ماذا يعني أن تكون صحفيًا؟
عند كثيرٍ من الصحفيين، ليست الصحافة خيارًا مهنيًا مفضلًا فقط، فطالما كانت إعلانًا للاستقلالية ورحلة للبحث عن الحقيقة، من أجل تقديمها كما هي.
لذا لم يكن في الحسبان أن يجور الزمن على الصحافة، التي اعتبرها أديب نوبل جابريل جارسيا ماركيز "أفضل مهنة في العالم"، لتصبح ممارستها عند البعض بمثابة "جريمة"، يُحبس صحفيون بسببها.
يثير القبض على الزملاء بغرفة تحرير منصة متصدقش، ومن قبله الجدل عن أوضاع العاملين في المواقع الصحفية، النقاش مجددًا حول أوضاع الصحفيين المزرية، وظروف عملهم، ومدى قدرتهم على أداء دورهم كجسر بين الأحداث وأطرافها وبين الجمهور. فإذا كنت صحفيًا يعيش في مصر الآن عليك مواجهة كم متزايد من التحديات التي تجعل من حياتك اليومية رحلة للمعاناة ومن كل تعبير اختبارًا في القدرة على النجاة وتجنب إغضاب أولي الأمر.
حاليًا، لم يعد عمل الصحفي في مصر يقتصر على البحث عن الخبر وكتابته ونشره، بل أصبح يتحرك داخل بيئة معقدة تتداخل فيها الاعتبارات القانونية والسياسية والاقتصادية والتكنولوجية. فالصحفي مطالب بتقديم معلومات دقيقة وسريعة، بينما يواجه صعوبة في الوصول إلى المصادر والبيانات، وضغوطًا متعلقة بظروف العمل وكفايته.
إذا كنت صحفيًا، لا بديل عن الحرية في التفكير والتعبير والنشر لممارسة المهنة بموضوعية ومصداقية، لكن واقعيًا حريتك مقيدة، وقد تكون مهددة من أطراف عدة، بعضها رسمي وبعضها مرتبط بطبيعة مؤسسة العمل وتوجهاتها، وبعضها نتيجة الرقابة الداخلية والمخاوف من تداعيات النشر.
النص والممارسة
نظريًا يدعم الدستور حرية الفكر والرأي وحق التعبير بجميع وسائل التعبير والنشر، وفي مقدمتها الصحافة حيث تحظر المادة (71) بأي وجه فرض رقابة على الصحف ووسائل الإعلام أو مصادرتها أو وقفها أو إغلاقها. ولا توقع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب عن طريق النشر أو العلانية باستثناء الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو التمييز بين المواطنين أو الطعن في أعراض الأفراد.
على أرض الواقع، أصبحت لدى مصر شهرة دولية في التضييق على الصحافة وخنقها، وعادة ما تحتل في تقارير المؤسسات الدولية مراتب متدنية من حيث حرية الصحافة، ومراتب متقدمة من حيث عدد سجناء الرأي بشكل عام والصحفيين بشكل خاص.
ووفقًا للجنة حماية الصحفيين، يقبع حاليًا 25 صحفيًا خلف القضبان، بينهم رسام الكاريكاتير في المنصة أشرف عمر. حيث قائمة الاتهامات جاهزة: الانضمام إلى جماعة إرهابية مع العلم بأغراضها، وبث ونشر شائعات وأخبار وبيانات كاذبة، وإساءة استخدام إحدى وسائل التواصل الاجتماعي.
لا يمكن قراءة هذا التوجه بمعزل عن رؤية مؤسسات الدولة لحق المواطن أولًا في المعرفة، ومن ثم حق الصحفي في الوصول إلى البيانات والمعلومات. في الدول الديمقراطية فإن المعلومات حق للجميع وتتعدد في مصادرها ووسائل نقلها وإبلاغها للرأي العام دون تدخل من السلطة الحاكمة. أما حينما تحتكر السلطة وسائل الإعلام فإن القيود تكون مشددة، وأحيانا مبتكرة.
على الورق، الدستور يعتبر المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق الرسمية ملكًا للشعب، والإفصاح عنها من مصادرها المختلفة حق تكفله الدولة لكل مواطنيها التزامًا بالإتاحة والشفافية، لكن عمليًا، يضع قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018 قيودًا على هذا الحق.
فمثلًا، يحق للصحفي نشر المعلومات والبيانات والأخبار "التي لا يحظر القانون إفشاءها" فقط. والأسوأ أن حضور المؤتمرات والجلسات والاجتماعات العامة وإجراء اللقاءات مع المواطنين والتصوير في الأماكن العامة "غير المحظور تصويرها"، يشترط الحصول على التصاريح اللازمة في الأحوال التي تتطلب ذلك. كما لا يجوز عمل الاستبيانات أو استطلاعات الرأي أو المسوح إلا بعد موافقة الجهات الحكومية المختصة، ومن بين هذه القيود تقييد حرية الموظف العام في الإدلاء ببيانات عن أعمال وظيفته.
