سبيلبرج أثناء تصوير قصة الحي الغربي - IMDB

سبيلبرج في الحي الغربي: البحث عن أسلوب سينمائي مميز

منشور السبت 25 ديسمبر 2021

أتُهم ستيفن سبيلبرج فى بداياته بأنه مجرد موضة هوليودية، وأنه بلا قضية ولا أسلوب خاص ولا نظرة بعيدة، ووصف بمخرج التكنولوجيا الفائقة والإنتاج الضخم، ربما كان ذلك رأي ذا وجاهة فى السبعينيات والنصف الأول من الثمانينيات، عندما قدم سبيلبرج عددًا من الأفلام المسلية والخفيفة والمبهرة فى تقنيتها، لكنه فاجأ الجميع فى عام 1985 بفيلم اللون القرمزى الإنساني دون خيال علمي، دون رعب أو تقنيات متقدمة، حيث يتناول بكثير من الحساسية قصة معاناة عائلة من السود، وكأنه أراد حينها أن يصرخ فى كل من انتقدوه طوال عشر سنوات مضت أنه مخرج مميز ولا يرتكن إلى التكنولوجيا فقط كما يدّعون.

لا يدعي سبيلبرج نفسه أنه صاحب أسلوب مميز وثابت، فيقول فى أحد حواراته أنه يغبط مخرج مثل سكورسيزى، الذى يصنع أفلامًا ببصمته "أما أنا فحكاء ماهر للقصص، أخدم ما كتبه المؤلف وأحكى القصة بشكل جيد، ولكني لن أطبعها بطابع معين، بخلاف مخرجين مثل أورسون ويلز وهيتشكوك وسكورسيزى لهم أسلوب واضح ومميز... أنا أقرب لمايكل كورتيز (مخرج كازابلانكا) وفيكتور فليمنج (مخرج ذهب مع الريح)، هما أيضًا كانا بلا أسلوب، يستطيعان التأقلم بسرعة والانتقال من فيلم عن الجنة والحياة الأخرى لفيلم آخر عن الحرب الأهلية، يستطيعان تناول العديد من الأفكار المختلفة، ويفعلان كل ذلك بشكل جيد".

طريق سبيلبرج الذي لا يعرفه

ليس لسبيلبرج مدرسة أسلوبية ثابتة تجمع أفلامه، فهو شديد التنوع، أو كما يقول فى حوار آخر نٌشر ضمن كتاب فرانك لا بولا ستيفن سبيلبرج، "أحيانًا أهجر الأسلوب من أجل المحتوى"، غير أن كل هذا لا يتعارض مع كونه صاحب طريقة ما فى حكي القصة، طريقة قائمة على التوتر، وهو الملمح الأساسى الذي يظهر منذ فيلمه الاحترافى الأول المبارزة، وسيستمر فى كل أعماله التالية، سواء تلك التي تدور فى أثناء الحرب العالمية الثانية أو بعد قرن من الزمان، وسواءً كانت الأحداث واقعية أو متخيلة، أو كان بالفيلم ديناصورات أو أسماك قرش مفترسة أو مخلوقات فضائية.

أعتقدُ أن سبيلبرج بات منشغلًا بسؤال الأسلوب والقيمة بشكل أكبر مع تقدمه فى العمر، ربما وقف فى منتصف الطريق ونظر خلفه وسأل نفسه ما السمة الغالبة على أفلامي السابقة إذا استبعدنا منها بعض الأعمال التجارية مثل سلسلة إنديانا جونز، فلمع أمام عينيه فيلمه الأشهر قائمة شندلر ثم وقعت عينه على اللون القرمزي، ومن بعدهما أميستاد، فتلك أفلام عبرت عن معاناة الأقليات فى مجتمعات رفضت الاختلاف، وهو ما يسرى بشكل ما على فيلم إمبراطورية الشمس، وبشكل رمزى في إي تي، ربما قرر في تلك اللحظة أن هذه فكرة تعبر عنه وتُعرفه وتجمع عددًا من أفلامه، فضم إليها لاحقا أفلام ميونيخ ولينكولن وجسر الجواسيس، وقد نضيف إليها فيلمه صالة الوصول عن فيكتور نوفورسكى التائه بلا وطن. يبدو هذا الخيار مناسبًا لطبيعة سبيلبرج، الذى اشتهر فى مطلع التسعينيات بنبي اليهود الجديد، ففكرة الأقليات والاغتراب تليق بيهودي معاصر كما قدم ستيفن نفسه للعالم.

ويبدو لي أيضًا أن هذه الأفكار التى تشغل عقل سبيلبرج حول الأسلوب دفعته نحو قصة الحى الغربي، فقائمة أفلامه الطويلة المتنوعة ينقصها فيلم غنائي، فما بالك بواحد عن اضطهاد الأقليات وعدم تقبل الآخر؟ وماذا لو كان صناع نسخته المسرحية الأصلية أربعة من اليهود؟

 

الإعلان التشويقي لفيلم قصة الحي الغربي


قدمت المسرحية لأول مرة فى النصف الثانى من الخمسينيات على مسارح برودواي، كان سبيلبرج حينها فى حوالى العاشرة من عمره، واحتفظ بـشريط كاسيت لأغانيها، سمعه عشرات المرات وعندما أصبح أبًا صوَّر بكاميرته الشخصية بعض مشاهد المسرحية وأطفاله يحركون شفاههم تزامنًا مع الأغاني فى الخلفية.

