مشروع "إسرائيل الكبرى" ليس قدرًا محتومًا
وسط حروب المنطقة المشتعلة منذ السابع من أكتوبر؛ تسري نغمة انهزامية مُستسلمة لقدرة إسرائيل على ترسيخ هيمنتها الإقليمية؛ إذ يتعامل البعض مع تصريحات مجرم الحرب بنيامين نتنياهو الخاصة بهزيمة المحور الشيعي بقيادة إيران، ثم التفرغ لمواجهة المحور السني الذي يضم مصر والسعودية وتركيا، بوصفها مصيرًا محتومًا لا فكاك منه.
هذه النغمة، تستسلم لمحاولات نتنياهو إحياءَ شعارِ الآباء المؤسسين للحركة الصهيونية "أرضك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل"، وهو يصرّح قائلًا إنه يعتبر "تحقيق حلم إسرائيل الكبرى مهمة تاريخية وروحية"، في تناغم مع الخرائط التي تنشرها الصحف اليمينية، وتتمدد فيها إسرائيل مُحتلَّةً كلّ فلسطين والدول المجاورة في لبنان والأردن وسوريا، وأجزاء من مصر والمملكة العربية السعودية.
خرائط الوهم
لكنَّ الحقيقة أن عودةَ اليمين الإسرائيلي المتطرف والمسيطر في إسرائيل منذ عقود، إلى ترديد هذه الشعارات والأوهام، تُعدُّ تعبيرًا واضحًا عن المأزق الحاد الذي يعيشه الكيان الصهيوني لأول مرة منذ نشأته عام 1948، مُتمثلًا في عزلة دولية خانقة، وتراجع غير مسبوق في الدعم الذي كان يحظى به في أوروبا والولايات المتحدة؛ الحليف الاستراتيجي الأهم.
فجرائم جيش الاحتلال في حرب غزة ستبقى محفورة في الذاكرة، حتى لو أراد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لي ذراع كل حلفائه الأوربيين والعرب لتجاوزها، والعودة للتعامل مع حكومة مجرمي الحرب الحالية في إسرائيل كحليف في نظام إقليمي جديد، وكأن شيئًا لم يكن.
لم يغادر نتنياهو إسرائيل تقريبًا منذ حرب غزة سوى لزيارة الولايات المتحدة نحو عشر مرات
كما يمثّل تدفق سفن كسر الحصار على قطاع غزة من أوروبا رغم المخاطر التي تواجهها، دليل واضح على أن شعلة دعم فلسطين لم تهدأ بعد ولم تتراجع، رغم انشغال العالم بالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
كما أن خسارة اليمين في المجر في الانتخابات الأخيرة وانتهاء حقبة رئيس الوزراء العنصري فيكتور أوربان رغم الدعم المباشر الذي حصل عليه من إدارة ترامب، وتعهد رئيس الوزراء الجديد باعتقال نتنياهو حال وصوله إلى بلاه، التزامًا بقرار المحكمة الجنائية الدولية؛ مؤشر آخر على أن العلاقة اللصيقة مع إسرائيل باتت نقطة ضعف للسياسيين في أوروبا.
ومنذ صدور قرار المحكمة الجنائية الدولية باعتقال نتنياهو ووزير دفاعه السابق، أصبح سفر رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى الولايات المتحدة مهمة شاقة تتطلب النظر في المجالات الجوية للدول التي ستعبر طائرته فوقها خشية اضطراره للهبوط في دولة قد تعتقله.
في الواقع، لم يغادر نتنياهو إسرائيل تقريبًا منذ حرب غزة سوى لزيارة الولايات المتحدة نحو عشر مرات، من أجل التخطيط للحروب مع ترامب الذي تعج إدارته بعتاة الصهاينة سواء لأسباب سياسية أو دينية، بجانب زيارة أخرى شهيرة للهند، وأخرى للمجر. أضحى لقاء نتنياهو عبئًا لا يرغب أي زعيم دولي في تحمّله، ومصافحته صورة لا يريد أحد التقاطها.
كما أصبح السياح الإسرائيليون يفكرون مرتين قبل التوجه لدول معروفة بدعمها لفلسطين في أوروبا. إلى جانب خشية الجنود والضباط من السفر لاحتمال ملاحقتهم من منظمات حقوق الإنسان مثل منظمة هند رجب، الطفلة التي قتلها جيش الاحتلال في غزة، وسمع العالم صوتها تستغيث.
أوضاع تتبدل
وساهمت الحرب ضد إيران في إثارة المزيد من التساؤلات داخل حركة MAGA عمَّا إذا كان ترامب خدعهم حين تعهد في حملته الانتخابية بعدم خوض أي حروب جديدة، متهمين إسرائيل بتوريط بلادهم في حرب لا تخدم المصالح الأمريكية.
اليوم، بات شعار "هذه ليست حربنا. إنها حرب إسرائيل" حاضرًا على السوشيال ميديا الأمريكية بعد أن تبناه بعض أكثر رموز اليمين شعبية، مثل تاكر كارلسون وجو روجان والنائبة الجمهورية السابقة مارجوري تايلور جرين، بل وستيف بانون الذي يوصف بأنه عراب حركة ماجا.
