IMDB
لقطة من مسلسل القصة الكاملة

اعتراف وDNA وبراءة.. لماذا سقطت رواية الشرطة في "جريمة بني مزار"؟

منشور الخميس 1 تشرين الأول/أكتوبر 2026

في فجر 29 ديسمبر/كانون الأول 2005، استيقظ سكان عزبة شمس الدين، التابعة لمركز بني مزار بالمنيا، على مقتلةٍ مجهولةِ الفاعل أسفرت عن 10 ضحايا بين رجال ونساء وأطفال موزعين على ثلاثة بيوت. وخلال أيامٍ قليلةٍ قدمت الشرطة مشتبهًا به وحيدًا للنيابة التي أحالته بدورها إلى المحاكمة الجنائية، لكن محامي المتهم لم يجد صعوبة كبيرة في انتزاع حكم البراءة، بعد أن أقنع القضاة بعدم معقولية حدوث المذبحة على النحو الذي ذكرته تحريات الشرطة ومعاينات مسارح الجريمة.

مضى 21 عامًا على الحادث المفجع الغامض، لكنه عاد مؤخرًا إلى دائرة الاهتمام عبر الدراما في حكاية "ما لم يُحكَ عن بني مزار"، وهي الحكاية الثانية من مسلسل القصة الكاملة الذي يبث عبر منصة "شاهد"، ومن ثمَّ تداول الجمهور حلقةً نشرت قبل سبعة أشهر من برنامج "المصيدة"، الذي يقدمه اللواء أمجد شافعي على قناته بيوتيوب، خصصها للحديث عن جريمة بني مزار بصفته أحد المشاركين في عملية البحث، هذا إلى جانب ظهور روايات وتفسيرات قديمة، بعضها استند إلى ما ورد في محاضر التحقيقات وبعضها اجتهادات فردية.

من هنا تأتي أهمية العودة إلى أوراق التحقيقات وأسباب حكم البراءة، وما نشر حولها في الصحف وقتها، ومقارنتها بما انتشر مؤخرًا، بالأخص شهادة اللواء أمجد التي تتبنى رواية الشرطة، وتتمسك بأن المتهم محمد علي عبد اللطيف هو من ارتكب الجريمة، ويوجّه جانبًا كبيرًا من الانتقاد إلى الإعلام والدفاع، معتبرًا أن المحامي تلاعب بالمحكمة، وأن التغطية الإعلامية أثرت على مسار القضية.

يدافع شافعي عن تحقيقات الداخلية، مؤكدًا أن المتهم اعترف ومثّل الجريمة وأرشد عن الأعضاء المبتورة، وطرح تفسيرًا نفسيًا لدوافعه، وهو ما يعكس طريقة تعامل أكثرية من ضباط الداخلية مع التحريات بوصفها حقائق راسخة، وتمسكهم بروايتهم الأولى حتى بعد انهيارها قضائيًا، وتحميل الإعلام والمحامين جانبًا من مسؤولية النتيجة.

صدمة جماعية

كانت عزبة شمس الدين وقت وقوع المذبحة تجمعًا ريفيًا يضم نحو ثمانية آلاف نسمة، ضمن 15 عزبة تتبع منطقة أبو جرج، وتتركز بيوتها التي لا يعلو أغلبها على طابقين حول شارعين رئيسيين؛ أحدهما شارع الجسر الذي وقعت فيه الجريمة، بينما تتناثر منازل أخرى وسط الأراضي الزراعية المحيطة.

وبالتأكيد تركت مذبحة بهذه البشاعة أثرها المباشر على حياة سكان القرية؛ فبعد أيام من الجريمة، هجر بعض الأهالي المنازل المنعزلة وسط الزراعات وانتقلوا للإقامة عند أقاربهم في قلب العزبة، بينما باتت أسرٌ تضم عشرات الأشخاص مجتمعةً في غرفة واحدة. وكان بعض الآباء يسهرون حاملين عصيًا خشبية ويصدرون أصواتًا بين الحين والآخر ليطمئن الأطفال إلى وجودهم، في قرية قال سكانها إن شعورهم بالأمان تبدد منذ صباح العثور على الضحايا.

