تصميم أحمد بلال، المنصة
انتخاب هشام بدوي رئيسًا للبرلمان، 12 يناير 2026

هشام بدوي.. كاتم أسرار السلطة رقيبًا عليها

منشور الثلاثاء 13 كانون الثاني/يناير 2026

في مشهد بدا محسومًا سلفًا، اُختير المستشار هشام بدوي رئيسًا لمجلس النواب، ليتوج مسيرة طويلة من عمله في مواقع حساسة جعلت منه ابنًا مخلصًا للسلطة و"أمين سرها".

عُرف الرجل إعلاميًا لشغله منصب المحامي العام الأول لنيابات أمن الدولة العليا لنحو 12 سنة بدأها في عام 2000 وحتى 2012. ووفقًا للسير الذاتية التقليدية التي تتيحها الحكومة عن مسؤوليها، تخرج بدوي في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1980، والتحق بالنيابة العامة بوظيفه معاون عام 1981.

أثناء عمله في نيابة أمن الدولة، تولى التحقيق في قضايا مشهورة مثل خلية حزب الله عام 2009، وقضايا أخرى تتعلق بالحركات الجهادية والتكفيرية، وذكر القيادي الإخواني الراحل عصام العريان في مقال نشره عام 2009، أن بدوي حقق معه عام 1995 على مدار حوالي 20 جلسةً، ووصف التحقيقات بأنها كانت "ممتعة.. أكثر من 100 ساعة من الأسئلة والأجوبة".

في مقاله، وجه العريان لبدوي رسالة ذكره فيها بصداقتهما الإجبارية وتعارفهما الإلزامي بحكم التحقيقات، طالبًا منه الإفراج عن قيادي إخواني سجين ومريض.

بعد تدرج بدوي في العمل القضائي بنيابة أمن الدولة العليا، تحت رئاسة النائب العام الأسبق عبد المجيد محمود، وصولًا إلى توليه منصب محاميها العام الأول، غاب عن المشهد لشهور مع عودته للقضاء تزامنًا مع رحيل محمود عن منصب النائب العام، بموجب الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس الأسبق محمد مرسي، ليعود بدوي بعد رحيل مرسي كأحد الوجوه القضائية التي برزت في أعقاب 2013.

وعندما تولى رئيس نادي القضاة الأسبق أحمد الزند وزارة العدل، كان بدوي أحد رجاله المقربين، فانتدبه الزند مساعدًا لوزير العدل لإدارة مكافحة الفساد، وخلال هذه الفترة برز كأحد صانعي سياسات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في الفترة ما بين 2013 و2016، وهي الفترة التي شهدت إدخال تعديلات جوهرية على القانون الصادر عام 2002، تضمنت إعادة تشكيل وحدة مكافحة غسل الأموال وتوسيع صلاحياتها في مكافحة الإرهاب تحديدًا.

كما شهدت هذه الفترة نشاطًا لافتًا في أداء لجان وزارة العدل للتحفظ على أموال جماعة الإخوان المسلمين، وذلك قبل صدور قانون تنظيم الكيانات الإرهابية الذي رتب التحفظ على تلك الأموال كأثر مباشر للإدراج على قوائم الإرهاب، وذلك بعد صدور أحكام من القضاء الإداري ببطلان قرارات التحفظ على الأموال الصادرة عن لجان، بوصفها لجان إدارية حتى ولو كانت مشكلة من قضاة، لما في ذلك من مخالفة لمبدأ حماية الملكية المكفول قانونيًا ودستوريًا، والذي يحظر التحفظ على الأموال إلا بقرارات قضائية تصدرها المحاكم.

في 2015 عين بدوي نائبًا لرئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، وبعد نحو عام فقط أُطيح برئيسه المستشار هشام جنينة، فكُلف بدوي برئاسة الجهاز في أغسطس/آب 2016 لأربع سنوات، جددت لمدة أخرى وانتهت في 2024.

