تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2025
ولاء الأقباط

طوبى للودعاء لأنهم لا يُشنقون.. عن المواطنة المشروطة وأشياء أخرى

منشور الأحد 18 تشرين الأول/أكتوبر 2026

مشهد واحد من فيلم خلاويص الكوميدي لخالد الحلفاوي (2018) ينتقد جهل بعض المساجين بأساسيات الصلاة، كان كافيًا لحبس ستة شباب مسيحيين حين أعادوا تمثيله على تيك توك ضمن آلاف من المستخدمين الذين نشروا مقاطعهم عن نفس المشهد، بعد اتهامهم بـ"استغلال الدين بقصد نشر أفكار متطرفة والتعدي على أحد الأديان التي تؤدى شعائرها علنًا".

وطبقًا لبيان المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أوضح الشباب المقيمون بعزبة طانيوس بقرية طحا الأعمدة التابعة لمركز سمالوط في المنيا، خلال التحقيقات، ومن بينهم طفل لم يتم الثامنة عشرة، أنهم صوروا مقطع الفيديو ونشروه بشكل عفوي ثم حذفوه بعد ساعات إثر تحذيرات من أصدقائهم، لكن أحد سكان القرية أعاد نشره مستنكرًا محتواه، لتتوالى بعد ذلك التعليقات التحريضية ضد الشباب وأسرهم وجميع مسيحيي القرية.

لم يكن غريبًا -كالعادة- أن يثير الموقف غضب كثيرين ممن رأوا في تصرف هؤلاء "النصارى" تطاولًا على الصلاة، رغم أن آلافًا غيرهم تصرفوا بنفس الطريقة دون استنكار مماثل. لكنْ لم يفسح أحد للمنطق أيَّ مساحة لرؤية المشهد من زاويته الحقيقية، لأن ديانة الشباب وموقعهم الجغرافي داخل محافظة تغلي بالعنف الطائفي كل فترة كانت كافية تمامًا لإدانتهم. لم يكن الهدف الدفاع عن المقدسات بقدر ما كان تذكيرَ هؤلاء الشباب بحدودهم، وبالموقع الذي يفترض أن يلتزموه داخل موازين القوى الاجتماعية والدينية الحاكمة لتلك القرى والنجوع.

اللافت كان تعليقات وبوستات عدد كبير من المسيحيين أنفسهم، الذين وجهوا لومًا قاسيًا إلى الشباب، لا لأنهم ارتكبوا فعلًا أساء لأحد، وإنما لأنهم مسيحيون يفترض بهم أن يكونوا أكثر حذرًا في تصرفاتهم، وأن يلتزموا بالحدود والمعايير التي رسمها لهم المجتمع، حتى عندما يتعلق الأمر بما قد يمارسه غيرهم دون أزمة، لأن انتماءهم الديني يُحمّلهم مسؤولية مضاعفة. وهنا سيطر على عقلي سؤال؛ إلى أي مدى يمكن للخوف المتراكم من العنف أن يدفع أفراد جماعة معينة إلى إدراك القيود المفروضة عليهم والتأقلم معها بل وإعادة إنتاجها في صورة قواعد أخلاقية بديهية لضبط سلوك الجماعة ككل بدلًا من المطالبة بحقوقهم كمواطنين متساويين؟!

قالب واحد لكتلة واحدة 

يتعامل مجتمعنا مع أي أقلية باعتبارها كتلة واحدة متجانسة الآراء والأفكار والسلوك، وأن فردًا واحدًا يمكنه التعبير عن البقية. يكتسب المجتمع هنا تصوراته الذهنية من أساطير صارت مُسلَّمات بسبب كثافة تكرارها. 

ولا يتوقف هذا الاختزال عند محو الفوارق الفردية بين أبناء الأقلية وحسب، لكنه يمتد أيضًا إلى تحميلهم مسؤولية جماعية عن أفعال لم يرتكبوها لمجرد اشتراكهم في هوية واحدة، مثلما تكرر في محافظة المنيا عدة مرات في الآونة الأخيرة؛ شائعة أو حادثة عن مسيحي واحد كافية تمامًا لمهاجمة وحرق بيوت كافة مسيحيي القرية في عقاب جماعي لا يستثني أحدًا. 

وبشكل شخصي، أذكر في عام 2020 أن عددًا من زملائي في الجامعة طالبوني بالاعتذار بعد أزمة الرسوم المسيئة للرسول، لأجيب بشيء من الصرامة أني لم أرسم شيئًا مسيئًا لأحد حتى أعتذر عنه! كان من الواضح أنهم يتعاملون معي بمنطق الكتلة الواحدة لاشتراكي -بالنسبة لهم- في الهوية الدينية مع الأجانب المسيحيين بالضرورة. 

