تصميم سيف الدين أحمد، المنصة 2026
أحيت دعوة الفنان الفرنسي المؤيد لإسرائيل برنار فينيه لمعرض الأبد هو الآن الذي تنظمه آرت دي إيجيبت على سفح الهرم حراكًا في وسط ثقافي راكد

تشطيب آثار مصر وتشطيف فنها

من شركة نقاشة وتشطيبات إلى دعم الفن المصري "تحت رعاية الدولة"

منشور الخميس 15 تشرين الأول/أكتوبر 2026

في عام 2011، بينما كنا مشغولين بسؤال: مصر رايحة على فين؟، كانت جمعية محلية لسكان مدينة فرساي في فرنسا مهمومةً بسؤال لا يقل وجودية: كيف نتخلص من هذه الكتل الحديدية القبيحة التي ظهرت أمام قصر فرساي، وتشبه "كومة حطب نسيها بستانيٌّ مهمل"؟

تقدَّمت الجمعية بدعوى قضائية عاجلة، تطالب بإزالة المنحوتات الفولاذية الضخمة التي أقيمت أمام القصر، ضمن معرض للفنان الفرنسي برنار فينيه، بدعوى أنها تشوه الموقع التاريخي وتهدد سلامة المارة. لكنَّ القضاءَ الفرنسيَّ الشامخَ رفض طلب الجمعية، فبقيت المنحوتات حتى انتهاء المعرض.

تكلَّف المعرض نحو مليوني يورو، تحملها الفنان وشركاؤه من رجال الأعمال. قال فينيه إن المعرض كلفه شخصيًا مليونًا ونصف المليون يورو، طبعًا كسب أضعافها. فبعد المعرض مباشرة أعلن بيعَ اثنتين من المنحوتات، وتلقِّي عروضِ شراء من الصين وأمريكا ودبي.

أكمل برنار بعد المعرض مسيرته الفنية كما بدأها منذ أكثر من خمسين عامًا؛ يعيد تدوير نفس الأفكار المستمدة من العمارة الوحشية بعد الحرب العالمية الثانية، وتجريدية الستينيات، ليقدم بتمويلات هيئات حكومية منحوتاتٍ ضخمةً في الغالب، معظمها من الفولاذ، ومشغولة بالعلاقات الرياضية المسطحة بين النسبة والتناسب، والنظام والفوضى، مع تغييب أي معنى. فالهدف إنتاج أعمالٍ تدَّعي استبعاد الشعريِّ والذاتيِّ لحساب التجريد الرياضياتي.

لكنَّ المهارةَ الحقيقيةَ لفينيه وأمثاله من ديناصورات الفن المعاصر المولودين من رحم الحرب الباردة -حين كانت المخابرات الأمريكية هي الراعي الرسمي للحركة التجريدية والفن المفاهيمي- هي قدرتهم على تحويل كومة الحطب التي تركها البستاني المهمل، إلى أحداث دولية تقام في القصور والميادين العامة والمواقع التاريخية، بحضور النخب السياسية ورجال الأعمال وجامعي التحف. لا يريد هؤلاء بالتأكيد فنًّا يناقش الإبادة والحرب على المهاجرين وغيرها من الأفكار التي حضرت مثلًا في بينالي فينسيا الماضي، وإنما فنٌّ يُميّزه السعر الباهظ المطبوع عليه، أو عبارة مثل "عُرض هذا العمل لأول مرة أمام قصر فرساي".

وتكريمًا لجهوده ومسيرته في خدمة هؤلاء السادة الذين يبيع لهم فنه، حصل فينيه عام 2022 على جائزة فنان العام من منظمة أمريكية تدعى "أصدقاء المتاحف في إسرائيل"، تدعم ثمانية متاحف إسرائيلية، وتتعاون مع الفنانين المكرمين لإنتاج أعمال محدودة تُباع لتمويل أنشطتها والحركة الفنية في إسرائيل. كما تربطه علاقة مع جاليري  Har-El في يافا، الذي يعرض قطعًا تصل أسعار بعضها إلى خمسة عشر ألف يورو.

