تصميم سيف الدين أحمد، المنصة 2026
فوز نافي بيلاي بجائزة نوبل للسلام "صفعة" على وجه دونالد ترامب وتابعه بنيامين نتنياهو

نوبل للسلام لبيلاي وصفعة لترامب ونتنياهو

منشور الثلاثاء 13 تشرين الأول/أكتوبر 2026

أُعتُبِر منح القاضية والحقوقية نافي بيلاي جائزة نوبل للسلام "صفعة" على وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتابعه المدلل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وبلهجة دبلوماسية، إهانة صريحة ومباشرة. والمؤكد أن قرار الخارجية الأمريكية مساء الجمعة فرض عقوبات شديدة القسوة على المحكمة الجنائية الدولية بلاهاي كمؤسسة، ليس مصادفة، إذ سبق وعملت بها نافي قاضية لسنوات.

جريمة نافي مزدوجة بالنسبة لترامب الذي يعتبر نفسه سيد العالم، ولا تنطبق على بلاده القوانين والمعاهدات الدولية بما في ذلك مواثيق الأمم المتحدة التي تستضيفها مدينة نيويورك. فبيلاي البالغة من العمر 85 عامًا وتحمل جنسية جنوب إفريقيا، بما لها من تجربة مريرة ومشرفة ضد عنصرية المستعمر الأبيض، سبق لها العمل قاضية في المحكمة الجنائية الدولية التي أعلن ترامب الحرب ضدها منذ وصوله للبيت الأبيض قبل نحو عامين وفرض عقوبات على قضاتها ومحققيها بعد إصدار أمرٍ بإلقاء القبض على نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف جالانت بتهمة الاشتباه في ارتكابهما جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في حرب غزة المتواصلة منذ ثلاث سنوات.

ترامب يتألم

لكن الأقرب والأكثر دلالة في هذا التوقيت هو أن نافي ترأست كذلك لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة، التي خلصت قبل عام إلى إدانة العدو الإسرائيلي بارتكاب "جرائم إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية" خلال حرب غزة المتواصلة منذ الثامن من أكتوبر 2023، من خلال فرض حصار شامل على سكان القطاع ومنع دخول المساعدات الإنسانية، واستخدام التجويع أداة حرب، إضافة إلى التهجير القسري الواسع النطاق والقتل العشوائي للمدنيين الفلسطينيين، بما في ذلك الأطفال والنساء.

وتزامن القرار مع سعي إسرائيل في الذكرى الثالثة لطوفان الأقصى إلى شن حرب دعائية واسعة -وفاشلة بكل تأكيد- لتبييض سمعتها الملطخة أمام العالم بأكمله، بسبب جرائمها في قطاع غزة، التي أدت لاستشهاد ما يزيد على 74 ألف فلسطيني، بينهم عشرون ألف طفل على الأقل، و1400 قتلتهم قوات الاحتلال خلال العام الماضي فقط، الذي كان من المفترض أن يشهد وقفًا لإطلاق النار بناءً على الاتفاق الذي رعاه ترامب قبل عام ودُشن في مؤتمر شرم الشيخ للسلام.

وإذا وضعنا جانبًا غرابة توقع ترامب أن يكون هو المستحق لجائزة نوبل للسلام بعدما قضى العام الثاني من رئاسته تقريبًا في حربٍ اختارها ضد إيران بالتنسيق مع حليفه نتنياهو، آملًا دخول التاريخ بصفته الرئيس الذي قضى على النظام الأكثر عداءً للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط، كذلك انتهاك أراضي فنزويلا واختطاف رئيسها مستهترًا بالقوانين الدولية.

إذا وضعنا كل ذلك جانبًا فإن المرارة التي عَلَّق بها الرئيس الأمريكي على قرار نوبل تكشف حجم صدمته وغضبه من قرار منح جائزتها لنافي.

وقال ترامب في مؤتمر انتخابي أمام أنصاره مساء الجمعة إنه لم يسمع أبدًا باسم القاضية ذائعة الصيت، رغم سيرتها الذاتية اللامعة على مستوى العالم، منذ نالت لقب أول ملونة في جنوب إفريقيا تفتح مكتبًا للمحاماة عام 1967، وتوليها لاحقًا الدفاع عن كل قادة حركات المقاومة ضد نظام الفصل العنصري الرسمي، وأبرزهم المناضل الجنوب إفريقي الأيقوني نيلسون مانديلا حتى نال حريته بعد 27 عامًا من السجن وتولى منصب رئيس البلاد، ثم عملها قاضية في المحكمة الدولية لجرائم الحرب في رواندا التابعة للأمم المتحدة، وقاضية في المحكمة الجنائية الدولية ثم مفوضة للأمم المتحدة لحقوق الإنسان.

ترامب قال إنه لم يسبق له معرفة تلك "الشخصية الغامضة" المسماة بيلاي، وأشار لاحقًا إلى أنه لا يعرف عنها سوى عدائها لإسرائيل، وهو معذور في هذا الشأن، لجهله بالسياسة الدولية وتبنيه خطابًا شعبويًا يتمسك بأن أمريكا فوق القوانين الدولية، وهو أمر تمسكت به كل الإدارات الأمريكية السابقة، ديمقراطية كانت أم جمهورية. كما لوح بعصا التهديد ضد الحليفة التقليدية للولايات المتحدة، النرويج، قائلًا إنه يعتبر القرار بمثابة "وصمة لا تمحى" في تاريخها.

