في سنوات مبارك، ارتقى طنطاوي سلم النظام حتى صار على درجة أقرب الأقربين منه. - تصميم: أحمد بلال- المنصة

المشير طنطاوي: رحيل الرجل الثاني

منشور الثلاثاء 21 سبتمبر 2021

"اسمحولي أوجه التحية له لوحده، السيد المشير حسين طنطاوي" بتلك العبارة حيّا الرئيس عبد الفتاح السيسي المشير طنطاوي عام 2019 خلال الاحتفال بالذكرى السادسة واﻷربعين لانتصار أكتوبر، تقديرًا للدور الذي لعبه الرجل فترة ما قبل الحرب، حين كان في الصفوف العسكرية.

ارتبط اسم طنطاوي منذ السبعينيات وحتى رحيله اليوم، الثلاثاء 21 سبتمبر/ أيلول عن عمر 85 سنة، بالألقاب الرسمية، وانطبعت صورته في الأذهان بالزي العسكري خلف الرئيس الأسبق حسني مبارك لسنوات، ثم بجوار خلفه محمد مرسي لشهور لم تطل. كتب مرسي نهاية مشوار طنطاوي مع القوات المسلحة في أغسطس/ آب 2012، عقب هجوم رفح الإرهابي.

لكن تلك النهاية بين طنطاوي والقوات المسلحة، لم تُغيّب له ذكرًا عن المجال العام، فالرجل ظلّ حاضرًا في كثير من الأحداث والأحاديث، لاسيما المرتبطة بمؤسستي الرئاسة والقوات المسلحة في عهد السيسي، الذي حرص دائمًا على تكريم الساعد الأيمن والرجل الثاني خلال عهدين، رغم الاختلاف التام بين أفكار وخلفيات قادتهما.

النوبي عسكريًا

كان التاريخ هو 31، اليوم اﻷخير من شهر أكتوبر/ تشرين الثاني، لعام 1935، حين استقبل حي عابدين بالقاهرة الطفل محمد حسين طنطاوي سليمان، لأسرة نوبية سكنته من أقصى الصعيد، محافظة أسوان.

في العاصمة، بدأ الطفل مشواره التعليمي بحفظ القرآن في الكُتّاب، ومنه انتقل للتعليم النظامي لينال الشهادة الثانوية من مدرسة الخديوي إسماعيل، قبل أن يلتحق بالجيش ضابطًا بسلاح المُشاة في 1 أبريل/ نيسان 1956، بالتوازي مع دراسته بالكلية الحربية، ليلتحق بعدهما بكُلية الحرب العُليا التابعة لمعهد ناصر، ويحصل منها على ماجستير العلوم العسكرية.

رحلة طنطاوي العسكرية لم تقتصر على التدريبات أو الدراسة فحسب، بل كان لها جانب عملي، فهو المقاتل في ثلاث حروب خاضتها مصر خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وهي 1956 ويونيو/ حزيران 1967، وأكتوبر 1973.

في تلك الحروب، خدم طنطاوي في العسكرية عبر مواقع مختلفة، إذ تدرج بين مناصب كان أولها قائد كتيبة مُشاة، الكتيبة 16، التي قادها خلال حرب أكتوبر، وتحدث عنها في تسجيل قديم حين كان ما يزال عميد أركان حرب، وكشف فيه أنهم كانوا من استبق القوات إلى عبور القناة، بدفعهم عناصر اقتناص الدبابات.

 

في التسجيل، ظهر أركان الحرب معتزًا بكتيبته، التي لم تخسر في العبور إلاّ شهيد واحد، فخورًا بما خاضته من معارك خلال حرب أكتوبر، خصّ بالذكر منها معركة المزرعة الصينية التي حكى تفاصيلها، وما تزال حتى اليوم مرتبطة باسم طنطاوي، كلما أتى لها ذكر في وسائل الإعلام.

مجد الثمانينيات

في سنوات مبارك، ارتقى طنطاوي سلم النظام حتى صار على درجة أقرب الأقربين منه، وما تزال أذهان شباب وأطفال التسعينات تختزن حتى الآن صورته بجوار مبارك في العروض العسكرية والفعاليات المختلفة.

في تلك الأعوام، انتقل طنطاوي بين عدّة مناصب مهمة، كانت بدايتها قائد الجيش الثاني الميداني، لكن النقلّة اﻷهم كانت اختيار مبارك له قائدًا لقوات الحرس الجمهوري، ومنها تسلّم بعد أعوام منصبه الأبرز واﻷهم: القائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع في 1991.

بهذا القرار، ظل المجد الذي لمسه طنطاوي في الثمانينات مصاحبًا له في العقد التالي، إذ شهدت أعوامه ترقيته لفريق أول، وهي الرُتبة التي ترقى منها بعد عامين فقط، تحديدًا في 1993، إلى مُشير، كما شهدت حصوله على تكريمات، كان منها ميدالية تحرير الكويت، التي كانت مصر بين المشاركين في معاركها ضد العراق، في تحالف عربي برعاية أمريكية.