وهو صباح لم يشبه ما قبله أو ما بعده، ففيه استيقظ الأهالي على جيرانهم قتلى بإصابات في الرؤوس والأجساد، وآثار تمثيل بجثث البعض، إلى جانب شق البطون واستئصال أعضاء تناسلية بعد الوفاة، كما عثروا على حَمَام منزوع الرأس، وهي تفصيلة فتحت لاحقًا الباب أمام روايات عن السحر والقرابين والاتجار بالأعضاء.

وخلافًا لضخامة الحادث، الذي أصبح حديث مصر وقتها؛ بإعلامها وتليفزيونها وصحفها التي أفردت له صفحات كاملة، فإنه أريد للقضية فيما يبدو، أن تحسم سريعًا وأن يتم التوصل إلى متهم ما، وهو ما حدث بالفعل فوجد المتابعون أنفسهم أمام متهم مختل نفسيًّا واعتراف تفصيلي، ومعاينة لمسرح الجريمة، وإرشاد إلى أجزاء مبتورة، ثم مضبوطات قالت الشرطة لاحقًا إنها حملت آثار دماء لضحايا البيوت الثلاثة. 

يقدم اللواء أمجد شافعي الرواية التي تبنتها الداخلية وقتها، من أن المتهم قصد في البداية لقتل سكان بيت واحد، ثم شعر بعد انتهائه برغبة في مواصلة القتل، فقطع رأس حمامة وانتقل إلى المنزل التالي ثم الثالث، قبل أن يتوقف حين سمع مكبرات صوت المساجد تستعد لأذان الفجر وخشي أن يبدأ الأهالي في الاستيقاظ والخروج إلى الصلاة.

حسب الضابط، أخبر محمد المحققين بأنه كان يعرف طريقة نوم أفراد الأسر داخل البيوت، وضرب الضحايا على رؤوسهم بالساطور وهم نائمون، ثم استخدم السكين في إحداث إصابات أخرى وشق البطون واستئصال الأعضاء التناسلية.

يستند الضابط إلى هذه التفاصيل في الدفاع عن اعتراف المتهم بارتكاب الجريمة، معتبرًا أنها تقدم وصفًا متماسكًا لطريقة مباغتة الضحايا والتحرك من بيت إلى آخر، وهو ما لم تقتنع به المحكمة لاحقًا ونظرت إلى الاعتراف من زاوية مختلفة ترتبط بظروف الحصول عليه ومعقولية حدوث ما ورد فيه. 

رجل عُرف من مشيته

لكن الأدلة التي استندت لها الشرطة سرعان ما تهاوت بالسرعة نفسها التي جُمعت بها، وعندما وصلت التحريات إلى المحكمة أُحيطت بأسئلة وخروقات كبيرة حول ظروف الاعتراف، وجدية التحريات، وسلامة التفتيش والتحريز، والوقت اللازم لتنفيذ الجريمة، لتنتهي محكمة جنايات المنيا في سبتمبر/أيلول 2006 إلى براءة محمد، قبل أن تؤيد محكمة النقض الحكم نهائيًا في ديسمبر/كانون الأول 2008.

واحد من أبرز خروقات القضية كان اعتماد أحد خيوط الاشتباه على شاهدٍ قال إنه استيقظ نحو الثانية صباحًا على نباح الكلاب، ففتح نافذة منزله ورأى المتهم يسير بسرعة بالقرب من منزل يحيى أبو بكر، أحد الضحايا. وحين سألته النيابة كيف تأكد من هويته، أجاب بأنه عرفه من "مشيته"، دون أن يجزم بأنه رآه يحمل سلاحًا أو يتسلق المنزل، لتظل شهادته مرتبطة بوجود محمد في الشارع قرب أحد مسارح الجريمة، قبل أن تأتي التحريات والاعتراف لتضعه داخل المنازل الثلاثة.