فوق القانون

فالولايات المتحدة ليست عضوًا في نظام المحكمة الجنائية الدولية، أو ما يعرف باتفاقية روما، وتناصبها العداء بعد فتح تحقيقات في جرائم حرب محتملة ارتكبتها القوات الأمريكية أثناء احتلالها لأفغانستان والعراق. وتعارض الولايات المتحدة -من حيث المبدأ- الخضوع لأي قوانين دولية من شأنها أن تلزم مواطنين أمريكيين بالمثول أمام محاكم دولية غير أمريكية.

ومنذ وصوله للبيت الأبيض في مطلع العام 2025، أمرت الخارجية الأمريكية بفرض عقوبات تشمل كل قضاة المحكمة ويتم بمقتضاها تجميد أرصدتهم ومنعهم من السفر ودخول الأراضي الأمريكية. وفي نفس يوم إعلان فوز نافي بجائزة نوبل للسلام الجمعة، أعلنت الخارجية الأمريكية فرض عقوبات على المحكمة نفسها كمؤسسة، وبمقتضى العقوبات، يُحظر على كل الهيئات والبنوك الأمريكية التعامل معها، مع منحها فترة ستة أشهر كفرصة نهائية لإصلاح قراراتها والتوقف عن التهديد بملاحقة الأمريكيين وقادة إسرائيل.

وبقدر ما جن جنون ترامب وحلفائه في اليمين الإسرائيلي من قرار لجنة نوبل منح نافي جائزة السلام، أثار القرار كذلك

 دهشة المراقبين والمنتقدين لطريقة عمل لجنة نوبل على مدى العقود الماضية، والذين عادة ما اتهموها بمحاباة إسرائيل والسعي لتكريم الشخصيات التي تروج للسلام والتطبيع بين العرب وإسرائيل كما كان حال الرئيس المصري الراحل أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مجرم حرب لبنان الراحل مناحم بيجين، وكذلك الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين الذي جرى اغتياله على يد متطرف يميني صهيوني في العام 1995.

وفي العام الماضي، منحت نوبل جائزة السلام للمعارضة الفنزويلية ماريا ماتشادو وهو ما اعتبره المراقبون محاولة صريحة لاسترضاء ترامب الذي سبق وعبر علنًا عن استحقاقه غير المفهوم للجائزة، بزعم إنهائه سبع حروب منذ وصوله للبيت الأبيض، هي في الواقع نزاعات تقليدية كما هو الحال بين الهند وباكستان وأرمينيا وأذربيجان. ولأن الرئيس الأمريكي يعرف أن جمهوره لن يراجع أو يدقق ما يقوله، فلقد سبق له أن كرر أن من ضمن الحروب التي أنهاها تلك التي وقعت بين مصر وإثيوبيا وهو ما لم يحدث، رغم الخلاف الحاد بين البلدين بسبب سد النهضة.

ولأن المعارضة الفنزويلية ماتشادو تعرف شغف ترامب بالفوز بالجائزة، ورغبتها الأكبر في الحصول على دعمه من أجل تولي رئاسة فنزويلا، فلقد توجهت خاضغة لواشنطن لتسلم الرئيس الأمريكي جائزتها، قائلة إنه الأكثر استحقاقًا لما يبذله من جهود لنشر السلام في العالم.

عبَّر ترامب عن سعادته الغامرة بهذه المبادرة من ماتشادو ولكنه خيب آمالها واختار إبرام صفقة مع المقربين من الرئيس الفنزويلي السابق مادورو من أجل الإطاحة به والقبض عليه ونقله إلى نيويورك، بينما احتفظ بميدالية نوبل للسلام في خزانته الخاصة في البيت الأبيض.

أطياف غزة

من الصعب اعتبار حصول القاضية نافي بيلاي، التي وهبت حياتها للدفاع عن حقوق الإنسان ووجوب التزام جميع دول العالم وقادته بالقانون الدولي، تحولًا في مواقف الهيئة المانحة للجائزة، التي طالما أثارت جوائزها الجدل ليس في مجال السلام فقط، ولكن كذلك في الأدب والعلوم.

ولكن المؤكد أن جرائم العدو الإسرائيلي البشعة وما تسببت به حرب الإبادة الجماعية التي شنها ضد الفلسطينيين في غزة وكذلك في الضفة الغربية والقدس المحتلة، من فظائع وقتل وتدمير، حركت ضمير قطاعات واسعة في العالم، بما في ذلك القائمون على جائزة نوبل في النرويج، خاصة بعد وقاحة وافتخار مجرم الحرب نتنياهو وأعضاء حكومته بما ارتكبوه ويرتكبونه من جرائم، واضعين في الاعتبار أنهم يحظون بحماية العصا الغليظة لسيد البيت الأبيض دونالد ترامب.

أما القاضية السامية نافي بيلاي التي مثلت على مدى عقود ضمير العالم والقانون الدولي قبل انهياره في غزة، فلقد مازحت الصحفيين الذين تجمعوا أمام منزلها في جنيف بعد إعلان فوزها بالجائزة بالقول إنهم لو زادوا من تصفيقهم لها، فقد يدفعها ذلك إلى التفكير في اقتسام الجائزة مع الغاضب دائمًا وأبدًا كاوبوي القرن الـ21، مجنون نوبل للسلام، دونالد ترامب.

لن يرحب ترامب بنافي بالتأكيد في البيت الأبيض كما فعل العام الماضي مع الفنزويلية ماتشادو، ولكن سيبقى مضمون تقريرها الذي أدان إسرائيل بارتكاب جرائم الحرب في غزة بمشاركة صريحة من إدارتي بايدن وترامب لعنة تطارد حكام واشنطن وتل أبيب الذين يفاخرون بجرائمهم ويتباهون أنهم فوق القانون الدولي.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.