لا تحلموا بـ"ظُهر" جديد فـ"إيني" لا تعد بمعجزات
جدد إعلان شركة "إيني" الإيطالية مؤخرًا عن استثمارات ضخمة بقيمة 8 مليارات دولار الآمالَ في تحقيق طفرة إنتاجية تُوقف نزيف الاستيراد الذي وصل لمستويات قياسية. لكنَّ مصدرًا في إدارة الشركة، فضل عدم نشر اسمه، قال لـ المنصة إن الاستثمارات لا تستهدف اكتشاف حقل جديد بحجم "ظُهر" (قبالة بورسعيد) الذي يصعب تكراره، كما أن الحقل الذي افتتحه الرئيس عبد الفتاح السيسي في 2018 لن يعود إلى مستويات إنتاجه السابقة بالغة الارتفاع.
يتطابق تقدير المصدر مع توقعات خبراء يرون أن الاستثمارات الجديدة المعلنة لشركات استخراج الغاز في مصر وإن كانت ستعزز الإنتاج المحلي، لكنها لن تكون قادرةً على إخراج البلاد من دائرة العجز إلى فائض الإنتاج، في المدى المتوسط.
لماذا لن يعود "ظهر" إلى القمة؟
في عام 2019، منح حقل ظهر، مصر، فرصةَ تحقيق فائض تجاري، بعد أن تجاوزت الصادرات الواردات، بدعم من ارتفاع الإنتاج المحلي.
لكن منذ 2023 بدأ الإنتاج المحلي في التدهور، تزامن ذلك مع تقارير تتحدث عن تراجع الإنتاج في "ظهر"، ورجح محللون أن يكون تأخر مستحقات "إيني"، المكتشفة لـ الحقل، دفعها للتباطؤ في الإنتاج نوعًا من الضغط على صانع القرار.
وفق تصريحات لرئيس الوزراء مصطفى مدبولي، جرى التوصل إلى اتفاق مع شركات استخراج الغاز الأجنبية يقضي بإعادة هيكلة المستحقات المتأخرة، وقال مدبولي قبل أيام إن المستحقات ستنخفض إلى 1.2 مليار دولار في يونيو/حزيران المقبل، ما يعني أن الدولة ستكون سددت 5 مليارات من هذه الديون خلال عامين.
لا ينفي المصدر بـ"إيني" أن "السنوات الأربع الماضية الأخيرة شهدت نوعًا من التباطؤ غير المعلن، لم يكن توقفًا صريحًا، وإنما جاء في إطار ضغوط على الحكومة المصرية بسبب تأخر سداد المستحقات المالية"، لكنه يؤكد على على أن تراجع الإنتاج سيستمر دون ربط الأمر بمسألة الديون؛ "خلال السنة الأولى من عمل الحقل كان ينتج نحو 3.4 مليار قدم مكعب يوميًا، وهي معدلات كبيرة تسببت في انهيارات متتالية داخل الحقل".
يوضح المصدر أن حقل ظهر أُرهق بمعدلات إنتاج مرتفعة في بداية إنتاجه، ولم يعد ممكنًا استعادة هذه المعدلات في الفترة المقبلة لما يمثله من خطر على الحقل نفسه، لافتًا إلى أن الآثار السلبية التي ظهرت على الحقل نتيجة الضغط عليه للوصول لمعدلات إنتاج كبيرة اضطرت الشركة إلى النزول بمعدلات إنتاجه إلى المستوى الراهن عند نحو 900 مليون قدم مكعب يوميًا.
يشار إلى أن الحقول البحرية الكبيرة، كما يوضح المصدر، "لا تُشغل عند أقصى طاقتها لفترات طويلة، لأن سرعة تدفق الغاز بين الطبقات الصخرية قد تؤدي إلى اضطرابات جيولوجية وتسرب مياه إلى الآبار".