لم تقف الثغرات عند ذلك، وإنما امتدت للمحضر المحرر فجر 3 يناير/كانون الثاني 2006، حيث ظهر اسم محمد بعد فحص أشخاص قيل إنهم يعانون اضطرابات نفسية داخل العزبة؛ وتحدث المحضر عن تجوله ليلًا ودخوله منازل في وقائع سابقة، ثم خلص إلى أنه مرتكب المذبحة. 

طالت الخروقات أيضًا أقوال المتهم أمام النيابة، حيث برر جريمته بأن "هاتفًا" همس في عقله داعيًا إلى القتل، وأنه أخذ ساطورًا وسكينًا من منزله، وتسلق منزل يحيى أبو بكر أولًا، ثم انتقل إلى منزل سيد محمود، ومنه إلى منزل طه ووالدته، قبل أن ينسب إلى نفسه قتل أفراد الأسر الثلاث والتمثيل بجثثهم والتخلص من أداتي الجريمة في ترعة الإبراهيمية.

وكل هذه النقاط كانت موضع شك، فلم يُعثر على الساطور والسكين، وفق مقتطفات من أقوال النيابة نشرتها المصري اليوم، كما أن الشاهد الذي عرف محمد من مشيته لم يره يدخل أيًا من البيوت. وأضافت أوراق القضية عنصرًا آخر من الشك عندما نفى أحد سكان المنازل التي قال محمد إنه عبر منها إمكان حدوث ذلك بالطريقة التي وصفها، لتصبح بعض تفاصيل الاعتراف قابلة للاختبار على مسرح الجريمة نفسه. 

الإرشاد إلى الأعضاء

ازدادت قوة الاعتراف في رواية الشرطة عندما انتقل محمد مع النيابة إلى مسارح الجريمة وأرشد، وفق الضابط السابق، إلى الأماكن التي أخفى فيها الأعضاء المستأصلة؛ بعضها دُفن في التراب قرب دورات المياه، فيما وضعت أجزاء أخرى أسفل أكوام من الحطب والسماد في منزل كانت أرضيته مسلحة. 

وكما يقول الضابط، فإن محمد حفر بنفسه وأخرج الأجزاء التي أرشد عنها، وإن عملية الإرشاد جرى تصويرها، وهي تفصيلة يتمسك بها المشاركون في البحث باعتبارها معرفة يصعب أن تتوافر لشخص بعيد عن مسرح الجريمة. 

لكن أسرة محمد قدمت أمام المحكمة رواية مختلفة تمامًا لهذه المعاينة؛ إذ قالت والدته، وفق أسباب الحكم المنشورة، إن رجال الشرطة دربوا ابنها على أماكن الإشارة إلى الأعضاء.

وبينما نُقل عن محمد خلال التحقيقات الأولية نفيه التعرض لأي إكراه، فإن روايته تغيرت أمام المحكمة، ومعها ظهرت شهادات من والده ووالدته وشقيقته عن ضغوط وتهديدات تعرضت لها الأسرة بعد الجريمة. وقال والده، وفق أسباب الحكم المنشورة، إن الأسرة احتُجزت وتعرض أفراد منها للضرب والتهديد، فيما قالت شقيقته ميرفت إن رجال المباحث طلبوا منها أن تقر بأنها شاهدت محمد بعد عودته فجرًا، وأن ملابسه كانت ملطخة بالدماء، وأنها أخذتها منه وغسلتها، لكنها رفضت الإدلاء بهذه الرواية.

كما تبرز في الأقوال المنشورة فجوة زمنية إضافية تثبت فعل الإكراه؛ إذ أُرّخ محضر التحريات الذي حدد محمد مشتبهًا به بفجر 3 يناير/كانون الثاني 2006، بينما تحدث والده عن احتجاز ابنه وأفراد الأسرة منذ يوم اكتشاف الجريمة في 29 ديسمبر/كانون الأول. 