أمن وأمان وتعفيش

ثم أخيرًا؛ أُتيحت لفينيه هذا العام فرصة أن يُتمم مسيرته بالتكريم الأكبر الذي قد يحلم به أي فنان؛ أن يعرض منحوتاته في ظل أهرام الجيزة الخالدة، بعد أن دعته شركة آرت دي إيجيبت/Art D’Égypte للمشاركة في الدورة السادسة من معرض "الأبد هو الآن" الذي تنظمه تحت رعاية وزارتي الخارجية والسياحة والآثار، والهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي.

لكن بسبب تكريم الفنان في إسرائيل وأيضًا دعمه لها، اعترض فنانون مصريون على دعوته، وأعلنوا انسحابهم من عروض ومشاريع مع Art D’Égypte وطالبوها بسحب دعوتها للفنان الفرنسي. أمام موجة الرفض والاعتراضات، أصدرت Art D’Égypte بيانًا أكدت فيه عدة أمور، أهمها بالنسبة لي:

  • "أن مصر كانت وستظل بلد الأمن والأمان".
  •  "أنها تحترم تمامًا حساسية الظرف الراهن، وتتعامل بمسؤولية مع الملاحظات التي أثيرت، ولذلك تجري مراجعة شاملة لكافة المعلومات والملابسات ذات الصلة، وبالتنسيق مع الجهات المعنية".

لم يحدد البيان ما هي الجهات المعنية التي تنسق معها، لكن بعدها بساعات أصدروا بيانًا آخر أعلنوا فيه:

  • "إيقاف مشاركة فينيه".
  • "تجديد موقفهم الثابت تجاه "القضية" والتزامهم بالمبادئ والقيم الانسانية".

لم يحدد البيان ما إذا كان المقصود القضية الأوكرانية، أم الكشميرية.

نجاح نادر لحملة شعبية

حملةُ انسحاباتِ الفنانين وبياناتِ الجاليريهات الفنية لإجبار Art D’Égypte على مراجعة موقفها، تُمثّل نجاحًا نادرًا لحراك ثقافي يقوده الفنانون منذ معركة عزل وزير الثقافة الإخواني علاء عبد العزيز عام 2013. هذه الرعشة التي دبت لساعات في جسد الحركة الفنية المصرية المصاب بالشلل والتكلس، بعثت فيَّ حنينًا خاصًا إلى زمن يبدو الآن بعيدًا وغريبًا.

أتذكر مثلًا أنِّي عرفتُ مصطلح الفن المفاهيمي بفضل معرضٍ أقامته وزارة الثقافة في قصر عائشة فهمي عام 2002 بعنوان "فلسطين: 54 سنة احتلال". وحتى الآن أذكر عمل الفنان وبطل حرب أكتوبر الدكتور أحمد نوار؛ أرضٌ ترويها أنابيب حمراء مع مراوح تدور فوقها ترمز لطائرات الأباتشي الإسرائيلية، لم تكن الدرون ظهرت بعد. أتذكر أيضًا أعمال الفنان أحمد بسيوني الذي سيُستشهد لاحقًا في جمعة الغضب أثناء ثورة يناير.

أيضًا أتذكر حركةً ومشهدًا فنيًا لا يتصدره المقاولون و"النقاشون"، بل فنانون مصريون من تيارات واتجاهات مختلفة، بعضهم في وزارة الثقافة، وبعضهم مع المؤسسات الفنية غير الربحية المستقلة أو الجاليريهات التجارية الخاصة، ومنهم المنخرطون في الجامعات والمؤسسات التعليمية. اختلافهم هذا كان محرِّك منافسةٍ ونقاشٍ مفتوحٍ على الشارع والخيال المصري، والأهم؛ إحساس بالكرامة وإدراك لموقع الفن المصري، والتاريخ الإبداعي والتحرري لفناني مصر. 

ما زلت أذكر مبادراتٍ ومشاريعَ ممولةً بملاليم، ومعارضَ فوق السطوح أو في قصورٍ كلها مفتوحة مجانًا للجميع دون فرز طبقيٍّ، حتى بدأ التضييق على المؤسسات الفنية والثقافية المستقلة وغير الربحية وإغلاق بعضها. وفي الوقت نفسه، بدأت عملية تعفيش وزارة الثقافة، لتتقلص الكثير من الفعاليات والمعارض التي اعتادت تنظيمها، مع تولّي شركات خاصة مسؤولية تنظيم الأحداث الثقافية والفنية.

