الصندوق والتموين.. 10 سنوات من التفكيك غير المعلن
على امتداد تاريخها الطويل، لم تشهد منظومة الدعم الغذائي في مصر تحولاتٍ جذرية كالتي شهدتها خلال العقد الأخير؛ من أبرزها تراجع حصة الدعم الغذائي من إجمالي المصروفات العامة للدولة من 5.3% في العام المالي 2015/2014 إلى 3.4% في العام المالي الحالي، واقتصار الحصول على الخبز البلدي المدعم، الذي كان متاحًا للجميع في السابق، على حاملي البطاقة الذكية الخضراء الشهيرة، مع خفض وزنه في البداية من 130 جرامًا إلى 110 جرامات في 2014، ثم خُفضه لاحقًا إلى وزنه الحالي البالغ 90 جرامًا في أغسطس/آب 2020.
أما سعر الرغيف المدعم، الذي كان محددًا بـ5 قروش منذ عام 1989، فقد ارتفع هو الآخر إلى 20 قرشًا في يونيو/حزيران 2024. وفي يونيو الماضي، أعلنت الحكومة عن إعادة هيكلة منظومة الخبز، مع اعتزام تخفيض الوزن إلى 70 جرامًا واستبعاد مئات الآلاف باعتبارهم غير مستحقين.
أيضًا انخفضت نسبة السكان المستفيدين من السلع التموينية على البطاقات التموينية، من إجمالي السكان من 77% في عام 2014 إلى 52% في يوليو 2026.
كل هذا جرى على خلفية معدلات تضخم مرتفعة للغاية، إذ بلغ المعدل التراكمي نحو 367% خلال الفترة من 2014 إلى 2024. الأهم من ذلك أنه إذا أخذنا في الاعتبار تضخم أسعار الأغذية، فإن الرقم يرتفع إلى 405% (خلال الفترة من 2014-2023).
إلى جانب هذه التغيرات الكمية الصريحة، ثمة تحولات أخرى أكثر عمقًا جرت خلال الفترة منذ 2014-2026، تتعلق بفرض الطابع التجاري (التسليعي) على منظومة التموين، وهي التحولات التي حظيت بدعم قوي من صندوق النقد الذي كان حاضرًا بقوة باتفاقاته التمويلية خلال معظم هذه الفترة.
نسبة الدعم التمويني من إجمالي المصروفات، رسم بياني من إنتاج المنصة
تأثيرات عميقة تحت السطح
في اتفاقاته التمويلية الأخيرة مع مصر لم يطرح صندوق النقد فكرة إنهاء دعم التموين مثلما فعل مع دعم الطاقة. على الأرجح فإن هذا التعامل الحريص مع الدعم الغذائي من فضائل ما تركته ثورات الربيع العربي من تأثير على هذه المؤسسة.
في الماضي كان الصندوق يطالب بقوة بالحد من الدعم الغذائي، لكنه وفي مواجهة الانتفاضات الشعبية، تظاهر بالاعتراف بالحاجة إلى نمو أكثر شمولًا وتعزيز شبكات الأمان الاجتماعي.
لكن غياب الدعم الغذائي عن قائمة أشكال الحماية التي يستهدف الصندوق إنهاءها تمامًا لا يعني أن هذه المؤسسة كانت متصالحة مع فكرة وجوده بشكله المعتاد منذ عقود، فعلاقة الصندوق بـ"التموين" كانت أكثر تعقيدًا وغير مباشرة مقارنة بتأثيره على دعم الطاقة؛ فهو لا يدفع باتجاه إلغائه نهائيًا، إنما ينادي بتحقيق الشفافية، والتحويل النقدي، والاستهداف المباشر.
بالفعل أدت مطالب الصندوق بشأن "التموين"، التي قدمتها المؤسسة الدولية باعتبارها وسائل ناجعة لإصلاحه، لتآكل مستمر للمنافع التي يحصل عليها المواطنون، ودفعٍ بقوة نحو فرض الطابع التجاري على المنظومة.
لم يعد التموين وفق هذا التصور إحدى ركائز الحماية الاجتماعية، إنما تحول إلى نظام انتقالي، والأرجح أنه سيستبدل على المدى المتوسط لتحل محله برامج الدعم النقدي المستهدفة مثل برنامجي تكافل وكرامة.