على هذه الأسس اطمأنت محكمة الجنايات إلى أقوال الأسرة عن وقوع إكراه معنوي وأدبي على محمد، ورأت أن أثره امتد إلى اعترافاته أمام الشرطة والنيابة وإلى المعاينات التي أجريت بعد ذلك، فاستبعدت الاعتماد عليها في الإدانة. 

ومع خروج اعتراف المتهم بالقتل من حسابات المحكمة، انتقل مركز الثقل إلى المضبوطات المادية التي قالت الشرطة إنها ربطت محمد بمسارح الجريمة، وعلى رأسها الجلباب والحذاء.

ماذا قالت الجثث؟

أرجعت التقارير الأولية المنشورة وفاة الضحايا إلى إصابات عنيفة في الرأس وما صاحبها من كسور في الرأس وتهتك، فيما ذكر تقرير لاحق أن شق جدران البطون واستئصال الأعضاء التناسلية حدث بعد الوفاة. ولم تُظهر الفحوص، وفق ما نُشر وقتها، وجود مواد مخدرة أو مهدئات في العينات المأخوذة من الضحايا، كما لم يجد أحد الأطباء الشرعيين إصابات تدل على مقاومة سابقة للاعتداء، وهي نتائج وضعت سؤالًا أمام المحققين عن الطريقة التي جرى بها قتل عدة أشخاص داخل ثلاثة منازل دون صراخ أو مقاومة توقظ بقية الموجودين.

ونقلت "المصري اليوم" عن نائب كبير الأطباء الشرعيين قوله إن تنفيذ الأفعال المنسوبة إلى شخص واحد يحتاج نحو ست ساعات، وإن ساعتين لا تكفيان لإنجازها حتى بالنسبة إلى شخص متمرس، ليكون الزمن أحد العناصر التي أثارت شك المحكمة؛ إذ كان على شخص واحد، وفق تصور الاتهام، أن ينتقل بين ثلاثة منازل، ويقتل عشرة أشخاص، ويحدث إصابات إضافية في عدد من الجثث، ويستأصل أعضاءً ويخفيها، فيما ظل أشخاص آخرون داخل البيوت نفسها دون أن يشعروا بما يجري. 

رأت المحكمة أن هذه الفجوة الزمنية، إلى جانب عدم استيقاظ بقية الموجودين في المنازل، تضعف التصور الذي قدمته النيابة، أما اللواء أمجد شافعي فيكرر أن الضربات الأولى على رؤوس الضحايا يمكن أن تحدث بسرعة، وأن الجزء الأكبر من الوقت يتعلق بما جرى بعد الوفاة، لتصبح المدة نفسها موضع قراءة مختلفة بين فريق البحث والمحكمة.

حضرت أيضًا الحالة النفسية لمحمد منذ بداية التحقيقات، خصوصًا مع حديثه عن "هاتف" دفعه إلى القتل وغياب دافع واضح بينه وبين الضحايا، وهو نفس ما أشار له اللواء أمجد الذي استخدم بعض تفاصيل الاعتراف لإدانته نفسيًّا، وتوقف عند سماع المتهم لأذان الفجر وخشيته من استيقاظ الأهالي بما يكشف عن إدراكه للوقت وما يمكن أن يترتب على افتضاح أمره.

لكن هذا التفسير واجه اعتراضًا من طبيبة كانت تعالجه، قالت إن المريض في حالة الهياج قد يؤذي نفسه أو الآخرين، وإن عنفه يكون غالبًا عشوائيًا ويمكن اكتشافه، بينما بدت الأفعال المنسوبة إلى محمد في رواية الاتهام منظمة ومتكررة من منزل إلى آخر.

ووفق أسباب الحكم المنشورة، لم يجد التقييم الطبي والنفسي حالة عقلية أو اضطرابًا يفسر ارتكاب الجريمة بالشكل الذي ورد في اعتراف محمد.

