تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2025
من يملك حرية الجسد؟

فرنسية إلى أن يظهر الحجاب

السلطة العلمانية والوصاية الفقهية "إيد واحدة" ضد المرأة المسلمة

منشور الخميس 15 تشرين الأول/أكتوبر 2026

في 30 أغسطس/آب الماضي، أعلن النائب الفرنسي جان فيليب تانجي، المقرّب من زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان، أن حزب التجمع الوطني يعتزم تغريم مرتديات الحجاب في الأماكن العامة إذا وصلت لوبان إلى الرئاسة عام 2027، مشبّهًا العقوبة بغرامة حزام الأمان.

وفي اليوم التالي تعهّدت لوبان بعرض قانون "لمكافحة الأيديولوجيات الإسلاموية" على استفتاء شعبي يجرّم الحجاب في الفضاء العام بالكامل. وكان جابرييل أتال، وهو من خارج اليمين المتطرف، سبقهما باقتراح حظره على القاصرات دون الخامسة عشرة، ما يكشف تداخلًا متزايدًا بين العلمانية "المعتدلة" وخطاب اليمين المتطرف حول جسد المرأة المسلمة.

تتنازع جسدَ المرأة المهاجرة إذن سلطتان متعارضتان في الظاهر: جمهورية علمانية تدّعي حماية حياد الفضاء العام، ويمين متطرف يرفع راية "الهوية الوطنية" و"حقوق المرأة" معًا. وتفسّر الأكاديمية البريطانية نيرا يوفال-دافيس، المتخصصة في دراسات اللاجئين والهجرة، هذا الاستثمار بأن الخطاب القومي يحمّل أجساد النساء مهمة تمثيل حدود الجماعة وحراسة نقائها المتخيَّل، فيما تربط باحثة علم الاجتماع جوان والاك سكوت قانون 2004 بفشل الجمهورية في دمج رعاياها المنحدرين من الهجرة، وبتصوّر عرقي لمن يستحق أن يكون فرنسيًا بالكامل.

هكذا يتقاسم الخطابان وصاية واحدة يُدمَج بموجبها الجسد المهاجِر قسرًا أو يُقصى نهائيًا.

تعود هذه الوصاية إلى تاريخ استعماري جعل جسد المرأة المغاربية، منذ غزو الجزائر عام 1830، موضوعًا لفانتازيا استشراقية رأت في الحجاب دليل تخلّف يستوجب "التحرير". بلغ هذا المنطق ذروته في يوم كشف الحجاب بالجزائر العاصمة عام 1958، حين دُفعت نساء جزائريات، بعضهن بالإكراه، إلى نزعه أمام الكاميرات.

يستعيد هذا المشهد مفارقة جياتري سبيفاك الباحثة النسوية الهندية عن "الرجل الأبيض الذي ينقذ المرأة الملوّنة من الرجل الملوّن". ثم انتقل المنطق نفسه مع الهجرة إلى بنات المهاجرين، اللواتي تصف عالمة الاجتماع والأنثروبولوجيا في جامعة باريس نصيرة جنيف-سويلاماس اختزالهن بـ التشييء الثنائي/double objectification، إذ يُنظر إليهن إما كضحايا ينتظرن الإنقاذ أو كتهديد لاندماج جماعتهن.

تهديد ديموغرافي

زينب شابةٌ فرنسيةٌ من الجيل الثالث لمهاجرين تونسيين. ولدت وترعرعت قبل 24 عامًا في ضاحية باريسية استقر فيها جدّاها في سبعينيات القرن الماضي للعمل في قطاع البناء. تقول "حين قررتُ ارتداء الحجاب في سن الثانية والعشرين، كان القرار دينيًا، لكنه كان أيضًا محاولة لاستعادة شيء من هويتي بعد سنوات من الشعور بأنني مطالَبة بإثبات اندماجي باستمرار".

صِيغ قانون 2004 دفاعًا عن حرية "الفتيات المراهقات"، غير أن مناصريه، كما تلاحظ سكوت، تجاهلوا بنات المهاجرات اللواتي اخترن الحجاب، وافترضوا أنهن جميعًا ضحايا. ويجسّد هذا الافتراض ما يُسميه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو العنف الرمزي/violence symbolique، أي هيمنة تُقدَّم في صورة الحماية. أما اليمين المتطرف فيوظّف ما يصفه إريك فاسان، أستاذ علم الاجتماع بجامعة باريس، بالديمقراطية الجنسية/démocratie sexuelle، حين تُستدعى حقوق النساء لفرز المهاجرين بين قابلين للاندماج وغيرهم، دون أي التزام بتحسين شروط حياة المهاجرات أنفسهنَّ في سوق العمل أو السكن.