شركة عملاقة جدًا

ثم إننا حسمنا إجابة سؤال "مصر رايحة على فين؟"، لنذهب إلى حيث لا مكان للمؤسسات التي لعبت دورًا حيويًا في تشكيل المناخ الفني المصري منذ نهاية التسعينيات، بل شركات خاصة مثل Art D’Égypte تعرض الأعمال الفنية في الصحراء عند الأهرام، حيث تتطلب المشاركة والانخراط، إلى جانب نفقات الوصول إلى هناك؛ قطع تذكرة دخول الهرم. 

بل إن دورة العام الماضي شهدت رحلات VIP نظّمتها Art D’Égypte بتذاكر خاصة مع جولات إرشادية. كما أنها أحيانًا تنظم معارضَ لليلةٍ واحدةٍ بدعواتٍ خاصةٍ في متاحف الدولة، التي يُفترض أنها أماكن عامة مفتوحة للجميع، إلا طبعًا عندما تحتاج إليها Art D’Égypte لتُراكم ثرواتها ومصالحها الخاصة.

كل هذه النجاحات تحققت في عشر سنوات فقط، فـ Art D’Égypte وُلدت عام 2016 عملاقة، لتبتلع المشهد الفني وتعيد تشكيله بإمكانياتٍ وشبكةِ علاقاتٍ لم تمتلك مثلها أي شركة تجارية أخرى في المجال. لأن Art D’Égypte ليست مؤسسة فنية غير ربحية، ولا مبادرة ثقافية مستقلة، بل شركة تجارية. ولا أعرف شركة أخرى في تاريخ مصر فُتح لها خلال أول سنة من تأسيسها المتحف المصري ليلًا لإقامة حفلٍ عام 2017، ثم مُنحت فرصة استغلال منطقة الأهرام تجاريًا طوال هذه السنوات.

مديرة شركة Art D’Égypte ومؤسستها هي نادين عبد الغفار، ابنة ممدوح عبد الغفار، أحد مقاولي التشطيبات في الإسكندرية في زمن الهدد والتشطيب الذي جسَّده مسلسل الراية البيضاء للمؤلف أسامة أنور عكاشة والمخرج محمد فاضل (1988)، وأخت عمر ممدوح عبد الغفار، المدير في شركة الدار العقارية الإماراتية. وقد وقّع الشقيقان في يونيو/حزيران الماضي، كُلٌّ ممثلًا عن شركته، اتفاقية تعاون لتمويل عدد من المشاريع والمبادرات الفنية التي ستطلقها Art D’Égypte لدعم الفن المصري وتمثيله في المحافل الدولية وتطويره. 

وفي هذا الإطار أيضًا، وقَّعت نادين عبد الغفار بروتوكول تعاون مع وزارة الخارجية لتمثيل الفن المصري وتطويره، وهي بالمناسبة مهمة وزارة الثقافة المتروكة بلا وزير منذ يوليو/تموز الماضي. لكنَّ دولة رئيس الوزراء، وبدلاً من أن ينشغل بملء الفراغ الشاغر، أصدر في أغسطس/آب الماضي بيانًا للاحتفاء بنادين وشركتها التجارية الخاصة، مُعلنًا استضافة هضبة الجيزة معرض "الأبد هو الآن" في نوفمبر/تشرين الثاني.

صفحة رئاسة الوزراء على فيسبوك وصفت المعرض بأنه "أول وأكبر معرض للفن المعاصر من نوعه يقام في هذا المكان على الإطلاق، محولًا أثرًا أثريًا إلى منصة حية للتبادل الثقافي العالمي". أما فقرتي المفضلة، فهي حينما يعرج البيان إلى التعليق على التوجه الفني للفعالية قائلًا "تتناول الفنانات المشاركات موضوعات الاستمرارية، والنظام المكاني، والذاكرة الثقافية، متسائلات عما يعنيه بناء شيء يتجاوز في بقائه اليد التي شيدته".

لم أستطع فهم المقصود رغم خبرة أكثر من خمسة عشر عامًا في تغطية المشهد الثقافي والفني، لم أرَ خلالها مجلس الوزراء يصدر في شهر أغسطس -إجازة الحكومة- بيان "تهنئة" لمعرض فني سيُعقد في شهر نوفمبر.

