تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2026
الطبيبة أمنية سويدان والمحامية نسمة الخطيب

أمنية سويدان.. انتهاك حرمة الممنوع

منشور الأربعاء 24 حزيران/يونيو 2026

تمنح الصدف، أو الظروف، بعض الأشخاص فرصة تلقي تعليم جيد، سواء بسبب قدراتهم الذهنية وميولهم، أو لتمتع عائلاتهم بأوضاع مالية جيدة. يدفعهم الحظ الحسن لدراسة تخصصات تضمن عادةً للعاملين فيها حياةً مستقرةً، وعائدًا ماليًا كبيرًا، ومكانةً اجتماعيةً. من بينها في مصر الطب، وخصوصًا طب الأسنان، والصيدلة.

بعض هؤلاء يسكنهم قلق ما، فيتركون مجالاتهم المهنية المتميزة، لتجربة حظهم في مجالات فنية. بحكم عملي في تدريس السينما التقيت بهؤلاء، ودرّست لعدد منهم. اعتدت مداعبتهم بأنهم "فقريين" ومتهورين، فبعد أن عبروا مما يسميه أهالينا بـ"كليات القمة"، يتركون مهنهم من أجل السينما، يذهبون لمجال فني، النجاح والتحقق المالي فيه للأقلية، وعادةً ليس للأفضل، وبالذات إن كان لجوؤهم للسينما التسجيلية.

بعيدًا عن الدعابات والسخرية، ينتمي غالبية هؤلاء لنوعين من البشر: الأول من درسوا ما لا يحبونه، وكان بداخلهم هاجس فني يبحث عن مخرج أو منفذ، فيقرروا اختباره، فربما يتحقق. أما الآخرون، النوع الثاني، فهم أشخاص قلقون، أعينهم مفتوحة، يراقبون تفاصيل أزمنة الانحطاط الأخلاقي والسياسي، والانهيارات الاقتصادية والاجتماعية المحيطة بهم وبالجميع، لا يمكنهم التكيف والتعايش معها، يطمحون في الحكي عن الخراب وتعريته، فيسعون وراء نوع من السينما ربما يمكنهم من هذا الطموح.

لا أعرف شخصيًا الطبيبة أمنية سويدان، صاحبة الشهادة عن مستشفى الشاطبي الجامعي. لكن، من متابعتي لحسابها على فيسبوك خلال الأعوام الماضية، ومما نُشر عنها بعد شهادتها والضجة التي أثارتها، ومن الانتباه لهذه الشهادة نفسها وكيف كُتِبت، يبدو لي أنها من هؤلاء الذين يسكنهم هاجس فني يريدون اختباره، ولا يستطيعون التعايش مع الخراب. فحتى أسلوبها في كتابة شهادتها يعتني بالتفاصيل، يجعلنا نرى ما تحكيه. فيقودها حظها العسر في زمننا هذا لتكون ضحية مزدوجة. من ناحية الاعتقال والتحقيق والتحويل للمحاكمة، ومن ناحية أخرى التعرض لحملة تشهير بأنها مضطربة نفسيًا، حاولت لفت الاهتمام إلى صفحتها بنشر الأكاذيب.

منطقة الممنوع

الطبيبة والمخرجه أمنية سويدان

قبل شهادة أمنية سويدان، انشغل مستخدمو السوشيال ميديا بقضية أخرى، بطلتها المحامية نسمة الخطيب. فلمجرد أنها كتبت رأيها في ضرورة توفير الرعاية الصحية والاجتماعية للعاملات في الجنس، تعرضت لحملة هجوم عليها، وتحريف لكلامها، ثم التحقيق معها في نقابة المحامين وإيقافها عن ممارسة المهنة حتى نهاية التحقيق.