الجلباب والحذاء

حسب رواية اللواء أمجد شافعي، فإن محمد أخبر المحققين بأنه عاد إلى منزله بعد الجريمة ورأته شقيقته، ثم غسلت الأسرة ملابسه، قبل أن تصدر النيابة إذنًا بتفتيش المنزل وضبط ما يمكن أن تكون له صلة بالواقعة. ويقول الضابط إن الشرطة عثرت على جلباب وملابس داخلية وحذاء كان محمد يرتديه، وأرسلت المضبوطات إلى المعمل الجنائي، لتأتي النتيجة التي يصفها بأنها أهم ما توصل إليه فريق البحث.

وفق شهادته، تمكن المعمل رغم غسل الملابس من استخراج آثار دماء، وأثبت تحليل الـDNA أن بعضها يعود إلى ضحايا من بيتين، بينما حمل الحذاء آثار دماء لضحايا من البيت الثالث. ويخلص الضابط من ذلك إلى أن محمد دخل البيوت الثلاثة "بالدليل العلمي"، وهي النتيجة التي يضع عليها ثقل روايته حتى بعد مرور سنوات على صدور البراءة.

لكن التغطية الصحفية وقت القضية تفيد بوجود نتائج مختلفة عن الفحص نفسه؛ ففي يونيو/حزيران 2006 نشرت "المصري اليوم" مضمون تقرير الطب الشرعي، وقالت إنه لم يجد دماءً آدمية على جلباب محمد، لكنه عثر على الحذاء على دم يطابق البصمة الوراثية للطفلة فاطمة، إحدى الضحايا. وبعد أشهر، نقلت الصحيفة ضمن أسباب حكم البراءة أن فحص الجلباب لم يظهر تلوثات دموية، وأن فحص فردتي الحذاء لم يظهر دماءً آدمية أيضًا.

يربط الضابط السابق سقوط هذا الدليل بموقف المحكمة من التحريات التي بُني عليها إذن التفتيش؛ إذ يقول إن المحكمة عندما لم تطمئن إلى جديتها، امتد أثر ذلك إلى الإذن وما أسفر عنه من ضبط الملابس والحذاء، ثم إلى نتائج الفحص التي ترتبت على هذه المضبوطات. وتؤكد حيثيات النقض المنشورة أن محكمة الجنايات لم تطمئن بالفعل إلى جدية التحريات، وأن تقدير هذه المسألة يدخل ضمن سلطتها في وزن الأدلة.

ويشرح الضابط النتيجة بطريقته قائلًا إن سقوط التحريات أدى إلى سقوط إذن التفتيش وما ترتب عليه من مضبوطات، بما فيها نتيجة فحص الجلباب والحذاء. ومع ذلك يبقى الجانب الفني قائمًا بوصفه واقعة يمكن التحقق منها بعيدًا عن القيمة القانونية للدليل أمام المحكمة؛ إذ يستطيع تقرير المعمل الأصلي أن يحدد ما إذا كانت الدماء ظهرت على المضبوطات فعلًا، ومن تعود إليه، وما إذا كانت هناك أكثر من عينة أو أكثر من مرحلة للفحص.

كواليس أولى جلسات المحكمة

في 16 يوليو/تموز 2006، بدأت أولى جلسات محاكمة محمد علي عبد اللطيف وسط إجراءات أمنية مشددة وحضور قرابة 500 شخص، مع فصل أسرة المتهم عن عائلات الضحايا خشية وقوع اشتباكات. وحضر الجلسة محمد سعد الكتاتني، رئيس الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين وقتها، وقال لـ"المصري اليوم" إنه يتابع القضية بصفته البرلمانية، وإن عددًا من النواب لم يقتنعوا ببيان وزارة الداخلية عن الحادث وينتظرون ما ستكشفه المحاكمة. 