لم يكن وصول بدوي للمنصب في 2017 حدثًا عاديًا؛ فقد جاء في أعقاب عاصفة "تصريحات الفساد" التي  أطلقها جنينة، وأكد خلالها أن تكلفة الفساد تجاوزت خلال عام 2015 الـ600 مليار جنيه، إذ أدت تلك التصريحات إلى تدخل السلطة تشريعيًا وإصدار قانون حالات إعفاء رؤساء وأعضاء الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية من مناصبهم، والذي انتهى إلى الإطاحة بجنينة في مارس/آذار 2016.

وشهدت ولاية جنينة، من سبتمبر/أيلول 2012 وحتى إقالته، انفتاحًا على إتاحة المعلومات المتعلقة بما يرصده الجهاز من مخالفات، كما شهدت انتعاشًا في التناول الإعلامي لتقاربر وبيانات الجهاز، حسب دراسة نشرتها مؤسسة حرية الرأي والتعبير في سبتمبر 2019.

مهمة "إسكات الضجيج"

وبناء عليه، ومنذ اللحظة الأولى لرئاسته للجهاز، بدا واضحًا أن مهمة بدوي الأساسية في منصبه الجديد هي "إسكات الضجيج"؛ وسرعان ما اختفت التقارير الجهاز الرقابي عن الإعلام، وتوقف الحديث عن المخالفات المالية وشبهات الفساد في المصالح والهيئات العامة، والتي كانت تتصدر الصحف في عهد جنينة.

ويؤكد مصدر على درجة وكيل وزارة سابق بالجهاز لـ المنصة أن بدوي "نجح جدًا" في مهمة التعتيم، مشيرًا إلى أن سياسة الحجب لم تقتصر على الإعلام، بل امتدت لتشمل عدم عرض تقارير الجهاز السنوية على الجلسات العامة بالبرلمان لسنوات طويلة، كما كان يحدث في عهد رئيس الجهاز الأسبق جودت الملط على سبيل المثال، على حد قول المصدر الذي ذكّر بمواجهات الملط الشهيرة للحكومة في البرلمان في أواخر عهد مبارك.

ويقارن المصدر، الذي طلب عدم نشر اسمه، بين حقبة بدوي وحقبة الملط، الذي وصفه بالرئيس التاريخي للجهاز، مشيرًا إلى أن الأخير كان يحرص على مناقشة كل مخالفة بنفسه مع أعضاء الجهاز، ويواجه الحكومة بجرأة في البرلمان.

وفي المقابل، يرى المصدر أن امتناع بدوي عن عرض التقارير ومناقشتها علنًا قد يعود إلى"قلة خبرته في الجانب الفني المحاسبي" واعتماده الكلي في هذا الأمر على مساعدين فنيين له، مما جعله يتجنب المواجهة مع النواب.

وفي رئاسة مجلس النواب، جاء اختيار بدوي، ليرجح كفته على أسماء قانونية وقضائية بارزة، مثل رئيس مجلس القضاء الأعلى الأسبق محمد عيد محجوب، ورئيس مجلس الدولة السابق عادل عزب، والفقيه الدستوري صلاح فوزي أستاذ القانون العام بجامعة المنصورة وعضو لجنة الإصلاح التشريعي.

وكانت الترجيحات تميل لمحجوب قبل اختيار بدوي لرئاسة البرلمان بوصفه أبرز شخصية قضائية بالمجلس، لكن القرار الرئاسي بتعيين بدوي، ضمن 28 عضوًا آخرين بالمجلس، رجح كفته ومهد له الطريق نحو المنصة.

فهل ينجح بدوي بعد انتقاله من أدواره المقربة من الحكومة، حاملًا معه إرثًا من "الكتمان"، إلى موقعه الجديد على قمة الهرم التشريعي، في أن يكون صوتًا للشعب ومراقبًا على الحكومة؟