إلى ديلاوير حيث لا ضرائب

قبل انشغال نادين بالفن "المصري" كان لديها شركة متخصصة في الديكورات ودهان الواجهات ومختلف أعمال النقاشة والمحارة تدعى فيراديكو. لكن فجأة في 2016 قررت فتح شركة Art D’Égypte، وفورًا فُتحت لها أبواب المتاحف والقصور وطبعًا الأهرام.

وفي عام 2023، أسست في الإمارات شركة كالتشرفيتور/Culturvator للاستشارات والمشروعات الثقافية، وأصبحت Art D’Égypte تعمل تحت مظلتها. لكنَّ القفزة الكبيرة جاءت في 2 مارس/آذار الماضي، مع تأسيس مؤسسة بالاسم نفسه في ولاية ديلاوير الأمريكية، حيث لا ضرائب على الشركات، تساعدها في إدارة عملياتها الفنانة والأكاديمية المصرية الأمريكية ريهام رفعت السعدني.

المؤسسة الأمريكية مسجلة، بحسب موقعها الرسمي، باعتبارها منظمة غير ربحية معفاة من الضرائب بموجب المادة 501(c)(3) من قانون الضرائب الأمريكي، وتحمل الرقم الضريبي 41-4957392، وهو تصنيف ضريبي فيدرالي يتيح للمؤسسة تلقي "تبرعات" خيرية يمكن للمتبرعين خصمها من دخولهم الخاضعة للضريبة، كما يعفي الشركة من دفع ضرائب للولاية مع إمكانية التقدم بطلب للإعفاء من الضرائب الفيدرالية، وذلك وفق الشروط والحدود التي يحددها القانون الأمريكي للشركات الأمريكية.

يعني، مثلًا، لو كنت مليونيرًا أمريكيًا أو خبيرَ آثارٍ عالميًا تتقاضى مئات آلاف من الدولارات لقاء محاضراتك، فقد يكون بإمكانك التبرع بجزء من دخلك لهذه المؤسسة، ثم احتساب التبرع ضمن الخصومات الضريبية المسموح بها، واللبيبُ بالإشارة يفهمُ.

أما المجلس الاستشاري للمؤسسة الأمريكية، فيضم كلًا من وزير الآثار الأسبق زاهي حواس، والسفير السابق ناصر كامل، الأمين العام للاتحاد من أجل المتوسط، ومؤسِّسة شركة ديجيتال آند سافي مها أبو العينين، ورئيس مجلس إدارة هايدلبرج ماتيريالز مصر ياسر النجار، ورئيسة شركة بازيلينا ديبورا لير، فضلًا عن محمد الناصري المسؤول في هيئة الأمم المتحدة للمرأة، ونورا الخولي الزربة، وعبير شكري العتيبة، زوجة السفير الإماراتي في واشنطن يوسف العتيبة، مهندس الاتفاقات الإبراهمية.

يعني ذلك أننا أمام شركة أمريكية معفاة من الضرائب، تمولها شركة عقارات إماراتية، وتحتكر حق عرض الأعمال الفنية أمام الأهرام بحجة تمويل ورعاية الفن والفنان المصري. 

وجوه مبتسمة على جدارٍ عنصري

مبكرًا، انتبهت الناقدة الفذة مريم النزهي للأجندة الفنية والسياسية لمؤسسات نادين عبد الغفار المتعددة والمتشابكة حيث وصفتها في مقال لها بموقع مدى مصر "ينطوي عمل 'آرت دي ايجيبت' على عنصر من عناصر غسيل الفن، إذ من الممكن الجدال بأن العمل الفني المعروض ليس مهمًا، وقابلًا للاستبدال –إنه دال فارغ، ملحق بصري. أحد الأمثلة على هذه القابلية للاستبدال هو حادث انتحال وقع مؤخرًا حيث نسخ 'آرت دي ايجيبت' نصًا، صاغه 'جيبسم جاليري' ونشره على موقعه، نسخًا حرفيًا وأعاد نشره في سياق عمل فني آخر بأحد معارض حي القاهرة الدولي للفنون، 'Tangled Structures'".

الفنانون الذين تروج لهم Art D’Égypte يجمعهم الالتزام بإنتاج أعمال بلا جذور أو اتصال بالسياقات السياسية والثقافية التي يتم اختزالها في ثيمات ثابتة يعاد تدويرها، بحيث يتحول الفن والفنان إلى عنصر زخرفي داخل منظومة العرض والرعاية، مع الحرص بشكل خاص على تلميع فنانين خواجات منبوذين من المشهد الفني التقدمي وسياقاته المعاصرة، ويجمعهم حب "السلام" وإسرائيل والصهيونية.