وتأخر وصول محمد إلى القاعة، فرفع رئيس المحكمة الجلسة لدقائق قبل إدخاله عبر سلم خاص بعيدًا عن الزحام، ليظهر داخل القفص مبتسمًا أمام كاميرات الصحف والتليفزيون، ثم يقول أمام هيئة المحكمة إن الشرطة أجبرته على تحمل القضية وعذبته وأفرادًا من أسرته حتى اعترف، فيما قال إن النيابة طلبت منه بعد ذلك تمثيل الجريمة.

خارج القاعة، تحول الخلاف حول القضية إلى مواجهة مباشرة بين أنصار طلعت السادات، محامي محمد، وأهالي الضحايا؛ إذ خرج أنصار السادات مرددين أنه سيحصل على حكم بالبراءة وأن محاميه جمع أدلتها، وهتفوا "السادات يا بلاش واحد غيره ما ينفعناش"، فرد أهالي الضحايا بغضب واتهموه بالدفاع عن شخص يرونه مسؤولًا عن قتل ذويهم، قبل أن يتدخل الأمن ويفصل بين الطرفين ويصطحب السادات وأنصاره إلى الخارج.

في شهادته المصورة، يوجه اللواء السابق انتقادات حادة إلى طلعت السادات الذي تولى الدفاع عن محمد، متهمًا إياه بالسعي إلى الشهرة واستغلال خصومته مع مؤسسات الدولة لتغيير اتجاه القضية والتأثير في قناعة المحكمة. ويقدم الضابط هذه القراءة باعتبارها تفسيرًا لتحول قضية يرى أنها كانت مدعومة باعتراف وإرشاد ودليل علمي إلى حكم بالبراءة.

اللافت في أرشيف الصحف وقت مذبحة بني مزار أن الهجوم لم يتوقف عند أداء ضباط المباحث في القضية، بل امتد مباشرة إلى وزارة الداخلية والحكومة وطريقة إدارة التحقيق من أساسها. وخرجت عناوين صحف مستقلة ومعارضة بلهجة شديدة الحدة؛ "حاكموا وزير الداخلية وحكومة تلفيق القضايا بعد فضيحة بني مزار"، وطرحت أخرى سؤالًا مباشرًا "هل يحاكم حبيب العادلي أعوان فضيحة بني مزار؟"، فيما تحدثت تغطيات عن "فضيحة ثانية بوزارة الداخلية" وعن إعادة شقيقات المتهم إلى أزواجهن بعد احتجازهن. 

وفي مقابل الرواية الرسمية التي تمسكت باتهام محمد علي، فتحت الصحف صفحاتها لخبراء طب شرعي ومحامين وشهادات تشكك في الأدلة والاعترافات، ونشرت النص الكامل لتقرير الطب الشرعي، بل تحولت بعض الصفحات إلى ما يشبه لائحة اتهام علنية لجهاز الشرطة. 

وفي سبتمبر/أيلول 2006، قضت محكمة جنايات المنيا ببراءة محمد علي عبد اللطيف، بعد أن اطمأنت، وفق أسباب الحكم المنشورة، إلى أقوال الأسرة عن وقوع إكراه معنوي عليه، ورأت أن أثره امتد إلى اعترافاته أمام الشرطة والنيابة ومعاينته التصويرية. كما لم تطمئن إلى جدية التحريات وإجراءات التفتيش وضبط الجلباب والحذاء، وناقشت نتائج الفحوص والتقارير الطبية والنفسية، ورأت صعوبة تنفيذ شخص واحد الأفعال المنسوبة إلى محمد خلال المدة المحددة دون استيقاظ بقية الموجودين في المنازل.

طعنت النيابة العامة على الحكم، قبل أن تؤيد محكمة النقض البراءة في ديسمبر/كانون الأول 2008. ووفق الحيثيات المنشورة لاحقًا، رأت النقض أن لمحكمة الموضوع سلطة تقدير الاعتراف والتحريات والأدلة، وأن أسباب الشك التي استند إليها الحكم تجد ما يسندها في أوراق القضية، ليصبح حكم البراءة نهائيًا فيما بقيت المذبحة دون شخص مدان بقتل الضحايا العشرة.