أسوشيتد برس/ناتاشا بيسارينكو
لولا دا سيلفا يخاطب أنصاره في انتخابات الرئاسة البرازيلية، 25 أكتوبر 2026

درس لولا دا سيلفا في هزيمة اليمين المتطرف.. أحمر أزرق أفضل كثيرًا من البني

العودة إلى الجبهة الشعبية بتحالف اليسار والليبراليين في مواجهة اليمين المتطرف

منشور الاثنين 26 تشرين الأول/أكتوبر 2026

وأخيرًا فاز لولا دا سيلفا بفترة جديدة لرئاسة البرازيل في أول انكسار كبير لليمين المتطرف الصاعد عالميًّا منذ وقت طويل. رغم تحقيق اليسار بعض النجاحات الانتخابية، فإنها لا تزال إلى الآن نجاحات موضعية متناثرة في مقابل صعود منظم لليمين المتطرف بلغ ذروته بعودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض لولاية ثانية شعارها تحقيق برنامج اليمين الأمريكي المتطرف بمنتهى الراديكالية وبدون أي محاولة للتجميل أو أي نزعة اعتذارية.

تساقطت دول أمريكا اللاتينية في يد اليمين المتطرف واحدة تلو أخرى. بدأ الأمر بترامب الأرجنتيني، خافيير ميلي في 2023، ثم خوسيه كاست في تشيلي في مارس/آذار الماضي محل المناضل الطلابي غابرييل بوريك، ثم كيكو فوجيموري ابنة الديكتاتور البيروفي ألبرتو فوجيموري، الذي كان رمزًا للفساد والرأسمالية المتطرفة في أمريكا اللاتينية، وأخيرًا حل اليميني المتطرف إسبرييلا في كولومبيا محل المناضل اليساري غوستاف بيترو.

كل ذلك برعاية من إدارة ترامب التي أطلقت عقيدتها الاستراتيجية بعنوان مبدأ دونرو، معلنةً ضرورةَ هيمنة الولايات المتحدة على نصف الكرة الغربي باعتباره دائرة نفوذ أمريكية خالصة، وقد شرعت الإدارة بالفعل في تنفيذ مخططها عبر اختطاف الديكتاتور اليساري في فنزويلا، نيكولاس مادورو، ونهب النفط الفنزويلي بشكل علني في محاولة لإقناع الجمهور اليميني المتطرف في الولايات المتحدة بجدوى المغامرات الترامبية الفاشلة.

كسر الموجة

كانت البرازيل على وشك السقوط في هذه الحمأة اليمينية بعودة فلافيو بولسنارو نجل جائير بولسنارو الذي تنظم حول رئاسته اليمين البرازيلي المتطرف بتحالف الإنجيليين (25% من البرازيليين)، والمزارعين الأغنياء، والمستثمرين الراغبين في التخلص من القيود البيئية التي تفرضها حكومة لولا لحماية غابات الأمازون وما تبقى من مناطق السكان الأصليين.

رفعت الشعبوية البولسنارية شعار استعادة النمو الذي تحقق في السبعينيات في ظل الحكم العسكري بعد أن عطله لولا، في زعمهم، بجانب حماية الثقافة البرازيلية المسيحية المحافظة التي يهددها اليسار بدفاعه عن قضايا مثل الحق في الإجهاض.

وبالفعل جاءت نتائج الجولة الأولى لصالح فلافيو بولسنارو، الذي نال ما يزيد عن 56 مليون صوت متقدمًا بأكثر من مليوني صوت على لولا الذي حل ثانيًا. لكن النتائج انقلبت في الجولة الثانية، إذ حصل لولا على 64 مليون صوت، بزيادة نحو 10 ملايين صوت عن الجولة الأولى في مقابل حصول منافسه على نحو 59 مليون صوت بزيادة 3 ملايين صوت. 

فكيف يمكن تفسير هذا الانقلاب في الأصوات بين الجولتين؟ وما الدرس السياسي الذي يمكن الخروج به من تلك التجربة في كسر اليمين المتطرف؟

تحالف اليسار والوسط

يحظى حزب العمال البرازيلي (حزب لولا) بقاعدة واسعة في الشمال الشرقي، وهي منطقة اتسمت تاريخيًّا بالفقر الشديد وانتشار الإقطاع. لكن سياسات لولا الاجتماعية خلال فترتيه الأوليين بين 2003 و2010 أسهمت في بناء قاعدته الشعبية هناك. في المقابل، تهيمن البولسناريزمو على الجنوب الغربي حيث ينتشر المزارعون الأغنياء والمحافظون اجتماعيًّا.

بين هاتين المنطقتين تقع ولاية ميناس جيرايس التي تضم 10 في المائة من إجمالي القاعدة الانتخابية في البرازيل (نحو 160 مليون ناخب). في الجولة الأولى، خسر لولا الولاية بفارق نحو نصف مليون صوت، أما في الجولة الثانية فقد فاز بها بفارق 100 ألف صوت تقريبًا، وهي الولاية الوحيدة التي حقق فيها هذا الانقلاب في النتائج. 

