إضاءة برج خليفة في دبي بشعار سويفل بعد بيعها بسعر قياسي بلغ مليار ونصف دولار. الصورة: صفحة سويفل الرسمية - فيسبوك
-

سويفل نموذجًا: الأعمال الصغيرة لا تكبر في مصر

منشور الأحد 8 أغسطس 2021

 

تناقل الآلاف في مصر خبر قيد شركة النقل الجماعي سويفل في البورصة الأمريكية خلال الأيام الماضية، وانتقالها من شركة ناشئة في مصر إلى بورصة ناسداك، حيث جسد مؤسس الشركة الشاب، مصطفى قنديل، نموذجًا واعدًا للثراء والنجاح في عالم الأعمال.

لكن هذا النجاح لم يتحقق في مصر، رغم أن نسبة كبيرة من أعمال سويفل تدور في شوارع البلاد، فقد احتاج قنديل لأن يؤسس شركته في إمارة دبي حتى يصل إلى العالمية.

دفعت الصبغة الإماراتية لقصة نجاح قنديل بعض الخبراء للتحذير من أن تتحول إلى رسالة مفادها أن النجاح غير ممكن في مصر، فما هي الأسباب التي أدت بنا إلى ذلك؟

قصة شركة وميني باص

بدأ قنديل في تأسيس شركته قبل نحو أربع سنوات، حيث شرع الخريج حديثًا من هندسة البترول في الجامعة الأمريكية مع زملاء دراسته محمد نوح وأحمد صباح في دراسة السوق المصري، وبحثوا في أنماط معيشة الطبقة الوسطى التي يتراوح دخلها الشهري بين 4 آلاف إلى 23 ألف جنيه، حتى توصلوا لفكرة مشروع نقل تشاركي يعتمد على الميني باص وليس السيارة الخاصة.

يطلق على هذا النوع من الشركات الشركات الناشئة (Startups)، والمقصود به تلك الكيانات التي تتأسس برؤوس أموال صغيرة لكنها تحمل أفكارًا واعدة، ويعتمد مؤسسوها على جمع التمويلات من شركاء كبار لكي تتوسع الشركة في أعمالها، وهو ما فعله قنديل من خلال مجموعة من الجولات الترويجية جمع خلالها ملايين الدولارات لكيانه الوليد.

وبينما كانت الشركة تخطو خطوات جيدة على مستوى الانتشار، قرر قنديل الانتقال إلى دبي ليفتتح مقره الرئيسي هناك بحثًا عن انطلاقة عالمية، وفي 2018 كانت السمعة العالمية للشركة في أحسن أحوالها، فقد تم اختيار قنديل ضمن الشباب العربي الأكثر تأثيرًا من مجلة فوربس الأمريكية.

توسع نشاط سويفل خارج مصر، في دول مثل الأردن وكينيا، معتمدة على قدرتها على توفير المواصلات الرخيصة نسبيًا لأبناء الطبقة الوسطى في كل بلد، أو كما يصفها الرئيس التنفيذي لشركة كوينز جامبيت، فهي "تحل التحديات المعقدة وتمكّن السكان المحرومين".

وكوينز جامبيت هي الشركة التي اندمجت مع سويفل في يوليو/ تموز الماضي، وكانت بوابتها لدخول بورصة ناسداك، لم يكن غريبًا على شركة مثل جامبيت الالتفات لكيان مثل سويفل، إذ إن الشركة تأسست بهدف اقتناص الفرص من خلال صفقات الاستحواذ والاندماج وغيرها.

الوصول لمرحلة التعامل مع شركاء كبار وعالميين مثل جامبيت هو طموح رواد أعمال مثل قنديل، فهو يعني أن رأس المال المتاح لشركتك الوليدة سيتضخم بشكل متسارع، ومعه تزداد فرص الربح، وخلال صفقة استحواذ جامبيت على سويفل تم تقييم الأخيرة بـ 1.5 مليار دولار ، وهو رقم بالغ الارتفاع قياسًا لأحجام الشركات الناشئة في منطقتنا العربية.

قصص أخرى من مصر

لم يكن قنديل رائد الأعمال الوحيد الذي اتجه إلى الخارج، فهناك الكثير من الشباب المصري تطلعوا لتحقيق نفس الحلم على أرض غير مصرية.

شركة "المنتور" من أوائل الشركات الناشئة التي طرقت الباب الإماراتي، حيث تأسست في 2016 وتتخذ من دبي مقرًا إقليميًا لها، لكن الشريك المؤسس مصري تخرج من الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا بالإسكندرية، الدكتور إيهاب فكري.

و"المنتور" منصة تعليمية تتبع طريقة التعليم الذاتي عبر الإنترنت من خلال مجموعة من الفيديوهات التثقيفية في مجالات مختلفة.

بدأ فكري رحلته كغيره عبر طرح مواد تثقيفية في علوم الإدارة من خلال قناة على يوتيوب. أغرى الانتشار الكثيف لفيديوهاته الكثيرين لمحاكاة تجربته، ليصبح أحد رواد هذا المجال.