الولايات المتحدة، ووفقًا لما يذكره موقع جلوبال سيكوريتي، هي الدولة التي أدركت خلال أعوام التسعينات ثبات طنطاوي، سواء في موقعه أو على مستوى فكره، فقررت حثّه على الانخراط في شراكة أوسع وأكثر مرونة معها، مبنية على تحقيق أهداف استراتيجية مشتركة بين القاهرة وواشنطن، تتمثل في أمور أبرزها أمن الحدود ومكافحة الإرهاب وحفظ السلام والدفاع المدني.

من تلك المحطات وبناءً على هذه المهام، كانت الحكومات تتغير، وتتبدل وجوه أعضائها ورؤسائها، ويبقى طنطاوي ثابتًا في موقعه لا مساس به، سواء وقت كانت المقاليد بيد مبارك وحده، أو حتى حين بدأ ابنه الصاعد سياسيًا جمال يدلي بدلوه في تسيير الأمور خلف الكواليس.

تركة مبارك

ضج الشعب بتدخلات الابن التي أدنته من وراثة عرش البلاد، وخرجت الحشود للشوارع غاضبة ترفع مطلب الرحيل، ليتحقق لها اﻷمر ويعلن الرجل "تخليه" عن منصبه، وتوكيل المجلس العسكري بتسيير أمور البلاد؛ فتسود البلاد حالة من اﻷمل، ويردد الثوار أغنيات وطنية صارت من مفضلاتهم، ويكرر بعضهم مشاهدة فيديو شهير لأحد القادة العسكريين يؤدي التحية لشهدائهم، قبل أن تنتهي فترة الأحلام الثورية، وتبدأ مواجهات بين المدنيين وقوات من الجيش، لم تؤثر على نظر بعض وسائل الإعلام الرسمية لطنطاوي باعتباره "حمى الثورة".

 

مانشيت جريدة الأخبار: المشير طنطاوي.. بطل حمى الثورة- الصورة: جريدة الأخبار

لم تمر سوى أيام بعد التنحي حتى تبدّلت الأحوال، وساءت العلاقة بين الفريقين، العسكري الحاكم والشعبي الثائر، في ظل عدم وفاء اﻷول بوعده بتحقيق مطالب الثاني، بل والمُضي قُدمًا في اتخاذ إجراءات ضد إرادته، كان أبرزها اقتراحات التعديلات الدستورية التي لم تلق قبولاً إلاّ من جماعة الإخوان المسلمين والسلفيين.

في عهد المجلس أيضًا، شهدت البلاد وقائع أثارت غضبًا شعبيًا، كان أبرزها حرق كنيسة صول بمركز أطفيح بمحافظة الجيزة، وكذلك "فحوص العُذرية" التي تحوّلت لقضية رأي عام على مدار شهور نظرها، لتنتهي ببراءة الطبيب المتهم فيها بحكم من المحكمة العسكرية.

وكان لهذه المحكمة، العسكرية، دور في قضية رأي عام أخرى وقعت أحداثها تحت حكم المجلس، في أكتوبر 2011 وهي "أحداث ماسبيرو"، التي سقط فيها ضحايا مسيحيين خلال فض قوات من الجيش لاعتصامهم، وانتهى نظر القضية في عهد الإخوان بحكم سجن 3 مجندين بتهمة "القتل الخطأ"، والسجن المشدد 3 سنوات، بتهمة "سرقة سلاح ناري تابع للقوات المسلحة. وتبعتها مذبحة بورسعيد التي دعا طنطاوي في تصريحات مربكة الشعب لعدم السكوت على ما حدث.

خروج آمن

المواجهات العنيفة لم تقتصر على مذبحتي ماسبيرو وبورسعيد ومجلس الوزراء ومحمد محمود وغيرها، ففترة حكم المجلس العسكري شهدت العديد من اﻷحداث، قبل أن يُسلّم طنطاوي مقاليد الحكم إلى الرئيس الجديد للبلاد محمد مرسي، الذي كتب نهاية مشوار طنطاوي مع القوات المسلحة في أغسطس/ آب بإحالته ورئيس الأركان سامي عنان إلى التقاعد، وذلك في أعقاب الهجوم الإرهابي المعروف إعلاميًا بـ"مذبحة رفح اﻷولى".

رحل طنطاوي عن منصبه، وبعد أقل من عام رحل الإخوان، ليعود طنطاوي للصورة، وينال تكريمات، بصورة مختلفة وفي مناسبات عديدة، كان من بينها إنشاء مسجد بمنطقة التجمع الخامس يحمل اسمه، وبإنتاج أعمال رسمية تمجّد فيه أيضًا، وفي "مسيرة عطائه".

 

السيسي يوجه التحية لطنطاوي في الندوى التثقيفية للقوات المسلحة أكتوبر 2019


المشير طنطاوي، الاسم الذي حملته أيضًا عام 2018 الدفعتين 112 حربية، و47 المعهد الفني للقوات المسلحة، تكريمًا لعسكري وصفه الرئيس السيسي بأنه "تحمل ما لا تتحمله الجبال" في زمن الإخوان الذي تجاوزه الرجل إلى عهد جديد، ظل فيه متمسكًا بموقعه، ثانيًا مع الرجل الأول، ولو كان الموقع هذه المرّة شرفيًا، بظهوره في تسجيلات وصور مجاورًا للحاكم، دون مناصب رسمية.