النقد بدل الغذاء
بدايةً نحتاج لأن نفهم لماذا يحمل الصندوق كلَّ هذا العداء تجاه الدعم. بشكل أساسي، سيقول إن الدعم يُسبب نزيفًا كبيرًا للموازنة العامة للدولة ويستنزف استدامتها المالية. بيد أن هناك سببًا آخر لهذا الرفض هو أن الصندوق يتبنى رؤية قائمة على نظرية التوازن التنافسي، التي ترى أن الكفاءة الاقتصادية لن تتحقق إلا في وجود السوق المثالية، التي يتماشى فيها السعر النهائي للمستهلك مع تكلفة الإنتاج.
بناءً عليه، فإن تدخل الحكومة بخفض الأسعار (عبر بيع السلع المدعومة) سيؤدي إلى تشويه السوق وخلق خلل اقتصادي. بينما يرى صندوق النقد الدولي أنه إذا كان هدف الحكومة الوحيد هو مساعدة الفقراء، فمن الأفضل تقديم مبلغ نقدي مباشر لهم بدلًا من التأثير على أسعار المنتجات.
من الضروري إبقاء هذه الرؤية في الذهن لفهم الفلسفة القائمة وراء تصورات إصلاح منظومة الدعم الغذائي في مصر منذ عام 2014. فقد كان أول تعديل رئيسي منذ هذا التاريخ، هو تخصيص مبلغ نقدي لشراء السلع المتوفرة بدلًا من الحصول على حصص عينية من السلع الغذائية الأساسية، وهو ما يعبر بقوة عن التصور النظري الذي يتبناه الصندوق.
إلا أنه سرعان ما تبينت عيوب نظام الدعم النقدي من عدة أوجه، فقد تحدد المبلغ في البداية بـ15 جنيهًا للفرد، ثم رُفع إلى 50 جنيهًا في يوليو/تموز 2017، بحد أقصى 4 أفراد مسجلين على البطاقة الذكية (و25 جنيهًا لكل فرد إضافي). ورغم الخفض الكبير لقيمة الجنيه خلال الفترة من 2022 إلى 2024 وآثاره التضخمية، لم يزد هذا المخصص منذ ذلك الحين.
متوسط التضخم السنوي، رسم بياني من إنتاج المنصة
وحتى حين تأهل نصف المستفيدين للحصول على زيادة قدرها 100 جنيه لكل أسرة لمدة 6 أشهر بين عامي 2022 و2023، فإن العديد منهم لم يتسلموها قط، ورغم أن الحكومة خصصت منحة في مارس/آذار وأبريل/نيسان 2026، بزيادة نقدية إضافية بقيمة 400 جنيه لـ10 ملايين أسرة من حاملي البطاقات التموينية كجزء من حزمة حماية اجتماعية قبل شهر رمضان. فإن هذه التدابير المؤقتة عجزت عن تعويض التآكل المستمر في المخصص النقدي.
كما أن هذا المخصص النقدي تعرض للتآكل بسبب ارتفاع الأسعار داخل المنظومة نفسها. في الواقع، رافق التحول للدعم النقدي ارتفاع حاد في أسعار السلع التموينية بدءًا من عام 2014، باستثناء الخبز الذي ظل ثابتًا حتى عام 2024. اقتربت الأسعار بشكل كبير من أسعار السوق الحر، وظلت تتذبذب بالتوازي مع اتجاهات السوق بل وتتجاوزها في بعض الأحيان. وكان الهدف من ذلك، بما يتماشى مع رؤية صندوق النقد الدولي، هو القضاء على تشوهات الأسعار.
على سبيل المثال في عام 2012 سُعّر لتر زيت الخليط بـ3 جنيهات داخل المنظومة التموينية، وكان سعره 9 جنيهات في السوق الحرة؛ أي أن التموين قدم تخفيضًا بنسبة 67%، إلا أن السعر ما لبث وارتفع داخل المنظومة في 2022 إلى 28.75 جنيه مقابل 38 جنيهًا في السوق الحرة؛ أي أن التخفيض الذي يقدمه التموين تراجع إلى 24%.