حالة الفنان برنار فينيه ليست الأولى؛ فعلى مدار ست سنوات، استضاف مهرجان الأبد هو الآن فنانين سبق لهم التعاون مع مؤسسات فنية إسرائيلية أو إقامة مشروعات داخل إسرائيل، من أبرزهم  كارول فيورمان، التي شاركت في نسخة المهرجان عام 2023، وهو العام الذي أقامت فيه معرضًا مشتركًا مع الفنان أليكس كاتز في جاليري زيمـاك للفن المعاصر بتل أبيب. أما نموذجي المفضل فهو الفنان الفرنسي JR الذي استضافه المهرجان ثلاث مرات، بينما في بعض دوراته لم يكن هناك إلا فنان مصري واحد. 

أبرز أعمال JR مشروع نفذه عام 2007، طبع فيه صور وجوه فلسطينيين وإسرائيليين يعملون في المهن نفسها بحجم عملاق، ولصقها على جدار الفصل العنصري، في استمرار لتقليد الفنان الأوروبي الخريان ما دريان، الذي يأتي إلى بلادنا فيرى الناس كلهم يشبهون بعضهم البعض، فينتج عملًا منزوع السياق التاريخي والسياسي؛ يقدم الفلسطيني والإسرائيلي بوصفهما طرفين متكافئين تفصل بينهما الكراهية المتبادلة وسوء الفهم، لا شعبًا خاضعًا لاحتلال إحلالي من شعب آخر بنى دولةَ فصلٍ عنصري. فيتحول الصراع كما يراه الفنانون المزورون من قضية استعمار واستيطان ومشروع إبادة ومحو إلى مشكلة نفسية واجتماعية يمكن تجاوزها بابتسامة مشتركة أمام الكاميرا، ثم كما يليق بأي نقَّاش أو "نحتجى"، يحول ذلك الهراء الفني إلى ديكور وزينة لجدار الفصل العنصري.

إلى جانب توجهات مؤسسة Art D’Égypte، تربط نادين عبد الغفار نفسها صداقاتٌ مع رموز إعلامية وفنية إسرائيلية، تدعوهم إلى مصر، وتنظم بنفسها جولات ورحلات إرشادية، لا تطبق عليها شرطة السياحة بالطبع قانون الإرشاد السياحى 121 لسنة 1983، الذي يحظر مزاولة الإرشاد السياحى دون الحصول على رخصة. ومن أبرز عملائها خبيرة السياحة والمؤثرة الإسرائيلية شيلا بارون، التي نشرت صورتها مع نادين عند الأهرام وكتبت تحتها بالعبرية "صديقتان منذ سن السابعة عشر/لا شيء يضاهى حركة CISV، أنصحكم بالدخول والتسجيل لأطفالكم فيها من الآن". 

الحركة التي تشير لها نادين هنا هي CISV international؛ منظمة أمريكية تهدف إلى تعزيز السلام بين الأطفال والشباب عبر إقامة معسكرات غسيل مخ لهم في سن مبكرة، لتعزيز قيم السلام والبتنجان، التي يبدو أن نادين وشيلا من أبنائها المخلصين.

آمال صغيرة لكن عظيمة

سحبت Art D’Égypte دعوتها للفنان المسطح عدو الإحساس، لكن البيانات التي أصدرتها لم تذكر حتى كلمة "فلسطين"، أو تعلن موقف المؤسسة من الإبادة، مثل غيرها من المؤسسات الفنية والثقافية الأوروبية التي أعلنت مواقف واضحة منها. وهو ما يؤكد أن مناورة Art D’Égypte لا تعني تغيير سياسات المؤسسة. ولا يبدو أن هذه العاصفة ستؤثر على علاقتها بمؤسسات الدولة التى تفتح لها القصور والمتاحف والأهرام.

وحتى إن فُتحت الملفات وتغيرت الوجوه، فالحقيقة التي يجب أن نتذكرها، أن Art D’Égypte في النهاية، ليست إلا جزءًا من شركة أمريكية مسجلة في ديلاوير. مثل شركات ثقافية أخرى مسجلة في نفس الولاية.  