أخذت قضية نسمة الخطيب اتجاهًا عكسيًا لمسار قضية أمنية سويدان. حاكَم المجتمع المرأة/المحامية، لتأتي هيئة كان عليها الدفاع عن حقها في التعبير عن رأيها، نقابة القانون بامتياز، لتعاقبها بناءً على محاكمة المجتمع لها. بينما في حالة المرأة/الطبيبة تبنَّى قطاع من المجتمع الافتراضي ما جاء في شهادتها، التي حفزت آخرين وأخريات على حكي المزيد، لتعاقبها الدولة بالتوقيف والتحقيق والتحويل للمحاكمة، والأهم التشهير والتشويه، مستغلة أن الطبيبة تحدثت في ملف يتجنب الحديث عنه الجميع حتى الضحايا. فتظهر الدولة في هذه الحالة لاعبة لدور "الراعي الحكيم والمحافظ" لمواطناتها الأمهات.

تستحق شهادة أمنية سويدان النقاش الجدي والنقدي متعدد المستويات، وليس العقاب. من ضمن هذه المستويات النقاش حول دور النظام السياسي المصري، منذ زمن الانفتاح الساداتي، في تدمير القطاع الصحي التابع للدولة، الذي بناه المصريون والمصريات بعرقهم وأموالهم وتضحياتهم، كحق لهم. فيدمر عبر عقود من ضمن عمليات تدمير قطاعات أخرى، من ضمنها التعليم العام، والقطاع العام الإنتاجي، لفتح المجال أمام القطاع الخاص الاستثماري المصري والأجنبي.

 النظام السياسي بتوجهاته الطبقية المعادية للفقراء لا تعنيه صحة المصريات الإنجابية

لنصل عبر عقود من التدهور إلى واقع مفاده أن الأغنياء فقط هم من يتلقون العلاج والرعاية الصحية "المقبولة نسبيًا"، خارج القطاع الحكومي الذي دُمِّر تدريجيًا. مثلما يتلقى أبناؤهم التعليم الأفضل في المدارس الأجنبية والدولية، بعد أن دُمِّر التعليم الحكومي تمامًا. هذا الواقع الآني أنتجه النظام السياسي بتوجهاته الاقتصادية والاجتماعية الطبقية المعادية للفقراء، وجوهرها أن صحة المصريين، أو صحة المصريات الإنجابية في حالة مستشفى الشاطبي، لا تعنيه.

إنه أحد الجوانب الغائبة عن شهادة أمنية سويدان وتستحق القول والنقاش، وتوجيه أصابع الاتهام للنظام السياسي، بدلًا من الأفراد المحكي عنهم دون أسماء في شهادتها. فهذا النظام السياسي المسؤول الأول عن الوضع الذي وصلنا إليه، وعن تخريب بيئة العمل في المجالين الصحي والتعليمي وغيرهما، للدرجة التي تدفع الأفراد لهذه الممارسات، ولاستغلال وقمع بعضهم البعض، والسعي للنجاة الفردية، وممارسة العنف إن أتيحت أمامهم الفرصة.

بعض أعضاء الفرق الطبية المذكورين في شهادة أمنية سويدان ربما يكونوا ضحايا بدورهم للمنظومة بأكملها، وليس فقط النساء اللاتي ذهبن للإنجاب أو للإجهاض في المستشفى. وهو ما يجب أن نناقشه، كي لا تُفهم الشهادة وكأنها حكي عن رجال ونساء أشرار. ومع الانتباه إلى أننا نتحدث عن منظومة ذكورية، صحيح أنها تقهر الجميع، لكن النساء، الأمهات في هذه الحالة، هن الحلقة الأضعف في سلسلة القمع السياسي والمجتمعي.

الذكوريةُ والعنفُ الطافحان من بعض الممارسات التي تحكيها الطبيبة ليسا سلوكًا فرديًا، بل نتاج منظومة فكرية وسياسية، تُترجم للتمييز والعنف، يمارسهما النساء والرجال على أجساد الأمهات، ونتاج الطبقية التي تحتقر الفقراء، والتقليدية والذكورية والرجعية التي تقهر النساء.

وصمة المرض النفسي

تصميم: يوسف أيمن

رد الفعل الطبيعي، المفترض في زمن ومجتمع طبيعيين، كان استدعاء الجهات المعنية، وزارة الصحة أو جامعة الإسكندرية على سبيل المثال التي يتبعها مستشفى الشاطبي، للطبيبة، وتشكيل فريق يبحث معها في تفاصيل شهادتها، ويفتح تحقيقًا حولها إن تأكد من دقتها، ومن حدوث مخالفات أو جرائم انتهاك أو عنف، وساعتها تحيل الجناة للتحقيق الرسمي بأشكاله المختلفة، لينالوا عقابهم. ثم تبحث الجهات المعنية، بمشاركة المجتمع، عن آليات تضمن عدم تكرار ما ثبت أنه حدث.