عمومًا، زاد عدد الناخبين من 119 مليون مصوّت تقريبًا في الجولة الأولى إلى 124 مليون مصوّت في الجولة الثانية. يعني ذلك أن الماكينة الانتخابية لحزب العمال وحلفائه نجحت في حشد نحو خمسة ملايين صوت لصالح لولا، بجانب نحو خمسة ملايين صوت آخرين حصل عليهم على الأرجح من بين من صوّتوا لصالح مرشحي الأحزاب الأخرى في الانتخابات.

يعني ذلك سياسيًّا أن كتلة واسعة من ناخبي الوسط هم من حسموا الانتخابات لصالح اليسار، وكسروا الموجة اليمينية المتطرفة.

ليست هذه مفاجأة في البرازيل. فصعود لولا إلى الرئاسة سنة 2003 جاء تتويجًا لتفاهمات واسعة أبرمها مع قوى الوسط وحتى اليمين التقليدي، وهي تسويات قامت بالأساس على حماية المصالح المرتبطة بتلك التيارات والتخلي عن أي سياسات جذرية من شأنها أن تهددها. أدى ذلك بالفعل إلى انشقاقات في صفوف حزب العمال جراء الانزعاج من الاعتدال المفرط الذي أبداه لولا ترضيةً واستقطابًا لتلك الفئات، وهو ما تعمق خلال حكم ديلما روسيف، خليفة لولا.

لكن منذ 2014 أخذت هذه القوى التي تتمثل بالأساس في حزبي الحركة الديمقراطية والديمقراطيين الاجتماعيين تتخلى عن حزب العمال، وشاركت في الانقلاب على ديلما روسيف وعزلها، ثم في المؤامرة اليمينية التي قادها القاضي الفاسد سيرجيو مورو. وفي الانتخابات الأخيرة، خاضت تلك الأحزاب الانتخابات ضد لولا وبولسنارو في الجولة الأولى، ثم أعلن مرشحوها، وهم رونالدو كايادو (من الديمقراطيين الاجتماعيين) وأوجستو كيري (حزب أفانتي) تأييد بولسنارو في الجولة الثانية، وكذلك فعلت أغلب فروع حزب الحركة الديمقراطية.

لكن قواعد هذه الأحزاب لم تستجب على الأرجح لتوجيهات أحزابها. فقد حصل المرشحون كايادو وكيري وسانتوس في الجولة الأولى على نحو 8,5 مليون صوت، منهم 2,5 مليون صوت للمرشح اليميني رينان سانتوس الذي لم يؤيد مرشح اليمين المتطرف بولسنارو، بل وهاجمه بشدة، لكن كثيرًا من ناخبيه، في أقل تقدير، صوتوا لصالح بولسنارو على أسس أيديولوجية.

يعني ذلك إجمالًا أن الأغلبية الكاسحة (نحو خمسة ملايين صوت تقريبًا) ممن صوتوا لكايادو وكيري قد صوتوا لصالح لولا في الجولة الثانية، وهو ما يفسر زيادة عدد أصواته بعشرة ملايين صوت، هي الخمسة ملايين الذين حشدوا في الجولة الثانية ولم يشاركوا في الأولى، بجانب خمسة ملايين أخرى استقطبوا ممن صوتوا لمرشحي الوسط.

باختصار، فاز لولا بأصوات ناخبي الوسط بالأساس، وليس فقط بقواعد اليسار، وهو تصويت مدفوع على الأرجح برغبة هؤلاء الناخبين في إسقاط مرشح اليمين المتطرف أكثر مما هو مدفوع بجاذبية اليسار. وكان مجرد عزوف هؤلاء عن التصويت كفيلًا بسقوط لولا.

العودة إلى الجبهة الشعبية

يصعد اليمين المتطرف في لحظات الأزمات. فالكساد العظيم أفرز صعود النازية في ألمانيا والحركات الفاشية في أوروبا. كما ازدهرت الموجة الجديدة من اليمين المتطرف بعد الأزمة المالية العالمية في 2008.

لا يعني ذلك أن تلك الحركات مدفوعة فحسب بأصوات الغضب العقابي لدى شرائح الخاسرين البسطاء من تلك الأزمات. بل هي حركات تعبر عن اتجاهات ثقافية عميقة في المجتمعات تجد في لحظات الأزمة فرصةً للانفجار والتعبير عن نفسها. فاليمين الأمريكي لم يولد بعد 2008، ولم يحصل في الواقع على كثير من الأصوات الإضافية بقدر ما جرى تجذيره عندما وجد فرصة للانفجار والتعبير عن عنصريته المتطرفة من خلال واجهة سياسية مثل دونالد ترامب. لا يختلف الحال فيما يخص قواعد اليمين الفرنسي التي هي هي نفسها القواعد الفاشية التي كانت تؤيد بحماسة الاستعمار الاستيطاني في الجزائر.