ساعدت جائحة كورونا فكري على نشر ثقافة التعليم عن بعد، وذلك بعد لجوء المدارس والجامعات إلى طرح مناهجها على الشبكة العنكوتية، فكما يقول "مبدأ التعليم عن بعد لم يكن متواجداً في المنطقة العربية، وساعدتنا كورونا للترويج عنه".

أنشئت الشركة قبل وصول فيروس كورونا للمنطقة العربية، لكن زيادة الاعتماد على الإنترنت عززت من انتشار المنصة، ليصل عدد متابعي صفحة المنتور على فيسبوك حوالي 800 ألف شخص. 

وبحسب فوربس، استطاعت المؤسسة الحصول على عدد من التمويلات، وصلت إلى 14.5 مليون دولار.

وتقدم مي مدحت نموذجًا آخر على النجاح من دبي، والوصول إلى غلاف فوربس كواحدة من أشهر رواد الأعمال المصريين.

وشاركت مي التي تخرجت من جامعة عين شمس سنة 2009، في تأسيس منصة "إيفنتس" لتنظيم الفعاليات والمؤتمرات والحفلات والتعرف على برامج الرحلات عام 2012، واتخذت الشركة من دبي مقرًا لها إلى جانب فرع في القاهرة ومكتب في الرياض.  واستطاعت أن توسع نشاطها لتصل إلى 35 دولة.

وهناك أيضا كراود أنالايزر، التي تأسست في مصر عام 2013 على يد شابين مصريين هما أحمد سعد وبهاء جلال، بهدف رصد وتحليل المحتوى العربي واللهجات الدارجة على وسائل التواصل الاجتماعي، لكنها اليوم تتخذ من دبي مقرا لها.

اللافت أن الشركة واحدة من مخرجات برنامج الحاضنات التكنولوجية، التابع لوزارة الاتصالات المصرية. لكن يبدو أن دبي خطفت الأضواء بعد ذلك، فاستقرت أعمالهم هناك.

لماذا دبي؟

وفقًا لمجلة فوربس، تحتضن الإمارات وحدها مقرات 33 شركة من أصل قائمة تضم 50 شركة ناشئة هم الأكثر حصولًا على التمويل في الشرق الأوسط، فيما تحتل مصر المركز الثالث بواقع أربع شركات، بعد السعودية بسبع شركات.

"دبي أفضل بيئة أعمال في الشرق الأوسط وهذا معروف للجميع، القوانين واضحة والمعاملات سريعة ونظام المحاكم متطور والبنية التحتية متطورة" كما يقول رجل أعمال مصري أسس شركة في مجال التكنولوجيا بدبي، تحدثت معه المنصة لكن طلب عدم ذكر اسمه.

ويضيف "النجاح من خلال شركة في دبي أمر ليس صعبا  من حيث الإجراءات وإن كان لا يخلوا من التحديات، يجب أن تكون فكرة الشركة واعدة وملائمة للانتشار في أسواق متعددة وثقافات مختلفة".

لا تفرض حكومة الإمارات ضرائب دخل على الشركات باستثناء شركات النفط، وفروع البنوك الأجنبية، وهو أحد أبرز عوامل الجذب القوية، ويستطيع البلد الخليجي أن يستغني عن الضرائب في ظل ما يتمتع به من إيرادات نفطية ضخمة، مقارنة بمصر التي تعاني من محدودية الإيرادات ما يضطرها لفرض ضرائب تصل لنسبة 22.5% من الدخل.

لكن الأمر لا يقتصر على العبء الضريبي، فبحسب تعليق لمي مدحت، فإن بيئة دبي في مجملها أكثر تيسيرًا من مصر "في دبي إجراءات التسجيل واضحة ومحددة ومختصرة ويتم تسهيل وتذليل العقبات لها بكل الطرق، لكن فى مصر الامور كانت أكثر تعقيدًا وغير واضحة المعالم" كما قالت في حوار سابق.

ويعبر مؤشر ممارسة الأعمال، الصادر عن البنك الدولي، عن الفوارق التي تتحدث عنها مدحت ولكن في صورة أرقام.

ويصنّف مؤشر ممارسة الأعمال الإمارات في المركز الـ 16 عالميًا من حيث سهولة ممارسة أنشطة الأعمال، في حين تحتل مصر المركز الـ 114.

يعكس هذا المؤشر بشكل كبير التفوق الإماراتي في الإجراءات والمرونة التي يقدمها قطاع الأعمال في كل دولة لتسهيل إجراءات التأسيس والعمل في الأنشطة الاقتصادية المختلفة.

وبجانب السياسات العامة لتيسير الإجراءات، هناك حوافز يتم تقديمها لقطاعات محددة، كما يلفت رجل الأعمال المصري الذي تحدثنا معه وهو يشير إلى اهتمام دبي بمجال التكنولوجيا والبرمجة على وجه التحديد، والذي يعد الركيزة الأساسية للكثير من الشركات الناشئة.

وشرعت الإمارات في الفترة الأخيرة في استقطاب المبرمجين حيث أتاحت لهم فرصة الحصول على الإقامة في البلاد.