ولم تعد الحكومة لفرض ضوابط على أسعار السلع التموينية الأساسية (السكر والزيت والأرز) إلا عام 2023 للتخفيف من آثار الحرب في أوكرانيا، التي أدت إلى ارتفاع الأسعار العالمية للأغذية. نتيجة لذلك، ارتفعت نسبة التخفيض إلى 48%، حيث يبلغ سعر لتر زيت الطهي حاليًا 37.5 جنيه في التموين، بينما يصل إلى نحو 72 جنيهًا في السوق الحرة، لكنه لا يزال أقل من معدل التخفيض في 2012.
النتيجة المباشرة لفرض الطابع التجاري على الأسعار كانت انخفاض الكميات التي يحصل عليها المستفيدون بشكل حاد. في النظام القديم، كانت الأسرة المكونة من 4 أفراد تحصل عادة على نحو 22 كجم من المواد الغذائية شهريًا في 2012؛ أما في 2026 فلا يمكنها شراء سوى 8 كجم باستخدام المخصص النقدي للبطاقة الذكية. يمثل هذا تقليصًا للمنافع بأكثر من النصف، لدرجة أن المرء يتساءل اليوم عما إذا كانت الحصة التموينية لا تزال تؤدي أي غرض، وهو ما سبق واعترف به علي المصيلحي وزير التموين السابق بنفسه بأن "الـ50 جنيهًا بالكاد تغطي سعر زيت الطهي والسكر" وذلك في معرض تفسيره إلغاء الأرز من السلع المتاحة اعتبارًا من سبتمبر/أيلول 2023.
اليوم، امتد التسليع إلى الخبز البلدي، الذي كان خطًا أحمر في السابق. فلم يقتصر الأمر على رفع سعره (رغم أنه لا يزال أقل بكثير من سعر السوق الحر)، بل وكما أُعلن في يوليو/تموز 2026 يتم الآن تحويل دعم الخبز، الذي كان الدعم العيني الوحيد المتبقي، إلى دعم نقدي، وبدلًا من استحقاق 5 أرغفة من الخبز يوميًّا، سيكون لكل مواطن رصيد نقدي قدره 7.5 جنيه/فرد/يوم مخصص لبطاقته الذكية، وهو ما يعادل تكلفة إنتاج 5 أرغفة (1.5 جنيه للرغيف). ومن المقرر بدء تطبيق هذا النظام اعتبارًا من يناير/كانون الثاني 2027.
لتهدئة الاستياء الشعبي، أوضحت الحكومة أن هذه الآلية تعادل الشيء نفسه تمامًا، حيث سيحصل المواطنون على الكمية نفسها من الخبز. ولكن إذا اتبعنا منطق تسليع المنظومة التموينية، فيمكننا افتراض أن سعر الخبز البلدي سيتخذ نفس مسار الأسعار التموينية؛ الارتفاع التدريجي للاقتراب من أسعار السوق الحر، ومن ثم انخفاض الكمية المتاحة إذا ظل المخصص النقدي ثابتًا.
تحول تجاري للمنظومة
منذ عام 2022، يصر صندوق النقد الدولي على تنفيذ ما يُسمّى وثيقة ملكية الدولة، دافعًا نحو خصخصة المؤسسات العمومية. وعلى الرغم من تصنيف الأمن الغذائي في هذه الوثيقة كقطاع استراتيجي، فإن الضغط الممارس يتزايد على الشركة القابضة للصناعات الغذائية وشركاتها التابعة لـ"وضع مؤشرات أداء مالية وتشغيلية، ورؤية معدلات الكفاءة التشغيلية، وتعظيم العوائد الاقتصادية". ليظل مستقبل الشركة القابضة غير مؤكد، ومعها مصير آلاف العمال.
تحت هذا التصور، فُرض طابع تجاري على منظومة التموين بأكملها، وإن اختلفَ عن الخصخصة الصريحة التي طبّقت في مجالات أخرى. من أبرز ملامح هذا الطابع إدخال المنتجات التي ينتجها القطاع الخاص ضمن قائمة السلع التموينية التي اتسعت لتشمل نحو 30 سلعة في عام 2014.
كان من المفترض أن يتيح هذا الإصلاح حرية الاختيار للمستفيدين، مما يسمح لهم باستغلال رصيدهم النقدي لاختيار أي من هذه السلع وفقًا لتفضيلاتهم. إلا أن هذا التصور ابتعد كل البعد عن الواقع الحالي للتموين، لأن الرصيد النقدي محدود للغاية لدرجة أن المواطنين يضطرون لاختيار ثلاث أو أربع سلع فقط.
