تصميم: سيف الدين أحمد
تحتاج مصر لاستثمارات أجنبية تكون أكثر تركيزًا على التكنولوجيا المتقدمة.

ما يطلبه المنتجون.. كيف نندمج في سلاسل التوريد العالمية؟

منشور الأحد 11 تشرين الأول/أكتوبر 2026

هذا الشهر، أعلنت الحكومة عن إعداد استراتيجية جديدة تهدف لتعزيز قدرتنا على جذب الاستثمارات الأجنبية حتى 2030، وبينما لم يُكشف بعدُ عن التصورات الأساسية لهذه الاستراتيجية، فمن المهم الانتباه لعدم تكرار أخطاء الماضي.

تمتلك مصر قدرةً متوسطةً على جذب الاستثمارات المباشرة، التي تراوحت خلال آخر عقدين بين 10 و16 مليار دولار، إذا ما جنبنا الصفقات الاستثنائية مثل رأس الحكمة. لكن العبرة ليست بالكم، إنما بالأثر التنموي الاجتماعي الذي لن نستطيع تقييمه بدون جولة سريعة في عالم سلاسل القيمة، المتحكم في الاقتصاد العالمي بالوقت الراهن.

ما هي سلاسل القيمة؟

لعله من نافلة القول إن غالب السلع والخدمات التي نستوردها أو نصدرها في عالم اليوم لم تعد تُنتج في دولة معينة، مثلما كان الوضع في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، إنما تغلب سلاسل الإنتاج أو التوريد، أو ما يُعرف كذلك بسلاسل القيمة، على التجارة العالمية الآن سواء في السلع أو في الخدمات.

هذه السلاسل عبارةٌ عن شبكات من الشركات والمصانع والمكاتب والورش الموزعة جغرافيًّا بين دول عدة، تتخصص كل مجموعة منها في مرحلة ما من إنتاج السلعة حتى تأخذ شكلها النهائي، ويُقدر نصيب المنتجات التي يجري تصنيعها عبر سلاسل الإنتاج في الوقت الراهن بنحو 50 إلى 70% من إجمالي التجارة في السلع والخدمات.

ينطبق هذا النمط من التنظيم الصناعي واللوجستي على طيفٍ واسعٍ من المنتجات؛ بداية من السيارات والقطارات والسفن، مرورًا بالكمبيوترات والموبايلات، انتهاءً بالملابس الجاهزة والأحذية والمنتجات الجلدية. 

هذا التحول الكبير في إنتاج وتوزيع السلع والخدمات هو نتيجة ملموسة لعقودٍ من العولمة بدأت منذ ثمانينيات القرن العشرين، وقامت على مزيج من هيمنة تصورات التجارة الحرة بعد انتهاء الحرب الباردة واتفاقات تحرير حركة التجارة ورؤوس الأموال، بالإضافة لأثر التقدم التكنولوجي الملحوظ في الاتصالات والمواصلات ما خفض من تكلفة التجارة ومد من وجودها إلى أركان الدنيا الأربعة. 

أين مصر من كل هذا؟

على الرغم من أنه أُريد للعولمة أن تشمل العالم ككل فإن سلاسل الإنتاج ظلت محددة بصفة جغرافية، ويفيد تقرير لمنظمة التجارة العالمية في 2025 بتركز الشركات والمصانع المنخرطة في تلك السلاسل في ثلاث مناطق من العالم: شرق آسيا (مركزه الصين)، وأمريكا الشمالية (المركز بالطبع الولايات المتحدة)، والقارة الأوروبية (المركز ألمانيا)، بينما غابت قارات بأسرها عن أي حضور له معنى (أو عائد تنموي) في سلاسل الإنتاج، على رأسها أمريكا اللاتينية وإفريقيا، علاوة على جنوب آسيا. 

اليوم ثمة آمالٌ في أن تصل سلاسل الإنتاج إلى مصر كإحدى ثمار الاستثمارات الكبيرة في البنية الأساسية التي نُفّذت خلال السنوات الأخيرة، والتي شملت الطرق والمواني والمطارات، مدفوعةً باستثمارات حكومية قدَّر صندوق النقد الدولي أن إجماليها ارتفع بما يساوي نحو 3% من الناتج المحلي الإجمالي في السنوات القليلة بين 2014 و2021. 

ومع ازدياد القيود الأمريكية على صادرات الصين، وعزوف الاتحاد الأوروبي عن بعض الصناعات الاستهلاكية والتركيز على صناعات ذات طابع أمني، انفتح الباب واسعًا أمام بعض البلدان التي لم تمتد إليها سلاسل الإنتاج في العقود الماضية مثل مصر كي تجد لنفسها مكانًا فيها هذه المرة.