ما وجهة الاستثمارات الجديدة؟
يصرح المصدر في الشركة الإيطالية بأن الاستثمارات التي أعلن عنها ستمتد بين عامي 2026 و2032، وستشمل أعمالًا في حقل ظهر بجانب استثمارات في مناطق آبار أخرى تتبع للشركة مثل حقلي نرجس (قبالة ساحل العريش في سيناء) والنورس (قبالة ساحل دمياط).
وأعلنت إيني في 2020 عن بئر جديدة للغاز في منطقة النورس الكبرى على ساحل البحر المتوسط، تلاها في 2023 اكتشاف بئر نرجس -1 شرق المتوسط.
لكن الآبار الجديدة أقل حجمًا من "ظهر" بفارق كبير، ويكشف المصدر أن الإنتاج اليومي المتوقع من "نرجس" سيكون نحو 600 مليون قدم مكعب يوميًا، ومن "النورس" 100 مليون قدم مكعب يوميًا، منوهًا بأنها لن تحقق الاكتفاء الذاتي لمصر، لكنها ستعوض التراجع الطبيعي في الإنتاج وتقلل الاعتماد على استيراد الغاز المسال.
يفيد المصدر بأن تكرار اكتشاف مماثل لحجم حقل ظهر ليس مستحيلًا، لكنه يظل أمرًا نادرًا جدًا، خاصة في منطقة شرق المتوسط التي أصبحت تراكيبها الجيولوجية معروفة بدرجة كبيرة بعد سنوات من التقدم الاستكشافي.
أين تقف الشركات الأخرى؟
حتى وإن عجزت إيني عن تكرار معجزة ظهر، يرى الخبير البترولي جمال القليوبي أن شركات أخرى أعلنت برامجها الاستثمارية مؤخرًا، مؤملًا أن تساهم في زيادة الإنتاج من الغاز بشكل ملموس.
"بي بي البريطانية كان لديها مؤخرًا برنامج استثماري بـ3.5 مليارات دولار، وأركيوس إنرجي الإماراتية لديها برنامج آخر بـ3.7 مليار دولار، وهي استثمارات تستهدف التوسع في عمليات الحفر والاستكشاف والتنمية"؛ يقول القليوبي لـ المنصة، متوقعًا أن تزيد قدرتنا على جذب هذه الاستثمارات بفضل سداد النسبة الأكبر من المتأخرات المستحقة لشركات الاستكشاف الأجنبية.
وبينما لا ينكر الخبير البترولي رمضان أبو العلا دور الشركات العاملة في السوق المصرية بتحقيق اكتشافات عدة مؤخرًا، فإنه ينبه إلى محدودية قدرتها الإنتاجية؛ "يتم الإعلان حاليًا عن اكتشافات في حدود 50 أو 100 مليون قدم مكعب يوميًا، وهي فجوة كبيرة جدًا لا يمكنها أن تعيد التوازن للسوق"، يقول لـ المنصة.
وتشمل آخر الاكتشافات البترولية بئر "شمال البسنت -1" و"جمانة - 1" و"الفيوم 6"، إلا أن الإنتاج المتوقع منها هي الأخرى سيكون محدودًا مقارنة بحجم إنتاج "ظهر".
يحذر أبو العلا من المبالغة في توقعات قدرة الاكتشافات الجديدة على إعادتنا للنقطة التي وصلنا لها في 2021 بالاقتراب من معدلات الاكتفاء الذاتي.
"وفقًا للمعلومات المتاحة حاليًا، لا أرى من المنظور القريب إمكانية عودة سريعة للاكتفاء الذاتي، ولا يمكن بناء تفاؤل حقيقي على اكتشافات محدودة يتم الترويج لها إعلاميًا"، يقول أبو العلا.
تبرهن الاستثمارات الكثيفة للدولة المصرية في تأجير سفن تغيير الغاز المسال المستورد من الخارج على أن الاقتصاد المصري سيظل رهينَ الاعتماد على الاستيراد، إلا إذا تكررت معجزة "ظهر"، وهو الأمر التي يبدو مستبعدًا في توقعات الخبراء الراهنة.