تصوير: عمرو عادل بإذن خاص للمنصة
كشك صحافة بوسط القاهرة

مؤسسات تبحث عن كيان.. وصحفيون يبحثون عن مظلة

23 عامًا من البحث عن صيغة للصحافة الرقمية

منشور الاثنين 5 تشرين الأول/أكتوبر 2026

تعمل أسماء مصطفى منذ 10 سنوات في الصحافة الإلكترونية، دون أن تتمكن من الالتحاق بنقابة الصحفيين، لذلك، ما إن ظهر مقترح تشكيل "كيان جديد" يجمع المواقع الإلكترونية حتى بادرت بالبحث عن تفاصيله ومعرفة ما يدور بشأنه.

عملت أسماء في أقسام صحفية مختلفة، بينها قسم الحوادث، وواجهت خلال عملها مشكلات أمنية كانت أكثر صعوبة لعدم حملها كارنيه نقابة الصحفيين، لذا تشجع إنشاء أي كيان يمثل مظلةً يوفر لها قدرًا من الحماية التي افتقدتها طوال سنوات عملها.

 "الحقيقة أنا عارفة إن خالد صلاح (رئيس تحرير موقع يوليو) اللي بدأ يروج للفكرة عنده مشاكل كتير مع الصحفيين، ده ما يمنعش إني عندي أمل ياخد خطوة جدية"؛ تعبر أسماء لـ المنصة، عن تشبثها بأي بادرة تمثل "فرصة للصحفيين خصوصًا مع باب النقابة المقفول في وشنا بدعوى القيود التي يفرضها القانون".

رفض نقابي حاسم

هذا الطرحُ، الذي يرى فيه بعض العاملين في المواقع الإلكترونية بالأخص الحاصلة على ترخيص من المجلس الأعلى للإعلام، حلًا لأزمتهم، يُقابل برفض مشدد من نقابة الصحفيين التي تتمسك بحقها القانوني في أنها النقابة المهنية الوحيدة المنوط بها تمثيل الصحفيين المصريين، رافضةً تشكيل أي كيانات تمثل المشتغلين بمهنة الصحافة خارج مظلتها.

يفرق يحيى قلاش، نقيب الصحفيين الأسبق، بين فكرة الكيان المطروح الخاص بمُلاك المؤسسات والمواقع، ونقابة الصحفيين، مشددًا على أن الأخيرة نقابة للعاملين في المهنة، وليست نقابة للمُلاك، وأن هناك فارقًا بين الجهة التي تمثل الصحفيين والجهة التي تمثل المؤسسات.

من هذا المنطلق، يرى أن أي كيان خاص بالمُلاك أو المؤسسات لا يمكن اعتباره بديلًا عن نقابة الصحفيين، مؤكدًا في الوقت نفسه على حق الصحفيين العاملين بالمواقع في الاستظلال بحماية النقابة، ومتوقعًا أن تنتصر النقابة "للمستقبل ولاستيعاب أي متغير".

يلفت قلاش في الوقت نفسه إلى أن الصحافة الإلكترونية ليست خارج نطاق الصحافة التي تتعامل معها القوانين المنظمة للمهنة؛ "الكلام عن وجود مشكلة قانونية تمنع استيعاب الصحفيين الإلكترونيين داخل النقابة مبالغ فيه"، يقول لـ المنصة، موضحًا أن عددًا كبيرًا من العاملين في المواقع الإلكترونية أعضاء بالفعل في النقابة، وأن قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018 يتعامل مع الصحافة الورقية والرقمية أو الإلكترونية ضمن الإطار نفسه، ولا يقصر مفهوم الصحافة على ما هو ورقي فقط.

نبتدي منين الحكاية؟

بعيدًا عن الكيان المقترح، فإن القصة لم تبدأ في سبتمبر/أيلول الماضي. فعلى مدار أكثر من عقدين، خاضت الصحافة الإلكترونية محاولات متتالية للبحث عن اعتراف مهني وتنظيم يستوعب طبيعة العمل الصحفي عبر الإنترنت، سواء داخل نقابة الصحفيين أو خارجها.