ولا يخفى على متابع أن إعادة تشكيل سلاسل الإنتاج على وقع تذبذب العلاقة بين الغرب والصين أدى بالفعل إلى زيادة ملموسة في تدفق الاستثمارات الصينية لمصر خلال الفترة الأخيرة. اللافت للنظر والمبشر نوعًا ما أن الحضور المتزايد للاستثمارات والشركات الصينية لم يكن في القطاعات التقليدية، التي طالما اعتمد عليها اقتصادنا لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، لا سيما الغاز الطبيعي والبترول، بل في قطاعات للصناعات التحويلية، بما فيها الطاقة الخضراء والخدمات مثل الاتصالات والنقل البحري. 

ويؤمل من هذا أن تتكون في مصر سلاسل للإنتاج تجعل منها مركزًا لتصدير وإعادة تصدير السلع والخدمات إلى أوروبا شمالًا وإفريقيا جنوبًا وبلدان الخليج العربي شرقًا. 

ليس بالكم وحده تتحقق التنمية

يتعين هنا نقل محور النقاش من كيفية اجتذاب رؤوس الأموال في قطاعات غير تقليدية، بما يسمح باندماج شركات مصرية في سلاسل الإنتاج العالمية، إلى شروط هذا الاندماج، إذ إن سلاسل الإنتاج أو التوريد هذه هي ذاتها سلاسل قيمة، بمعنى أن القيمة تتراكم من حلقة إلى أخرى داخل السلسلة. بتعبير آخر، يسهم بعض المشاركين في السلسلة بقيمة أعلى، ويحصلون على عائد أكبر من مشاركتهم، بينما يتخصص آخرون في أنشطة ومنتجات ذات قيمة مضافة منخفضة. 

لنا مثال في سلاسل السيارات، فكلما تخصصت شركات في المكونات ذات التقنية الأعلى كلما حظيت بأكبر عائد من مشاركتها في السلسلة، وعادة ما تكون مقرات تلك الشركات في البلدان المتقدمة مثل اليابان أو ألمانيا ومؤخرًا وبشكل متزايد الصين، بينما نجد حلقات أخرى من تتخصص في خدمات ومنتجات ذات قيمة أقل، مثل توريد الزجاج أو المطاط أو الأقمشة اللازمة لصالونات السيارات، وصولًا إلى قاع السلسلة ممثلًا في أنشطة الجمع والتركيب كثيفة العمالة، التي لا تتحصل إلا على أقل القليل من قيمة المنتج النهائي. 

هذا هو التحدي أمام مصر إذا نجحت في الاندماج ضمن سلاسل إنتاج عالمية تقودها شركات صينية في مجالات مثل الألواح الشمسية والتليفونات الذكية ومراكز البيانات وربما السيارات وغيرها. 

أي موقع ستحتله الشركات المصرية؟ هل ستستقر في القاع تورّد العمالة الرخيصة؟ أم تتخصص في الأنشطة كثيفة الاستخراج كما هو واقع بالفعل في قطاع الرخام، الذي يحظى بحضور كبير لشركات صينية متوسطة الحجم؟

لا شك أن للاستثمارات الحالية أثرًا إيجابيًّا على مصر، فاستيراد الماكينات الصينية مثلًا ساهم في زيادة الإنتاج بصورة ملموسة، كما باتت تتوافر لدينا كوادر مهرة من مهندسين وفنيين يديرون هذه الماكينات، لكن كل هذا لا يساوي حجم الأثر التنموي الذي يمكن أن يتحقق إذا ما ترقى دورنا في سلسلة القيمة إلى أنشطة أكثر تقدمًا، مثل إنتاج التكنولوجيا.

يتطلب هذا الترقي استثمارًا حكوميًّا  إضافيًّا في التعليم بصفة عامة، والتعليم الفني بصفة خاصة إذا كانت الأولوية تنمية الصناعات التحويلية بغرض زيادة تصدير السلع ذات القيمة المضافة الأعلى، وليس أي صادرات والسلام.

يستند هذا أيضًا على قدرة الحكومة على التفاوض مع الشركات الكبيرة بخصوص شروط نقل التكنولوجيا أو مشاركتها وكذلك المهارات تبعًا لجداول زمنية، والظرف اليوم مواتٍ مع اشتداد التنافس الجيوسياسي بين القوى الكبرى بما يخلق مساحة لدول متوسطة القوة مثل مصر للتفاوض من أجل تحقيق مكتسبات في السنوات التالية. 

الخلاصة، نحن بحاجة لاستراتيجية صناعية محددة تشمل الصناعات والخدمات المراد ترقية مشاركتنا فيها عالميًّا، وبما ينسجم مع أولويات التنمية والتشغيل والتنافسية، وربط هذا بالمدخلات المطلوبة لا فحسب البنية الأساسية، وهو أمر غاية في الأهمية، خصوصًا إذا كانت موجهةً إلى قطاعات الإنتاجية والتنمية البشرية في مجالات التعليم والتدريب واكتساب المهارات، وليس للتنمية العقارية التافهة بمنتجعات الجولف والأنهار والبحيرات الصناعية.