هذا الاعتراف بالبعد الثقافي العميق لليمين هو ما تصر التحليلات اليسارية على إغفاله أو تزييفه، أي ادعاء أنه وعي زائف (أيديولوجيا) يروجها اليمين المتطرف لخداع قواعد تعود جذور غضبها إلى دوافع اقتصادية، وهي تحليلات تتجاهل عمق الدافع الديني لدى إنجيلي متطرف في الولايات المتحدة أو البرازيل، أو لدى فرنسي فاشي تربى على كراهية العرب والمسلمين والسود، أو حتى لدى شخص محافظ تقليدي قلق من تحويل الحق في التحول الجنسي أو حرية الميل الجنسي إلى دعوة لابنه المراهق للتشكك في نوعه أو ميله الجنسي.

صعدت الموجة الأولى لليمين المتطرف خلال العشرينيات والثلاثينيات في وقت انقسم فيه اليسار بعد الثورة الروسية بين الأحزاب الاشتراكية التقليدية والأحزاب الشيوعية التي تبنت النهج اللينيني السوفيتي. تبنى الكومنترن (اتحاد الأحزاب الشيوعية الذي تأسس في روسيا) سنة 1928 سياسةً أطلق عليها سياسة الفترة الثالثة، ومفادها أن المرحلة الثورية الأولى التي تلت الحرب العالمية الأولى اتسمت بهزيمة الانتفاضات العمالية، ثم تلت ذلك مرحلة ثانية نجحت فيها

 الرأسمالية في التماسك وتقوية مواقعها، والآن تبدأ مرحلة ثالثة تتصدع فيها الرأسمالية وتحتشد الطبقة العاملة للانقضاض عليها. 

وفقًا لذلك، فإن واجب الأحزاب الشيوعية هو السعي إلى مزيد من تعبئة الطبقة العاملة ضد الرأسمالية، ورفض أي تحالف مع قوى الوسط ضد الحركات الفاشية الصاعدة.

لكن هذه السياسة انتهت بشكل كارثي سنة 1933 عندما صعدت النازية في ألمانيا على حساب الديمقراطيين الاجتماعيين والشيوعيين كليهما، بل وعلى حساب الليبراليين واليمين التقليدي المحافظ. واضطر الكومنترن لاحقًا إلى تبني سياسة الجبهة الشعبية التي دعت إلى التحالف بين القوى الديمقراطية لمواجهة الموجة الفاشية.

في مقابل الرعونة اليسارية، مارست الليبرالية خيانات مدفوعة بالفزع من الصعود اليساري، ومفضلة يمينًا رأسماليًّا متطرفًا على أي سياسات اشتراكية. فمن المعروف منذ العمل الرائد للمؤرخ الفرنسي دانيال جرين الفاشية وكبار رجال الأعمال، أن قطاعًا واسعًا من رأس المال الكبير في ألمانيا دعم صعود النازية فزعًا من الشيوعية، ومستجيبًا لنداء هتلر في اجتماعه مع الصناعيين الألمان سنة 1933: "إن المشاريع الخاصة لا يمكن أن تحيا في ظل الديمقراطية"، ووصف روبرت باكستون في كتابه تشريح الفاشية كيف تواطأ التيار المحافظ التقليدي مع الحركات الفاشية.

ومن الناحية النظرية، عرض إشاي لاندا التناقض الذي يقع في لحظات الأزمات يبن الليبرالية الاقتصادية والليبرالية السياسية، حيث تحتاج حماية المشاريع الخاصة إلى سلطوية تقمع الحريات، وقدم آباء النيوليبرالية فريدريك فون هايك وميلتون فريدمان شاهدًا تاريخيًّا لذلك عندما دعما السلطوية العسكرية في تشيلي طالما كانت ضرورية لقمع الاشتراكية.

بعد الانقلاب اليميني في بوليفيا سنة 2019، قال المفكر اليساري ونائب الرئيس البوليفي وقتها ألفارو جارسيا لينيرا إن في أوقات الأزمات، يقف وراء كل ليبرالي معتدل وجه فاشي. في المقابل، يتحدث المؤرخون الليبراليون أحيانًا عن تحالف الأحمر والبني، أي تمازج الشعبوية اليسارية الحمراء والشعبوية اليمينية البنية (كانت ميليشيا العاصفة النازية ترتدي قمصانًا بنيةً). يتحدث اليمين العالمي اليوم، ويردد وراءه اليمين العربي، عن أن كل يساري هو إسلامي متخفٍ. ولدى المؤرخين الليبراليين حججهم عن التمازج الأحمر البني كالاتفاق الألماني السوفيتي سنة 1939.

لكن المسألة الآن ليست في البحث التاريخي أو النظري عن وشائج الصلة بين اليسار والليبرالية والفاشية، وإنما في التقاط الدرس التاريخي الذي تجسده براعة لولا دا سيلفا السياسية اليوم في درس برازيلي: إن تحالف أحمر أزرق، يسار ليبرالي، أفضل كثيرًا للجميع من أي هيمنة بنية يقودها اليمين المتطرف.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.