الحقيقة الصادمة أن الفائدة الحقيقية التي تحققت من هذا الإجراء كانت لصالح شركات القطاع الخاص، وبدرجة أكبر لشركات الصناعات الغذائية التابعة للقطاع العسكري. فبالنسبة لها، باتت منظومة التموين فرصة لتبيع منتجاتها بكميات كبيرة، مع خصومات بسيطة تعكس الكميات الكبيرة المباعة لوزارة التموين والتجارة الداخلية.
وفي المجمل، أدت هذه التغيرات إلى نشوء "سوق تموينية"؛ أي مجموعة من المعاملات بين الموردين والمشترين تعمل بطريقة تشبه السوق المفتوح، لكنها تظل متميزة عنه بسبب اعتمادها على قاعدة مستهلكين لا يملكون بديلًا غير الشراء منهم، وهي قاعدة ضخمة يصل من ينضون فيها إلى أكثر من 60 مليون مستفيد من بطاقات التموين.
وتربح الشركات العسكرية من هذه السوق التموينية بدرجة أكبر لأنها تتلقى أيضًا دعمًا إنتاجيًّا متعددًا، وهي بذلك تستفيد من المنظومة من الطرفين؛ تكاليف إنتاج أقل بفضل الدعم على المدخلات، مع قاعدة عملاء مضمونة.
من ناحية أخرى، يتضرر عمال المخابز المدعومة والبقالون التموينيون من النظام الجديد، فارتفاع الأسعار بالنسبة للمستهلك لا ينعكس بشكل كاف في صورة زيادة في هوامش أرباحهم، إلى جانب ما يتعرضون له من ضغط بيروقراطي كبير.
من أكثر المتضررين أيضًا عمال شركات القطاع العام العاملة في القطاع الغذائي التي تتنوع بين مطاحن القمح والأرز وقصب السكر إلى مصافي زيوت الطعام التي تنتج لحساب المنظومة التموينية، فضلًا عن المخابز الصناعية والشركات الممتلكة للمجمعات الاستهلاكية.
هذه الشركات تنضوي تحت الشركة القابضة للصناعات الغذائية التابعة لوزارة التموين. بالتالي وضع تسليع منظومة الشركة القابضة في منافسة مع القطاع الخاص، يحتم عليها تطبيق ضوابط الأسعار على السلع الغذائية الأساسية، بالتالي تعوض صعوباتها بنقل العبء على كاهل العمال.
في سبتمبر الماضي، اتهم عمال مضارب أرز البحيرة (إحدى الشركات التابعة للشركة القابضة) إدارتهم بعدم الالتزام بالحد الأدنى للأجور الإلزامي الذي حددته وزارة التموين، والذي رُفع إلى 7000 جنيه في يوليو 2025 ثم زاد لاحقًا إلى 8000 جنيه في يوليو 2026. ومع ذلك، فإنهم يتقاضون نحو 4200 جنيه دخل شهري صافي بعد سنوات طويلة من الخدمة. بالمثل، يشتكي موظفو الشركة العامة للسكر والصناعات التكاملية المملوكة للدولة من انخفاض الأجور وانعدام الأمان الوظيفي، بما في ذلك الاستعانة المكثفة بالعمالة اليومية غير المتعاقد عليها.
الاستهداف بهدف الاستبعاد
يُعد تعزيز الاستهداف النهج الثالث الذي يستخدمه صندوق النقد الدولي لممارسة ضغوط غير مباشرة لتفكيك نظام الدعم الغذائي. وتؤكد خطابات النوايا المرافقة لمراجعات قروض صندوق النقد لمصر على أهمية "خفض الدعم غير الموجه".
ورود هذه الصياغة بشكل متكرر في الوثائق التي أُعدت بالاشتراك مع خبراء صندوق النقد الدولي يشير إلى توجيهات الصندوق الصريحة بإنهاء الدعم الغذائي بصورته القديمة، أي أن يكون متاحًا للفقراء والطبقة الوسطى أيضًا.
يمهد الصندوق لهذا الهدف من خلال التأكيد على الاستمرار في "تكافل وكرامة"، باعتبارها البديل للدعم الحالي في المدى الطويل، ويصنف هدف التوسع فيها كمعيار هيكلي لاتفاقاته، أي أنه شرط أساسي لإتمام مراجعة الاتفاق، بتعبير آخر في حال عدم تنفيذه يمكن أن يتراجع الصندوق عن سداد باقي أقساط القرض.