في عام 2003، ظهرت أولى محاولات إنشاء وحدة للصحافة الإلكترونية، وبادر بإنشائها الصحفي أحمد عبد الهادي، الذي كتب على فيسبوك؛ "خضنا معركة شرسة منذ سنوات طويلة في بداية عام 2003 داخل نقابة الصحفيين نفسها عندما قام العبد لله بتأسيس وحدة الصحافة الإلكترونية وتوليت رئاستها.. وكان الهم الأكبر تحذير الصحفيين من أن الصحافة الورقية في طريقها للانقراض وأن البديل هو الصحافة الإلكترونية".

وقتها واجهت الفكرة، وفق عبد الهادي، "حربًا شرسة من داخل مجلس نقابة الصحفيين نفسه ومن الزملاء الصحفيين.. وسخرية وتهكمًا لأن العبد لله يزعم أن يا حرام الصحافة الورقية سوف تنقرض لصالح الصحافة الإلكترونية".

بعد ثورة يناير، ظهرت محاولة أكثر استقلالًا؛ ففي عام 2011 تأسست "نقابة العاملين بالصحافة الإلكترونية" كنقابة عمالية مستقلة، قبل أن تتعثر التجربة مع تغير الإطار القانوني للنقابات العمالية. كما طُرح مشروع قانون لإنشاء نقابة مهنية للصحفيين الإلكترونيين، لكن المحاولة تعثرت أيضًا.

وفي 2015، أصبحت مطالب الصحفيين العاملين بالمواقع أكثر تبلورًا، وبدأ العمل ضمن مسارين: الأول، الدعوة لتعديل قانون النقابة بما يسمح بعضوية المحررين الإلكترونيين، والثاني، إنشاء تنظيم مهني خاص بالصحفيين الإلكترونيين. وفي يناير/كانون الثاني 2016، اجتمع عدد من رؤساء تحرير وقيادات المواقع والبوابات الإلكترونية داخل نقابة الصحفيين لبحث أزمة منع محررين برلمانيين من دخول مجلس النواب. وشارك في الاجتماع نقيب الصحفيين آنذاك يحيى قلاش، وعدد من أعضاء مجلس النقابة، إلى جانب رؤساء تحرير بوابات إلكترونية.

وظل ملف الصحافة الإلكترونية حاضرًا داخل النقابة، حتى انتخاب خالد البلشي في 2023 نقيبًا للصحفيين، معلنًا أن دخول الصحفيين العاملين بالمواقع إلى النقابة سيكون ضمن أولوياته، مصرحًا بأن الصحافة الإلكترونية تمثل تطورًا مهنيًا لا يمكن تجاهله، وأن غيابها عن النقابة يعني فقدان الصحافة قدرتها على مواكبة العصر. 

لكن الوصول إلى هذا الهدف اصطدم بمشكلة قانونية وتنظيمية، إذ إن قانون نقابة الصحفيين ولائحة القيد لم تُصمما في الأصل لسوق الصحافة الرقمية بصورته الحالية. وفي تصريحات أخيرة له مع لميس الحديدي، أوضح البلشي أن تعديل عدد من مواد قانون النقابة لإدماج الصحفيين الإلكترونيين سبق طرحه، لكنه تعثر عقب تحذيرات من نواب صحفيين في البرلمان خشية أن تمس التعديلات الحريات.

 وشدد على أن حسم الملف لا يمكن أن يتم بقرار منفرد من النقيب أو مجلس النقابة، قائلًا: "مش هنمشي بقرار فوقي"، ومؤكدًا أن الجمعية العمومية هي صاحبة الاختصاص في مناقشة الأمر واتخاذ القرار بشأنه.

وأشار البلشي إلى أن إدماج الصحافة الإلكترونية يتطلب وضع ضوابط مالية ومؤسسية تضمن التزام المؤسسات بحقوق الصحفيين، بما يشمل الأجور والتأمينات الصحية والاجتماعية، مع إمكانية مشاركة المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في متابعة الالتزام بهذه الضوابط.

مقترح كيان المؤسسات

 قبل ظهور مقترح "كيان المؤسسات" بوقت طويل، ومع إقرار النقابة ضمن خطابها ومناقشاتها بأن الصحافة الإلكترونية أصبحت جزءًا أساسيًّا من مستقبل المهنة، وأن هناك عاملين فيها يحتاجون إلى مظلة وحماية نقابية، اجتمع عدد من رؤساء تحرير المواقع الإلكترونية داخل مقر نقابة الصحفيين في مارس/آذار 2025، وكان الملف الرئيسي المطروح هو قيد الصحفيين العاملين بالمواقع في جدول المشتغلين.