القبض الفوري على أمنية سويدان، والتحقيق معها، وتحويلها للمحاكمة، وحملة التشهير المنظمة ضدها، التي انطلقت في اللحظة نفسها بمشاركة مواقع وصحف بأوامر لا نعرف، أو نعرف من أصدرها، وتصويرها ككاذبة ومريضة نفسيًا؛ أفعالٌ كافيةٌ لإثبات أننا لا نعيش في زمن ومكان طبيعيين، مع غيابِ أي كلام رسمي يُنسب للنيابة. مجرد تشهير بامرأة، وتدمير لها، لأنها "تتعاطى" أدوية علاج نفسي، وتوقفت عن ممارسة مهنة الطب. ولم يسألها أحد عن أسباب تركها المهنة، وإن كانت بعض أسبابها واضحةً من شهادتها.

بناءً على أرقام وزارة الصحة المصرية قبل أعوام، يعاني ربع المصريين من الاضطراب النفسي. لننسى الأرقام التي ربما تكون متواضعة، فالكثيرون من مواطني ومواطنات بلادنا يحدثون أنفسهم في الشوارع، ظهورهم محنية، وأعينهم تنظر للأرض المتسخة، والكثيرون منهم يعانون من اكتئاب لم ترصده الأرقام والإحصائيات، لأسباب كثيرة تتصدرها ظروفهم المعيشية. فكيف يتحول المرض النفسي لوسيلة للمعايرة، للتشهير، للإدانة، بدلًا من المحاوطة والرعاية؟! إنه تعبير عن درجة عالية من التوحش، ودليل جديد على أن زمننا ومكاننا لم يعودا طبيعيين.

تختلف هذه المرة عملية التدمير الكامل والنهائي لشخص لأنه حكى ما عاشه في مستشفى، عن عمليات أخرى للتنكيل بمن حكوا ما عاشوه في السجون. فأغلب المصريين لم يسجنوا، وصعب على كثير منهم أن يصدقوا ما يُحكى لأنهم لم يروه، ولم يتابعوا شهادات شخصية عنه. على العكس من مجال صحة المصريين والمصريات، فمن منا لا يعلم جانبًا من المشهد العام؟ لا أحد.

كلنا نعرف عن هذا الخراب الكبير، وكلنا نملك تفاصيل وحكايات مأساوية لنحكيها. وعلى الرغم من ذلك لا يُسمح لشخص واحد، لطبيبة شابة، أن تبني حياتها بعد شهادة فيسبوكية، وأن تعيد بناء ذاكرتها، ويكون المطلوب تدميرها بالكامل لمجرد أنها حكت. وكأن الدولة بأكملها تخاطبها كفرد وحيد ومعزول "اذهبي للسينما إن استطعت، إن قبلوا بك، وهو مشكوك فيه. اصنعي أفلامًا إن سنحت لك الفرصة. لكن في عالم الفانتازيا المطلقة، لا تتحدثي عما تعرفيه أو ما شاهدتيه، وإلا سنلاحقك دومًا، ولن تنالي رحمةً أو عفوًا. وفي كل الأحوال لن تعودي أبدًا لممارسة الطب".

إن لم تكن نسمة الخطيب وأمنية سويدان امرأتين، وكان من طرح رأيه بشأن الرعاية الصحية والاجتماعية للعاملات في الجنس محامٍ، والذي طرح شهادة عما يدور في مستشفى الشاطبي طبيب، هل كان رد الفعل المجتمعي والسلطوي في الحالتين سيختلف؟ لا داعي لإجابة هذا السؤال. أكتفي بالتذكير بتزامن الواقعتين مع تطوع نقيب المحامين بسوهاج بوقف المحامية لؤة خلف بكري عثمان عن العمل، "احتياطيًا"، لحين التحقيق معها بخصوص الملابس التي تظهر بها على السوشيال ميديا.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.