تحت هذا التصور، فُرضت شروط عدة تهدف إلى استبعاد كل من لا يقع تحت نطاق العوز الشديد من منظومة التموين الحالية.
بدأ ذلك في 2016 عندما أعلنت وزارة التموين لأول مرة عن معايير لاستحقاق الدعم، ومنذ ذلك الحين، تُدولت العديد من النسخ والتوضيحات المختلفة في الصحافة (مصاريف دراسية تتجاوز 20 ألف جنيه، سيارة موديل 2018 أو 2025 تتجاوز قيمتها مليون جنيه، فاتورة كهرباء تتجاوز 800 جنيه شهريًا.. إلخ).
كما واجه العديد من المواطنين تطبيقات متعسفة لهذه المعايير، مع تراكم أخطاء قواعد البيانات، ونقص المعلومات؛ حيث يكتشف المواطنون فجأة استبعادهم من المنظومة عند توجههم للمخبز أو بقال التموين، إضافة إلى الصعوبات التي يواجهونها في تقديم التظلمات، ما يثير مخاوف جادة بشأن خطة الاستهداف الجديدة للحكومة.
وحسب بيانات متداولة، تستهدف عملية الاستبعاد الحالية جعلَ مستفيدي "تكافل وكرامة" الفئة الأولى بالحصول على الدعم الغذائي. وهذا قد يبدو إجراءً منطقيًّا، لكنه يستند إلى فرضية مفادها أن الأكثر فقرًا هم فقط من يحتاجون حقًا إلى المساعدة الغذائية، رغم أن الضغوط الاقتصادية تؤثر على قطاع واسع من السكان.
تشير أحدث تقديرات الفقر الموثوقة إلى أنه في عام 2023، شكّل الفقراء 35.7% من السكان في مصر، وبإضافة أعداد القريبين من الفقر قد نصل إلى نسبة تعادل نصف السكان، بينما يغطي برنامج "تكافل وكرامة" أقل من 20% من السكان، فهل يمكن حقًا افتراض أن النسبة غير المغطاة بهذه المعاشات لا يحتاجون إلى الدعم لضمان أمنهم الغذائي؟
يبدو تصور صندوق النقد الدولي سطحيًّا للغاية، فالاستهداف يخلق عملية اختيار تعسفية تجعل من الفروق الدقيقة أساسًا للاستبعاد، وتتجاهل الفقراء الذين لا يمكن حصرهم لافتقارهم إلى الوثائق اللازمة لإدراجهم. على العكس من ذلك، فإن تحسين ظروف المعيشة العامة من خلال السياسات الاجتماعية الشاملة للطبقة الوسطى والفقيرة معًا (الأمن الغذائي، الحصول الشامل على الرعاية الصحية، مجانية المواصلات، السكن الاجتماعي، والتعليم الجيد) يمنع أسر الطبقة العاملة من السقوط في أتون الفقر المدقع عند أدنى صدمة حياتية (فقدان الوظيفة، المرض.. إلخ). كما أن الحفاظ على الدعم العيني الشامل له تأثير إيجابي على ضبط الأسعار العامة.
بالتالي، لا يبدو المنطق الحاكم للإصلاحات الحالية لمنظومة الدعم الغذائي قائمًا على استبعاد "المواطنين غير المستحقين" لتحسين وضع الفئات الأكثر احتياجًا، بقدر ما هو تطبيق لعملية غربلة، حتى لو كانت تعسفية، بهدف تقليل عدد المستفيدين وتخفيف العبء المالي على الموازنة الحكومية. بذلك تتحول الوسيلة، وهي الاستهداف، إلى غاية في حد ذاتها.
بنهاية عقد من سياسات إعادة هيكلة الدعم، تحت إشراف صندوق النقد الدولي، بما حمله من تصورات تميل لفرض الطابع التجاري على المنظومة، وتحولِ سياسات هذا الدعم بما لا يتماشى مع ضغوط المعيشية، لا يبدو أن السلطة ستحيد عن اتباع النهج ذاته، إنما ستستمر في تقليص الدعم دون أن يكون هناك أي تأثير لانتهاء اتفاقات مصر التمويلية.