وبالتالي لا يمكن تصوّر أن تتمكن إسرائيل من التمادي في حروبها إلى ما لا نهاية لأنها ببساطة لن تجد من يدعمها في ذلك سواء في أوروبا أو الولايات المتحدة.
من المؤكد أن تعثّر الحرب الحالية، وتعثر آمال ترامب في انتصار سريع شبيه بما حققه في فنزويلا، سيعزز من هذا التوجه الانعزالي الرافض لخوض حروب جديدة حتى لو كانت دفاعًا عن الحليف الأقرب لأمريكا في منطقة الشرق الأوسط.
ومهما كانت درجة تفوق إسرائيل من الناحية العسكرية، والتعهد الأمريكي القاطع بأن تبقى قدراتها متقدمة عن كل دول الشرق الأوسط بما تزودها به من أسلحة يحظر على الدول العربية الحصول عليها، لم يكن من الممكن لتل أبيب بكل تأكيد شن حربها الحالية ضد إيران من دون مشاركة الولايات المتحدة.
المغامرة بخوض حرب ضد تركيا أو مصر لتأكيد الهيمنة على المنطقة ستكون أقرب للجنون
ومن المؤكد أن إسرائيل تمتلك قوات جوية متقدمة، تُمكّنها من قطع المسافة الطويلة حتى إيران لقصف أهدافًا متعددة، في وقت تعاني فيها إيران كما كل الدول التي قصفتها أمريكا وإسرائيل من غياب نظام دفاع جوي فعال.
ولكن مهما بلغت قوة هذا الأسطول الجوي الإسرائيلي، يبقى صغيرًا مقارنة بما تمتلكه الولايات المتحدة من حاملات للطائرات وقواعد منتشرة في دول الخليج، وستبقى الضربات التي يمكن توجيهها محدودة مقارنة بما يجري من عمل مشترك مع الجيش الأمريكي.
كما أن تغيّر طبيعة الحروب وظهور أسلحة جديدة رخيصة مثل المسيرات والصواريخ، كسرت الأسطورة التي رسختها إسرائيل منذ نشأتها، وهي أنها هي التي تبادر بالهجوم وتجعل المعركة في أرض عدوها، لتبقى المدن الإسرائيلية آمنة والإسرائيليون مستمتعين بحياتهم على الشواطئ. وإذا كانت إيران البعيدة تمكنت بمعاونة حلفائها أو أذرعها من إلحاق هذا الذعر والخسائر في إسرائيل، فإن المغامرة بخوض حرب ضد تركيا أو مصر لتأكيد الهيمنة على المنطقة ستكون أقرب للجنون.
أجراس الإنذار
وبجانب كل الأبعاد العسكرية والجغرافية والبشرية التي تجعل من تحقيق وهم "إسرائيل الكبرى" أمرًا مستبعدًا؛ يستحيل تصور أن تبقى دول إقليمية بحجم مصر وتركيا والسعودية ساكنة، بينما يُصرح نتنياهو علنًا أنه في طريقه لخوض مواجهة معها بعد الانتهاء من تصفية النظام الإيراني وحلفائه في المنطقة.
فهل يتصور عاقل مثلًا تصعيدًا عسكريًا إسرائيليًا مع تركيا عضوة حلف الناتو والمسيطرة عمليًا على سوريا الواقعة على الحدود مباشرة مع دولة الاحتلال؟ وهل يغامر نتنياهو رغم كل طموحه في دفن فضيحة هجمات السابع من أكتوبر بخرق اتفاقية السلام مع أكبر دولة عربية تربط معه بحدود مباشرة وتمتلك أكبر جيش في المنطقة العربية؟
نعم نبقى دائمًا حذرين ونتوقع الأسوأ من الكيان المحتل المجرم في استباحته لأرواح أهلنا في فلسطين ولبنان وسوريا، وفي ظل تجربة طويلة من الحروب التي خاضتها مصر ضد إسرائيل، ولكننا كدول وشعوب لسنا مجبرين على قبول هيمنة إسرائيل على المنطقة كأمر قادم لا محاله.
قد تسعى بعض الدول العربية لكسر حالة الحصار التي تعاني منها إسرائيل، وكان مؤسفًا للغاية أنه بينما يقاطع العالم نتنياهو، تستعين دولة الإمارات بجيش الاحتلال لتوفير غطاء من هجمات الصواريخ التي انهالت عليها من إيران، بينما تتمتع بحماية أمريكية كاملة، بل ويُجري رئيس الإمارات مكالمة مؤخرًا مع رئيس وزراء إسرائيل لتأكيد وحدة الهدف والمصير في مواجهة إيران.
ولكن هذه المواقف لا تمثل الشعوب العربية، ولا تُلزم بقية الدول الإقليمية الكبرى، وتحديدًا مصر وتركيا والسعودية، بالتهاون في مواجهة مشروع الهيمنة الصهيونية على المنطقة، الذي قد لا يكون عسكريًا بالضرورة، ولكن هدفه الرئيسي أن ننسى أن إسرائيل دولة احتلال ونتوقف عن المطالبة بتحرير فلسطين في وقت أصبح فيه الحرية لفلسطين شعارًا تردده ألسنة الملايين في كل أرجاء العالم.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.