وتبقى المقاومة
حضور المحاكمات والمؤتمرات السياسية والأكاديمية ومقابلات الناس في الشارع بحرية هي جوهر العمل الصحفي، دورات تدريبية مستمرة تفتح له آفاقًا لموضوعات عادة ما تكون معبرة عن هموم واحتياجات الناس، وفي نفس الوقت تضمن تنوع الآراء ودعمها بوثائق وبيانات رسمية.
يرتبط هذا السياق من العمل في ظل صناعة الخوف، بأزمة غياب مظلة الحماية النقابية لمعظم العاملين في مهنة الصحافة، وهو أمر محل نقاش وجدل منذ سنوات وتصاعد خلال الأيام الماضية مع مطالبة وزير الدولة للإعلام ونقيب الصحفيين الأسبق ضياء رشوان المواقع الصحفية بإنشاء كيان يمثلها. وجاءت حملة القبض على صحفيي متصدقش كبرهان إضافي لتداعيات هذا الغياب.
رغم إدراك مجالس نقابة الصحفيين المتعاقبة أن الخلل الحالي ناتج عن قانون النقابة وشروط القيد بجدول المشتغلين؛ لم تقدم حلولًا جذرية تعالج حقيقة أن النسبة الغالبة من العاملين في المواقع الصحفية وممن يرتبطون بعقود عمل ليست دائمة في المؤسسات التي يعملون بها خارج عضوية النقابة.
يبذل نقيب الصحفيين خالد البلشي ومجلس النقابة الحالي جهدًا خارقًا في محاولة الدفاع عن الصحفيين سواء أعضاء النقابة أو ممارسي المهنة من غير الأعضاء، ونتيجة لذلك يتعرضون لحملات ضارية من الهجوم والنقد، وهم يدركون أن هذا واجبهم ومسؤوليتهم. لكن هذا الجهد سيظل محدودًا ويواجه بالادعاء بأن الصحفي هو المنتمي لنقابة الصحفيين فقط، حيث إنه هو المخاطب بمواد عدم الحبس في قضايا النشر فقط.
أحد الأسباب التي تساق في تبرير المخاوف من امتداد العضوية للعاملين في المواقع الصحفية هو الخشية من التأثير على "بدل التكنولوجيا" الذي يمنح للأعضاء، وأقره القضاء الإداري، لكنّه تحوّل بمرور الوقت، ومع تدنّي رواتب الصحفيين، إلى الجزرة التي تتبادل مؤسسات الدولة استخدامها مع "عصا الحبس".
أصبح بدل التكنولوجيا بمثابة الدخل الأساسي للصحفي، بل حل عند الكثيرين محل الراتب الشهري الذي يفترض الحصول عليه من المؤسسة الصحفية التي يعمل بها.
قيود وإفقار
هذا يقودنا للحديث عن الأوضاع المالية للصحفيين، حيث يقبع أغلب الصحفيين تحت خط الفقر، فكثير من الصحف لا تلتزم بالحد الأدنى للأجور بحجة تحقيق خسائر. ليس خفيًا أن هناك صحفيين في متوسط حياتهم الوظيفية ويحصلون على دخل لا يتجاوز 3 آلاف جنيه، ويفترض أن يعيشوا بها أو أن يبحثوا عن مجالات عمل إضافية.
قد يكون مفيدًا في فهم أبعاد الوضع الحالي الرجوع إلى التعليق العام رقم 34 للجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، والذي يعد المرجع الأساسي التفصيلي لتفسير المادتين 18 و 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق السياسية والمدنية، وأكد فيما يخص الصحافة على حظر العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر. ودعت اللجنة الدول إلى إلغاء عقوبات السجن في جرائم النشر والقذف والسب وإلغاء القوانين التي تمنح الحكام والشخصيات العامة حماية استثنائية من النقد مثل إهانة الذات أو إهانة الهيئات.
وفيما يخص تعريف الصحافة، أكدت اللجنة أنها وظيفة ومهنة تمارسها طائفة واسعة من الجهات الفاعلة، بمن فيهم الصحفيون والمراسلون والمحللون والمدونون وغيرهم ممن يشاركون في أشكال النشر الذاتي المطبوع أو على شبكة الإنترنت.
لا أعتقد أن الرسائل المخيفة التي يتلقاها الصحفيون، والتي تعكس أوضاعهم الصعبة ستؤدي إلى موت المهنة أو تحولها إلى نشرة حائط وبيان دعائي للسلطة كما يتمنى البعض، فصعوبة الوصول إلى المعلومات والقيود القانونية والإدارية والمهنية والضغوط الاقتصادية على المؤسسات والصحفيين كلها أوضاع قد تطول إلى سنوات لكن لن تظل دائمة. ومن هنا نقابة الصحفيين والصحفيون مطالبون بالوقوف معًا ضد هذا الاستنزاف.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.