراه باعتبارها متممًا لوجاهة اجتماعية. وبعد أن كان هذا يتم سرًا وفي خجل، صار جهرًا وفي تبجح، حتى أصبحت له أماكن، أو أكشاك يعرفها باحثون وطلاب، بل إن أصحابها يعلقون لافتات تقول "نعد أبحاث التخرج للطلاب والرسائل العلمية".
وأتذكر أنني شاركت الدكتور أحمد ثابت، رحمة الله عليه، في تقييم أبحاث التخرج لطلبة السنة الرابعة من قسم العلوم السياسية بالكلية عام 2008، ولاحظت أن بحثًا لطالب أفغاني مكتوب بعربية بليغة، تقترب من أسلوب عباس محمود العقاد، وحين ناقشته لم أجده يجيد شفاهة تكوين عبارة سليمة. وعرفت وقتها أن بعض السعاة يحتفظون بأبحاث طلاب السنوات السابقة بعد تقييمها من قبل أستاذ مادة "مناهج البحث" وتخلصه منها، ويبيعونها لطلاب السنة الجديدة، فيما لا توجد ثقة تامة في أن بعض هذه الأبحاث من إعداد أصحابها القدامى، وذلك على العكس مما كان سائدًا أيام دراستنا الجامعية، إذ كنا نعد الأبحاث بأنفسنا، لا تشوب هذا أي شائبة.
وذات مرة كنت أتحدث مع باحث عراقي فوجدته يقول لي إن في بلده تسعيرًا للأبحاث، فهناك من يعد بحث الترقي لكادر الجامعة لقاء ألف دولار، وتدفع ثلاثة للماجستير، وخمسة للدكتوراه، فعرفت أن الآفة قد ساحت عربيًا، بل وصل إلى علمي فيما بعد أن هذه الظاهرة موجودة في جامعات أجنبية يقصدها طلاب عرب في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية للحصول على الماجستير والدكتوراه، وأن باحثين غربيين وعرب يعيشون في الغرب ضالعون في هذه الآفة القاتلة للبحث العلمي، حتى أنني قابلت ذات يوم أستاذًا خليجيًا حصل على الدكتوراه من أيرلندا الجنوبية، لا يجيد الإنجليزية، لا قراءة ولا كتابة ولا ترجمة.
أنماط جديدة
ومع ثورة الاتصالات صار هناك بالنسبة للبعض كاتب ظل إلكتروني، يتمثل في الذكاء الاصطناعي، وهي كما رأينا تجعل كاتب الظل هو ذلك الذي تسطو محركات البحث على ما كتب، سواء كان كاتبًا واحدًا أو عدة كُتَّاب في عملية توليف وتضفير، أو بالأحرى تلفيق إلكتروني مقيت.
وهناك كاتب ظل يستتر في ثلاث صور معتمدة هي: المحرر الأدبي، ومساعد الباحث، وورش الكتابة. والأول قد يتدخل بشكل خارج فيحذف ويضيف إلى النص ويعيد صياغته، وفق إرادة الناشر، في استجابة للطلب على القراءة، الذي يُنظر فيه إلى الكتاب على أنه مجرد سلعة، لا بد أن تفي بالشروط التي يريدها زبائنها، وهي مسألة يربطها الكاتب عزت القمحاوي بزحف آليات الرأسمالية على الكتابة والقراءة، حيث يظهر فيها الناشر على أنه تاجر ينشغل بالربح، وليس بذاتية الأدب، أو تعبيره بالضرورة عن موقف المؤلف وذائقته ومشاعره وبصمته الأسلوبية.
وهناك حالة لهذا في حياتنا الثقافية لكتاب حاز جائزة كبرى، قام المحرر الأدبي بصياغته من الألف إلى الياء، متخذًا مما قدمه الكاتب على أنه مجرد مسودة أولية أو مادة خام، كانت مكتوبة بلغة ركيكة أو مفككة، وكانت هناك جوانب ناقصة أو غامضة عمل المحرر على إجلائها وإكمالها بسؤال الكاتب الأصلي عنها، حتى خرج الكتاب من المطابع حاملًا أسلوب المحرر وليس أسلوب الكاتب.
من الفردي للجماعي
وصارت ورش الكتابة شكلًا آخر لكاتب الظل، إذ يجمع كاتب قصة أو رواية أو سيناريو عددًا من الشباب الموهوبين ليتشاركوا التفكير في موضوع وصياغته، أو ينفذوا فكرة للكاتب الذي يحمل المنتج النهائي اسمه، والذي قد يضع لمسات أخيرة على النص، مؤثرة أو لا تكاد تذكر، وبالتالي تتحول مثل هذه الورش في حد ذاتها إلى كاتب ظل جماعي.
أما مساعد الباحث فقد أفرط البعض في تلك الناحية إلى درجة أن يسند إلى هذا كتابة نص نهائي وشبه نهائي، قد يطلع عليه الباحث الذي يضع اسمه على المؤلف، أو لا يهتم بهذا لانشغاله أو استهتاره. وقد استفحلت ظاهرة الإسناد هذه حتى إن الكاتب شعبان يوسف يرى، في معرض حديثه عن كاتب الظل، أنه إن كُشف النقاب عما وراء وظيفة مساعد الباحث لاندهشنا من أسماء كبيرة في حياتنا العلمية والثقافية ليست بالضرورة صاحبة الكتب التي تحمل أسماءهم ويتم تداولها في السوق، وهنا يقول عن هذه الوظيفة "تشبه كاتب الظل إلا قليلًا، وفي تاريخنا هناك أسماء مذهلة، لو تم إعلانها لأثارت العجب".
فمساعدو الباحثين يجب ألا يتخطى دورهم جمع المعلومات والبيانات وفق خطة وضعها الباحث الأصلي، وليست صياغة نص نهائي أو شبه نهائي. وهذا يكون مقبولًا في الأبحاث الميدانية أو الإمبريقية الكبرى، أو في الإلمام بإحصاءات ومعلومات خام لأبحاث استطلاعية أو استكشافية أو تحليلية تعتمد على الرقم والمعلومة بدرجة أساسية، على أن يقوم الباحث الأصلي بصياغة التحليل والتفسير والنقد والتنبؤ، فيحمل فكره ورؤيته وينتمي إلى عالمه في الكتابة والتأليف.
أما الأبحاث النظرية أو الفكرية فإن وجود مساعدي الباحثين فيها يؤثر علي التفكير والكتابة سلبًا، إلى حد بارح وجارح، فهؤلاء يلتقطون من المراجع ما يعتقدون أنه الأولى بهذا، والأجدى للبحث، وقد لا يكون كذلك، وبعضهم قد يهمل، لقلة خبرة أو استهانة، ما هو أهم وأنفع، وبالتالي يمد الباحث بمادة مبتورة أو مشوهة، خاصة إن لم يكن يعمل على التوازي مع مساعده في جمع مادة البحث، ويبذل جهدًا أكثر في جمع المادة العلمية، وينتظر ما يأتي إليه، مكتفيًا به، فوقتها يخضع دون أن يدري لتوجيه تحدده المادة التي بين أيديهم وبذا يتحول مساعد الباحث إلى كاتب ظل مُقنَّع.