الانطلاق من الخارج للعالمية

الاتجاه لدبي لا ينبع فقط من الرغبة في العمل في ظل إجراءات ميسرة، أو الانتشار في الأسواق الخليجية، ولكن البعض يرى أن التواجد في إمارة لديها سمعة قوية في مجال البيزنس يمنحهم فرصا أكبر للتقارب مع مجتمع الأعمال الدولي، عكس العمل من مصر.

"أقصر الطرق للحصول على حصة تمويلية تساعد شركتك على الانتشار هو التسجيل في مكان آخر يمنح المستثمر الثقة ويعفيه من بعض الالتزامات التعاقدية والضريبية" كما يقول يحي السقا، أحد رواد الأعمال المصريين.

ولا تقتصر الوجهات المنافسة لمصر على دبي، فقصة نجاح السقا جاءت من مكان آخر، وهي إنجلترا، التي تحتل المركز الثامن في مؤشر ممارسة الأعمال.

بدأ السقا، الذي تخرج في جامعة الإسكندرية 2012، رحلته كمبرمج وأسس شركته الخاصة في مجال البرمجيات مع شريك له. وخلال السنوات الماضية تحول نشاطه من شركة خدمات تكنولوجية إلى شريك تقني في الشركات الصغيرة.

نجحت شركته في إصدار عدد من التطبيقات، أشهرهم "علاجي"، الذي يمكنك من خلاله البحث عن الأدوية و مستحضرات التجميل في كل الصيدليات المحيطة بك.

وفي نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، استحوذت شركة ابن سينا فارما، المدرجة في البورصة المصرية، على 75% من "علاجي تك" المالكة للتطبيق، في صفقة بقيمة 25 مليون دولار.

ويرى السقا أن سمعة رواد الأعمال في مصر ليست جيدة، مما يقلل من فرص تنمية الشركات داخل البلاد والوصول لمرحلة استحواذ المستثمر الأجنبي "الكثير من المستثمرين في مصر يتعاملون بمنطق التجار يبحثون عن ريح وقتي ويقيمون الأمور بشكل خاطئ، لذا قلما ما يتوافر مستثمر ذكي يستوعب السوق ويقدر الخسائر".

كيف تصبح مصر في وضع أفضل؟

بيد أن الصورة ليست قاتمة في مصر، إذ يشير استبيان حديث بعنوان "ريادة الأعمال في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا 2021"، إلى أن ريادة الأعمال صار لها شعبية مهمة وسط المصريين.

بحسب الاستبيان، يفكر 57% من الموظفين  المصريين حاليًا في تأسيس أعمالهم التجارية الخاصة، بينما صرح 10% فقط أنهم لم يفكرون مطلقًا بتأسيس شركتهم الخاصة.

أحمد الشركسي، أحد رواد الأعمال الذين بدأوا نشاطهم في لندن، لكنه يرى أن الوضع في مصر يسير في طريق التحسن.

"مجتمع ريادة الأعمال في مصر واعد لكنه يشوبه البطء بسبب البيروقراطية" كما يقول للمنصة.

يعمل الشركسي في مجال التطبيقات الخاصة بالتعليم، وبالرغم من استقراره في لندن لا يزال يحافظ على صلته بمصر، حيث تعد مصر واحدة من الأسواق التي يروج فيها خدماته، إلا أنه لا ينوي العودة للعمل بشكل دائم من داخل البلاد، على الأقل في هذه المرحلة، فلا يزال هناك فارق كبير بين سهولة الأعمال في لندن مقارنة بالقاهرة.

"في مصر لا أستطيع أن أخطو حركة واحدة بدون محاسب بسبب التعقيدات الإدارية والمالية. يحتاج هذا العالم إلى أن تكون الحكومة أسرع على مستوى الاستجابة والتشريع وتطوير المناهج التعليمية وتعزيز التواصل مع الشركات الناشئة" كما يقول للمنصة.

انطباعات رواد الأعمال المصريين عن ضرورة الخروج من البلاد من أجل النجاح تثير قلق بعض المراقبين في مصر، ففي أعقاب نشر خبر دخول سويفل لبورصة ناسداك، نشر رئيس البورصة الأسبق ماجد شوقي مقالا، يحذر فيه أن نجاح سويفل من خارج مصر جرس إنذار للاقتصاد المصري، ممهدا لضرورة تطبيق إصلاحات جديدة تمهد الطريق أمام هذا الشباب الواعد.

ويتحدث الخبير القانوني مصطفى موسى، عن إصلاحات محددة، في سياق تعليقه أيضا على صفقة سويفل، حيث يركز على مراجعة تشريعات سوق المال والتمويل حتى تسمح بكل الفرص المتاحة لحصول الشركات الناشئة على التمويل من الكيانات الكبرى، ولا يضطر الرواد المصريون للخروج من البلاد من أجل الوصول للتمويل.

ويحذر موسى أيضا من استمرار الوضع الحالي، فقد أصبح لدينا "ما يشبه العرف والرأى السائد بين أوساط تلك الشركات أنه يجب أن تلعب مباراتك المهمة من الخارج".