لكنَّ مسيحيين آخرين يقيمون في قرى ومجتمعات مغلقة، ولأسباب تتعلق بخبراتهم السابقة، شاركوا في حملة "إلا رسول الله" واستخدموا "الهاشتاج" على صورهم الشخصية ومنشوراتهم التي تتبرأ من الرسام الفرنسي، ليأمنوا شر العقوبات الجماعية أيضًا.

ثيمة الاعتذار الجماعي هذه متكررة في قضايا وحوادث مختلفة، فكان على مسيحيي عزبة طانوس التي ينتمي لها الشباب الستة الاعتذار رسميًا لأهل القرية كلها بحضور ممثل كنسي رسمي. وأن يثبتوا بشتى الطرق أنهم جميعًا يختلفون مع زكريا بطرس الكاهن الذي أذيعت تصريحاته الطائفية منذ فترة. 

كذلك، يقبل عدد ليس بالقليل الحظر المجتمعي لتناول الطعام والشراب في نهار رمضان، وغيرها من التصرفات الطبيعية، باعتبارها أفعالًا تسبب "استفزازًا للجانب الآخر وإثارةً لمشاعره"، وكأنها قانون مُلزم.

هذه الأمور كلها، تفسرها المغالطة المنطقية التي تضم مفهوم الذنب بالارتباط، فيشير المعنى إلى إسناد اللوم أو الشبهة أو المسؤولية إلى شخص بسبب ارتباطه بشخص آخر أو جماعة معينة، دون وجود دليل مستقل على مشاركته في الفعل محل الإدانة أو تأييده له. وتفسر فلسفة خطابات الكراهية وصم فرد معين على خلفية انتمائه لجماعة محددة وتحميله اللوم سواء عن واقعة فردية أو عن التصورات الذهنية عن جماعته. 

كما في السماء كذلك على الأرض

طرح عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو نظرية العنف الرمزي في سبعينيات القرن الماضي، إذ لا يقتصر العنف على فرض الهيمنة بالقوة المباشرة، بل يمتد إلى استبطان الخاضعين له التصورات والمعايير التي يقوم عليها، حتى تبدو لهم طبيعية وبديهية، ومن هذا المنطلق لا ينظر الأفراد إلى الامتناع عن أي ممارسة على أنها حق تم التنازل عنه، بل سلوك حكيم وواجب اجتماعي.

إذا حاولنا فهم دوافع بعض الذين لاموا الشباب على فيديو تيك توك، فسنجد مزيجًا من العوامل التي ربما تكون مشتركة أو ذات خصوصية، لكنها تبرز التاريخ الطويل من الاضطهاد والمعاناة الذي يختلط في الذاكرة المسيحية بتاريخ موازٍ من الصمود والمقاومة ومحاولات الحفاظ على الوجود والهوية، وهذه الخبرات المتراكمة تترك لدى بعض الأفراد تصورًا بأن المتاعب المرتبطة بالانتماء الديني أمر متوقع، وأن تجنب الصدام أحد شروط الاستمرار بأقل الخسائر الممكنة. 

وفي العصر الحديث، تعززت هذه المخاوف لدى بعض المسيحيين بفعل خبرات متكررة أيضًا تتعلق بعدم إنصافهم بشكل حقيقي في مواقف مختلفة اجتماعيًا مثل الاعتداء عليهم ثم هدر حقوقهم من خلال الجلسات العرفية، أو تداول المسيحيين فيما بينهم بعد كل حادث طائفي جمل مثل "المجرم طبعا هيطلع مختل عقليًا" أو حتى عدم ثقتهم في الأحكام على غرار ما حدث في واقعة سيدة الكرم، لذا قد تدفع هذه الخبرات بعض الأفراد إلى تبني منطق "المشي جنب الحيط"؛ أي تجنب المواجهة، والابتعاد عن كل ما قد يثير غضب الآخر.

وتتغلغل هذه الفكرة في أبسط تفاصيل الحياة اليومية، مثل التطبيع مع سماع خطابات الكراهية في الخطب أو الأدعية أو التعليقات اليومية على السوشيال ميديا؛ ليصبح جزءًا معتادًا من المشهد، ليس بالضرورة لأنه مقبول ولكن لأن البعض تعلم التعايش معه ويرى أن الاعتراض عليه سيكلفه أكثر مما سيكسبه. 