ويتجلى ذلك في قرار مجلس الدولة الفرنسي الصادر في 29 يونيو/حزيران 2023، بتأييد حظر الحجاب في مباريات كرة القدم الرسمية. جاء القرار ردًا على دعاوى رفعتها جمعيتا التحالف المواطني/Alliance citoyenne والهجوم المضاد/Contre Attaque إلى جانب لاعبات من تجمّع الحجابيات/Les Hijabeuses، وقد عدّته منظمة العفو الدولية تكريسًا لقاعدة تمييزية. وتعقّب زينب، التي توقفت عن اللعب في نادي ضاحيتها "قرر القانون فجأة أن جسدي غير محايد، لم يشرح لي أحد كيف يمكن لقطعة قماش أن تُفسد مباراة".

تتحمّل المحجبات العبء الأثقل لهذا الخطاب في الحياة اليومية. فمن أصل 828 بلاغًا عن أفعال معادية للمسلمين رصدها "التجمّع ضد الإسلاموفوبيا في أوروبا" في فرنسا عام 2023، أغلبها أفعال تمييز وتحرّش؛ 675 كانت الضحايا فيها نساء، أي 81.5%. ويبلغ هذا الاستهداف ذروته في العنف الجسدي، الذي رصدت اللجنة الوطنية الاستشارية لحقوق الإنسان نمطه منذ عام 2014، بتوثيق 14 اعتداءً عنيفًا وُجّه ضد نساء مسلمات من أصل 17.

تكشف هذه الأرقام أن الجسد المهاجِر المحجّب يشكّل الموقع المادي الذي تتقاطع عنده ثلاث منظومات من الهيمنة، العرقية والجندرية والمرتبطة بوضعية الهجرة. فالمرأة تُستهدف بصفتها مسلمة، وبصفتها جسدًا يُختزل فيه مسار الهجرة العائلي بأكمله إلى علامة مرئية واحدة قابلة للاستهداف في الشارع ومكان العمل والمدرسة.

تقول أمينة، وهي جزائرية عمرها 29 عامًا جاءت إلى فرنسا للدراسة الجامعية ثم استقرت بها وتعمل اليوم ممرضة في مستشفى عمومي وأم لطفلة "بعد سلسلة ملاحظات غير رسمية من الإدارة حول ما وصفوه بـمظهري المهني، اضطررت إلى نزع الحجاب أثناء ساعات العمل فقط، وارتدائه من جديد فور خروجي من باب المستشفى. أصبح الأمر طقسًا يوميًا، انفصامًا حرفيًا بين هويتين". وتضيف "أشعر أحيانًا أنني أخلع جزءًا من نفسي مع كل مناوبة، ثم أعيد تركيبه في طريق العودة إلى البيت".

يتحول العنف الرمزي هنا إلى إدارة جسدية يومية لا تخضع لها زميلاتها غير المحجبات، ويمتد إلى خارج المستشفى، كما تروي أمينة عن واقعة أمام مدرسة ابنتها "اقتربت مني امرأة وسألتني بنبرة ساخرة إن كان زوجي يجبرني على ارتداء الحجاب، ثم أضافت أنها تشفق عليّ. حاولت أن أشرح لها أن القرار قراري وحدي، فقاطعتني وابتعدت وكأن كلامي لا قيمة له". فصورة "الضحية" المرسومة لها سلفًا أقوى من أي كلام تقوله عن نفسها.

وينزلق هذا النمط أحيانًا إلى عنف صريح، كما تحكي زينب عن واقعة في محطة مترو باريسية "دفعني رجل بكتفه بقوة، ثم قال لي بصوت عالٍ أمام الجميع أن أرجع إلى بلدي بهذا الشيء على رأسي. لم يتدخل أحد، بعضهم نظر بعيدًا وكأن شيئًا لم يحدث". تلتقي في هذا المشهد الصورتان اللتان رصدتهما شيرين رزاق، الأكاديمية المتخصصة في الجندر والعنف العنصري ضد المسلمين، في الخطاب الغربي، الرجل المسلم الخطر والمرأة المسلمة المنكوبة. فالمعتدي يتقمّص دور الذكورة الوطنية الحارسة التي تُعيد الغريبة إلى مكانها المتخيَّل، وصمت الركاب يغدو تواطؤًا يحرمها من تضامن كان سيناله جسد آخر.

تحت مقصلة الإقصاء

تمتد هذه الاستمرارية إلى سوق العمل. فبعد قانون 2004، حظر قانون 2010 إخفاء الوجه في الفضاء العام، ثم غدا رفض الحجاب بديهية يطبّقها أرباب العمل.