شبكة ونظام عالمي لإدارة الفن المعاصر وعلاقاته بالمشاريع العقارية وغسل الأموال، وغسيل السمعة، والتغطية على انتهاكات حقوق الإنسان، ومختلف أعمال النحت والنقش. وكما علَّمنا المعلم هدهد/حمدي غيث في هذه الحالة، فالمسألة ليست في نادين أو Art D’Égypte، بل كما قال ليحيي أبو دبورة في فيلم أرض الخوف لداود عبد السيد (2000) "رجب أبو حسين وإبراهيم الحوت دول نظام، مش على قد مصر، على قد العالم كله. والكبار مش إحنا، دول برانا. هم اللي بيزرعوا ويحصدوا ويصنعوا ويهربوا. وإحنا..".

إحنا ما زلنا أحياء. ما زلنا قادرين على الفعل، حتى ولو بالصوت العاجز. لأن سحب نادين دعوتها للفنان الصهيوني يعني استعادةً مؤقتةً لقدرة الحركة والفنانين المصريين على الفعل والعمل الجماعي. 

لدى الحركة الفنية التشكيلية المصرية بنية تنظيمية كانت فعالة وحيوية من جمعيات محبي الفنون الجميلة إلى الأتيليه، إلى نقابة الفنانين التشكيليين التي أصدرت بيانًا موفقًا للغاية في هذه الأزمة. هناك فرصة لاستغلال هذا الحراك ولاستعادة فعالية الجماعة الفنية. لأنه إذا كانت اللحظة السياسية والثقافية الراهنة تفرض علينا العمل في ظل منظومة صهيو-إماراتية ورأسمالية عالمية، فعلى الأقل يكون لنا صوت مؤثر وفعال، وقدرة على الدفاع عن مصالحنا وأهرامنا.

نحتاج إلى النظر في ملف Art D’Égypte نظرة أوسع من كونها مسألة علاقات وصور مع الصهاينة، فنحن أمام حالة فسادٍ فنيٍّ لم يشهدها الفن المصري في تاريخه. فلمدة ست دورات، دفعت أجهزة حكومية وشركات مصرية الملايين لنادين لتأتي من أحقر بارات أوروبا وتل أبيب بفنانين نسيهم الزمن، ليعرضوا أعمالهم أمام الأهرام ثم يبيعونها ويتربحون الملايين، بينما يفتش أمين شرطة السياحة السيَّاحَ ويجبرهم على دفع الرسوم إذا وجد معهم كاميرا احترافية، باعتباره نوعًا من التربح. أين إذًا الأموال التي تربَّحها هؤلاء الفنانون الصهاينة من الدعاية المجانية وعرض أعمالهم أمام الهرم؟هل ذهبت إلى جمعية "أصدقاء المتاحف في إسرائيل" أم إلى حساب بنكي مُعفًى من الضرائب في أمريكا؟

في تاريخ الأهرام الشامخة منذ آلاف السنين، لا أعرف فنانًا عرض أعماله ثلاث مرات تحت سفحها غير الفرنسي المسطح  JR، في حين لا يتجاوز عدد الفنانين المصريين الذين نالوا هذا الشرف أصابع اليد الواحدة؟ فلماذا؟ وكيف سكتت نقابة الفنانين التشكيلية والجماعة الفنية عن هذا، وقبلت وطبَّعت مع وضع شاذ يستثني تمثيل الفن والفنانين المصريين؟

وأخيرًا، السؤال الأهم لدولة رئاسة الوزراء، لماذا لا يسمح لأي جاليري أو جمعية فنية أخرى، بإقامة معارض فنية عند الأهرام؟ لماذا هذا الامتياز الحصري لشركة نادين الأمريكية؟ وإذا كان مجلس الوزراء وفق بيانه الرسمي، يرى أن Art D’Égypte بمثل هذه الشطارة، ويوجه الوزارات السيادية كالخارجية إلى توقيع اتفاقيات مع السيدة نادين، فلماذا لا يعيّنها وزيرة للثقافة؟ هذا طبعًا إذا استوفت الشروط القانونية وجاءت التقارير الأمنية مؤيدة لنزاهتها، فلربما نحن لسنا إلا مجموعة من الحاقدين طبقيًا، وكل هذه الصور والنشاطات والشراكات مع إسرائيليين وصهاينة ليست إلا علاقات شخصية، دافعها المحبة والحب والصداقة والرغبة الحثيثة في السلام.