على الجانب الآخر يعزف الوعظ الروحي داخل الكنائس النغمة ذاتها، أننا لسنا أبناء هذا العالم أو في العالم سيكون لكم ضيق، وإعادة إنتاج أفكار الاضطهادات والغفران المرتبطة بالمجد السماوي والأكاليل النورانية. هذه الأفكار قد تعطي بعض الأفراد مدخلًا لتفسير التمييز والعنف ضدهم على أنه جزء من التنبؤات والوعود الإلهية وأن احتمالها بحكمة الحيات مخرجًا أفضل، بل أحيانًا يصل الأمر إلى تنشئة الجيل الأصغر على تقبل أقسى أنواع العنف على أنه علامة من علامات الإيمان القوية والمطلوبة. كما حدث في خدمة مدارس الأحد إذ ألبس أحد الخدام الأطفال ملابس إعدام تشبه تلك التي ارتداها شهداء ليبيا لتمثيل المشهد والتطبيع مع اعتياده، بدلًا من تصويره ككارثة وتعليمهم أننا نستحق حياة خالية من الترصد والرعب.

في الوقت نفسه ينطلق المدافع عن فكرة حبس الشباب الستة لإهانتهم الصلاة الإسلامية، من قناعته الشخصية المحافظة التي لا تريد تفهم أي خلفيات للموقف بقدر ما تحب أن تضمن نفس العقوبة لأي شخص سيهزأ من مقدسات فيما بعد، بما يعني إرساء قاعدة ازدراء الأديان.

الثمن.. مواطنة مشروطة

طرحت المؤرخة الأمريكية إيفلين بروكس مفهوم "سياسات الاحترام" لتحليل الاستراتيجيات التي تبنتها النساء السود داخل الكنائس المعمدانية في الولايات المتحدة خلال أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، في مواجهة التمييز العنصري. 

وأشارت من خلال المفهوم إلى سعي الجماعات المهمشة لاكتساب الاعتراف والاحترام الاجتماعي عبر الالتزام بمعايير أخلاقية وسلوكية، مثل الانضباط والاحتشام والتعليم، بهدف تحدي الصور النمطية السائدة عنها، ورغم أن هذه الممارسات شكلت وسيلة للمقاومة، فإنها انطوت على مفارقة تتمثل في إمكانية إعادة إنتاج المعايير التي تفرضها الجماعات المهيمنة، وتحميل أفراد الجماعة المهمشة مسؤولية إثبات جدارتهم بالاحترام، بدلًا من الاعتراف بحقوقهم وكرامتهم دون شروط.

ولا يبدو هنا أن أسس قبول المسيحي في المجال العام يمكن قراءتها بمعزل عن نفس الفكرة ومجموعة التوقعات المسبقة بشأن سلوكه، فالمسيحي (الكويس)، وفق هذه الصورة المتخيلة، هو الذي يتجنب الصدام، ويتحاشى ما قد يفسر باعتباره استفزازًا للأغلبية، ولا يرفع صوته بالشكوى من التمييز، ويحرص باستمرار على تأكيد انتمائه الوطني، حتى في المواقف التي يكون فيها هو الطرف المتضرر، وعليه أن يتحمل وحده عبء حفظ السلام والوحدة الوطنية. 

في النهاية، بالطبع لا ألوم المسيحيين الذين لاموا الشباب الستة، لكل الأسباب السابقة، لكني مهتمة بطرح بعض الأسئلة ربما أجد إجاباتها يومًا ما، وهي أسئلة تخص غموض المعايير التي يطلب من المسيحيين الالتزام بها، وفي مقدمتها مفهوم الاستفزاز نفسه. فما الذي يجعل سلوكًا ما مستفزًا أو لا؟ وأعرف من يملك سلطة تحديد ما يجوز التعبير عنه وما ينبغي تجنبه في كل مجتمع على حدة، لكن بأيها نلتزم؟ فحدود الاستفزاز ليست ثابتة، وما يراه البعض تصرفًا عاديًا أو ممارسة لحرية شخصية، قد يراه آخرون تجاوزًا يستوجب الاعتذار أو العقاب. 

والأهم من كل ذلك، من يضمن أن الالتزام بهذه المعايير -غير المعروفة- سيمنع وقوع الاعتداءات أو التمييز أصلًا؟ وإذا كان تجنب الاستفزاز هو الثمن المطلوب للحفاظ على السلامة والقبول الاجتماعي، فأين تنتهي قائمة المحظورات؟ وما الشروط الجديدة التي يمكن أن تضاف إليها كلما تم اعتبار سلوك آخر خروجًا عن الصورة المقبولة! 

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.