تحكي سلمى، شابة مغربية الأصل تبلغ 31 عامًا، وُلدت في فرنسا لأبوين مهاجرين وتحمل شهادة ماجستير في القانون من جامعة فرنسية مرموقة "رُفضت في السنة نفسها من أربعة مكاتب محاماة، رغم أن كل المقابلات الهاتفية كانت ناجحة جدًا. كان الرفض يأتي دائمًا بعد المقابلة، بمجرد أن يروا حجابي، دون أي تعليل رسمي". وتعلّق بمرارة "أحمل جنسية فرنسية منذ ولادتي، وشهادة من إحدى أعرق الجامعات الفرنسية، ومع ذلك يكفي وشاح على رأسي كي أُرفض".

أما رنا، وهي عراقية تبلغ 38 عامًا وصلت إلى فرنسا لاجئة بعد عام 2003 وحصلت لاحقًا على الجنسية، وتعمل اليوم في القطاع الاجتماعي، فتروي "يُطلب مني أحيانًا في عملي أن أنزع حجابي، وكأن كوني لاجئة يفرض عليّ أن أتنكّر لجزء من هويتي لأثبت جدارتي بالبلد الذي استقبلني. أشعر أن مسار لجوئي بأكمله أصبح رهينة لهيئتي الخارجية، وكأن ما أنجزته منذ وصولي لا يُحتسب".

يستوجب تفكيك هذه الآليات توجيه النقد إلى داخل الحقل النسوي ذاته. فقد وثّقت كريستين دلفي، عالمة الاجتماع والكاتبة النسوية، انخراط جزء واسع من النسوية الفرنسية في إقصاء المحجبات باسم "تحريرهن" دون استشارتهن. ويلتقي ذلك مع نقد الأكاديمية النسوية شاندرا تالباد موهانتي، لبناء مرأة العالم الثالث/Third World Woman ضحيةً متجانسة، في مقابل امرأة غربية تحتكر موقع الذات المتحررة. هكذا تُختزل تونسيات ومغربيات وجزائريات ومصريات ولبنانيات وسوريات وعراقيات وغيرهن في تفسير ثقافي واحد، ضمن ما تسمّيه الأدبيات ما بعد الكولونيالية النسوية البيضاء/white feminism.

وتشترك السلطة الفقهية الذكورية مع هذه النسوية، رغم عدائهما الظاهري، في افتراض أن المرأة المسلمة تحتاج إلى من يتكلم نيابة عنها. تفكّك صبا محمود، عالمة الأنثروبولوجيا، هذا الافتراض حين تبيّن، في دراستها لحركة التديّن النسائي في مساجد القاهرة، أن النساء يمارسن فاعلية/agency حقيقية داخل الممارسة التعبدية ذاتها، كما تُسائل الأكاديمية الأمريكية ذات الأصول الفلسطينية، والمتخصصة في دراسات الجندر ليلى أبو لغد فرضية إنقاذ المسلمات من أساسها.

يعترف هذا النقد بوجود ضغط عائلي حقيقي تعيشه بعض المهاجرات فعلًا. لكنه يرفض تحويل هذا التعقيد الفردي إلى ذريعة لسياسة عامة تُقصي المهاجرات وبناتهن جميعًا، باسم إنقاذهن انطلاقًا من افتراض واحد لا يستشير صاحبات التجربة، تمامًا كما لا تستشيرهن السلطة الفقهية. فما يجمع الوصايتين، العلمانية والفقهية، تشابهٌ بنيوي يفوق تعارضهما الظاهري: كلتاهما تحتاج إلى امرأة صامتة كي تتكلم نيابة عنها.

يظل جسد المرأة المهاجرة المسلمة موقعًا تتقاطع عنده سلطات متعددة: دولة علمانية تُثبت حيادها بإقصاء ما تراه غير حيادي، ويمين متطرف يحتاج إلى عدو ثقافي مرئي، ونسوية سائدة تحتاج إلى موضوع تحرّره لتثبت تفوّقها الحضاري، وسلطة دينية تحتاج بدورها إلى إسكات أصواتنا.

تتشارك هذه السلطات عمودًا فقريًا واحدًا يجرّد المرأة المهاجرة وابنتها من سلطة القول عن جسدها وعن شروط اندماجها، ويُخضع قرارها دائمًا لموقف يأتيها من خارج تجربتها. وهي بنية يستعصي تفكيكها بتعديل قانوني أو بحظر جديد أو برفع حظر قائم، أو باستفتاء يُطرح عليها كأنها ليست طرفًا فيه؛ فالمسألة بنيوية، وتستدعي وعيًا وفعلًا جماعيين يعيدان إلى صاحبات التجربة حقّ تعريف أنفسهن.

فكما تقول زينب "لا أريد أن أُختزل إلى رمز، أريد فقط أن يُترك لي قرار وشاحي، كما يُترك لغيري قرار قصّ شعره".

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.