ضم الاجتماع رؤساء تحرير عدد من المواقع الكبرى، بينها مجموعة أونا التي تضم "مصراوي" و"يلا كورة" و"الكونسلتو"، و"القاهرة 24"، و"إعلام دوت كوم"، و"الرئيس نيوز"، و"الموقع"، و"بصراحة"، و"حابي"، و"الجمهور"، و"الحادثة"، و"المطور"، و"مصر تايمز"، وغيرها.

لكن اللافت أن المجتمعين لم يطرحوا وقتها إنشاء كيان بديل لنقابة الصحفيين، وإنما اتفقوا على تأسيس "رابطة للصحفيين الإلكترونيين في نقابة الصحفيين"، تضم العاملين بالمواقع ممن حصلوا على عضوية النقابة، بهدف دعم مطالب الصحفيين الإلكترونيين في الحصول على حقوقهم النقابية.

هنا يظهر اختلاف جوهري بين مسار 2025 ومسار 2026؛ ففي الأول كان الحديث عن رابطة للصحفيين الإلكترونيين داخل النقابة، بينما انتقل النقاش في الثاني إلى كيان للمؤسسات والمواقع نفسها، بحسب التصور الذي طرحه وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان.

لم يتحدث رشوان، حسب ما أوضحه لاحقًا، عن إنشاء نقابة جديدة للصحفيين أو كيان نقابي بديل لنقابة الصحفيين، وإنما طرح فكرة إنشاء كيان مؤسسي تنضم إليه المواقع والمؤسسات نفسها، وليس العاملين بها كأفراد، بهدف التعاون في مواجهة المشكلات والتحديات المشتركة التي تواجه المؤسسات. وضرب رشوان مثالًا بغرفة صناعة السينما التي أُنشئت ضمن اتحاد الصناعات المصرية.

فكرة رشوان طرحت خلال اجتماع مع رؤساء تحرير المواقع الإخبارية المرخصة في مصر، الذين تحدثوا، إلى جانب المشكلات التي تواجه المؤسسات، عن صعوبات يواجهها الصحفيون العاملون فيها أثناء أداء مهامهم، وعن الحاجة إلى كيان يجمع وينظم المؤسسات لمواجهة تحدياتها.

الهدف هو الربح 

إلا أن طرح الفكرة سرعان ما أثار جدلًا داخل الوسط الصحفي؛ بين من قرأها باعتبارها محاولة إنشاء كيان جديد للصحفيين الإلكترونيين، ومن اعتبرها إطارًا للمؤسسات المالكة للمواقع فقط. خاصة أن أكبر المتحمسين للفكرة، خالد صلاح، رئيس تحرير موقع يوليو، طرح القضية في إطارين؛ أحدهما أن يكون هذا الكيان محاولة للضغط على نقابة الصحفيين لدخول صحفيي المواقع، كما تحدث أخيرًا سواء في بث مباشر على موقعه، أو في مداخلات صحفية، استلزمت ردًا وهجومًا من أعضاء مجلس النقابة وناشطين نقابيين، أما الإطار الثاني فسبق له أن طرحه ضمن نهج مختلف عن مجرد إنشاء كيان لحماية المواقع.

في يوليو 2016، طالب خالد صلاح الدولة والبرلمان بفرض ضرائب مضاعفة على إعلانات جوجل  وفيسبوك، مؤكدًا حاجتهم لتشكيل كيان يضم المواقع الإلكترونية للضغط على المنصات الرقمية التي تسحب أموالًا من سوق الإعلان الصحفي المصري، بما يمثل تهديدًا لصناعة الصحافة الإلكترونية، خاصة في ظل اعتماد المؤسسات على المنصات الرقمية بشكل أساسي.

ما يقترحه خالد صلاح له سوابق دولية؛ ففي أستراليا، أُنشئ إطار قانوني للتفاوض بين المؤسسات الإخبارية والمنصات الرقمية الكبرى حول قيمة المحتوى الإخباري، بينما اتجه الاتحاد الأوروبي وفرنسا إلى نظام "الحقوق المجاورة" للناشرين. لكن هذه التجارب لا تعني أن الكيان المصري المقترح سيحصل تلقائيًا على الصلاحيات نفسها، إذ تظل حدود اختصاصه وآليات عمله مرتبطة بما يحدده القانون.

حماية اجتماعية

حاولت المنصة التواصل مع خالد صلاح للوقوف على تفاصيل الفكرة وأهدافها، لكنه أجاب برد مقتضب "أعتقد إن النية خير. ربنا يسهل والمجلس يقدر يوصل لحاجة كويسة".

بينما بدا محمود سعد الدين، رئيس تحرير موقع "بصراحة"، الذي شارك في الاجتماع، مؤيدًا لإنشاء كيان للمؤسسات. باعتبار أن "هذا التجمع يستهدف التعامل مع مشكلات تواجه صناعة الصحافة الإلكترونية، من بينها الحماية الاجتماعية للعاملين، والإعلانات، والعلاقة مع المنصات التكنولوجية الكبرى مثل جوجل وفيسبوك.

يؤكد سعد الدين أن أصحاب الفكرة يتحدثون عن كيان للمؤسسات وليس للأفراد، قائلًا " كيان للمؤسسات، مش للأفراد، والعمل النقابي هيفضل تحت مظلة نقابة الصحفيين".

لكن رئيس تحرير بصراحة يربط في الوقت نفسه استمرار المطالبة بهذا الكيان بما ستفعله نقابة الصحفيين خلال المرحلة المقبلة. ويقول إن الفكرة جاءت أساسًا كمحاولة لتحريك ملف يرى أن النقابة لم تتحرك بشأنه بالقدر الكافي خلال العامين الماضيين، مضيفًا: "الفكرة كانت محاولة للحل لو النقابة ما تحركتش، لكن إذا تحركت النقابة خلاص، إحنا مش عايزين مجد شخصي". 

ويؤكد أن نتائج الحوار مع النقابة هي التي ستحدد الخطوة التالية، موضحًا أن استمرار الدعوة إلى الكيان مرتبط بما ستنتهي إليه المناقشات بشأن مستقبل المواقع الإلكترونية، "فإذا انتهى الحوار إلى نتائج إيجابية وجادة، فلن تكون هناك حاجة إلى الكيان، أما إذا لم يصل إلى نتيجة، فسيُعاد بحث الفكرة".

محاولة إزالة الالتباس زادت حدته

الحديث عن دور النقابة هو ما خلق حالة الالتباس، وعنه يقول يحيى قلاش إن جزءًا منه جاء "نتيجة اللقاء اللي كان فيه الوزير مع عدد من العاملين في الصحافة الإلكترونية والتصريحات اللي كانت ملتبسة، ولما حاول الوزير يزيل هذا الالتباس، دخلت أطراف عشان تتكلم في الموضوع، فزادوا منه".

بينما يشدد هشام يونس، أمين صندوق مجلس نقابة الصحفيين، على أي شيء له علاقة بالصحفيين، لا يجب أن يتصدى له أحدٌ غير النقابة"، ومن هنا جاءت دعوة البلشي لمناقشة مستقبل المواقع الإلكترونية وأوضاع العاملين بها، مؤكدًا ضرورة أن تبادر النقابة إلى بحث أوضاع الصحفيين العاملين في هذه المواقع، قائلًا: "ما ينفعش يفضلوا خارج مظلة النقابة"، قبل أن يحذر "لازم كمان ما نفتحش الباب لفوضى بعض المواقع".

ويوضح يونس لـ المنصة أن تنظيم أوضاع الصحافة الإلكترونية يجب ربطها بوجود مؤسسات صحفية حقيقية توفر الحد الأدنى من الحقوق المهنية والاجتماعية للعاملين بها؛ "لازم تكون فيه مواقع مؤسسة بشكل احترافي، تمنح رواتب الحد الأدنى للأجور، ويكون عندها تأمين اجتماعي وتأمين طبي".

أما أسماء التي حضرت اجتماع النقابة الذي لم يسفر عن شيء كما توقعت، فلا يزال يحدوها أمل أن يفتح النقاش الحالي بابًا للوصول لتفاهم يحميهم كصحفيين يعملون في المواقع الإلكترونية، لأنه "لو ترك الأمر في يد النقابة يبقى مش هنوصل لأي حل".