في مطلع الستينيات تم تقديم الحبكة نفسها كـفيلم سينمائي من إخراج جيروم روبينز وروبرت وايز، وحقق الفيلم نجاحًا عالميًا واسعًا وحصد عشر جوائز من الأوسكار، وتقوم قصة الفيلم على فكرة مسرحية شكسبير الشهيرة روميو وجوليت، ولكن بعد أن تم زرعها فى غرب نيويورك، في مانهاتن، حيث تقع قصة حب مفاجئة بين شاب من أصل بولندى وفتاة من بورتوريكو، الأول عضو سابق وصديق لعصبة "جيتز" ذوي البشرة البيضاء والمناهضين لوجود البورتوريكيين فى حيهم، أما الفتاة فهى أخت برناردو، زعيم جماعة "شاركس" البورتوريكية، وهكذا تبدأ الحرب على خلفية قصة الحب التى لا تستمر إلا لليلتين.

ربما تربط بسهولة بين لقاء الحبيبين الثاني وبين مشهد الشرفة عند شكسبير، ولكن ما من شرفات فخيمة هنا، فهذه بيوت فقيرة ومتلاصقة، حيث وقع اللقاء فيما يشبه "المنور"، بينما يتعلق توني على سلالم خلفية وأسلاك حديدية، وهو المشهد الذى استُخدم كأفيش أو بوستر للفيلم الجديد.

تختلف النسخة الجديدة عن سابقتها في بعض التفاصيل الدقيقة، وإن أبقت على الهيكل الأساسي، كما تبدو الشخصيات أكثر وضوحًا فى نسخة سبيلبرج، فصار البناء السينمائى أقوى وأكثر تماسكًا، حيث يقول سبيلبرج إنه اعتمد على النص المسرحي الأصلي وليس الفيلم الستيني رغم جماله.

خروجًا على الصورة النمطية

ظهر سبيلبرج من خلال فيلمه الأحدث وكأنه مخرج متمرس فى الأفلام الغنائية والاستعراضية، رغم أن هذا النوع بدا بعيدًا جدًا عن المخرج الذى عرفناه عبر نصف قرن، لكنه يفاجئنا اليوم بوجه جديد.

عمل ستيفن على صنع مجتمع بورتوريكي حقيقي، فعهد بكل أدوار عصابة "شاركس" وذويهم إلى ممثلين وراقصين بورتوركيين، بخلاف النسخة القديمة، ومزج فى لغتهم بين الإسبانية والإنجليزية، كما قدم الفيلم الجديد لنا "شينو" وهو أحد البورتوريكيين فى صورة شاب متعلم ينتظره مستقبل مختلف عن جماعته فى مجال صناعة التكنولوجيا، وليس مجرد رجل عصابات آخر كما ظهر فى النسخ السابقة، وهو التغيير الذى يعطى لصورة المجتمع البورتريكى تنوعًا وخروجًا عن الصور النمطية.

 كانت عملية اختيار الممثلين طويلة وغير اعتيادية أيضًا، ففي 2018 أعلن القائمون على الفيلم عن حاجتهم لممثلين جدد للأدوار الأربعة الرئيسية "نبحث عن توني، ماريا، أنيتا وبرناردو. توني قوقازى، ماريا وأنيتا وبرناردو لاتينيون، يجب أن يتراوح عمر المتقدم بين الخامسة عشر والخامسة والعشرين، يجب أن يكون قادرًا على الغناء، ويتمتع بخبرة فى الرقص". تقدم إليهم خمسة وثلاثون ألفًا من حول العالم، أرسلوا ألوف الفيديوهات للفوز بواحد من الأدوار، وقام سبيلبرج وطاقمه باختيار فريقهم الجديد الذى لم يشارك بعضه في أي عمل احترافي من قبل، مثل بطلة الفيلم راشيل زيجلير، وكذلك ديفيد ألفاريز.

 

مشهد من الفيلم- الصورة: IMDB

كما استعان سبيلبرج بالممثلة ريتا مورينو، الفائزة بجائزة أوسكار لأفضل ممثلة مساعدة عن دورها فى النسخة الأولى لـ قصة الحي الغربي، ورغم الأداء المميز لكل من أريانا دى بوز وديفيد ألفاريز فى دورى أنيتا وبيرناردو في النسخة الحديثة، لكن الفيلم القديم بدا أكثر تميزًا من حيث عناصر التمثيل.

وإضافة إلى الصراع العرقي الدائر بين الجماعتين أو العصابتين، يوجه الفيلم انتقاداته اللاذعة للشرطة الأمريكية ولمجتمع نيويورك ولنمط الحياة في مانهاتن وللنظام السياسىي والاقتصادي الذي يقهر الفقراء ولا ينظر إليهم أيًا كان عرقهم، وهو ما كان موجودًا فى النسخة القديمة أيضًا، ولكنه بدا أكثر وضوحًا في نسخة 2021.

ولهذا كله فهو فيلم قابل لإعادة التقديم والتأويل مرات ومرات، يقول سبيلبرج إن "على كل جيل أن يصنع نسخته من هذا العمل"، وأُضيفُ لكلامه أن على كل مجتمع أن يصنع النسخة التى تخاطبه وتلمس صراعاته وتمس قلبه، فربما نرى أنفسنا فى إحدى شخصيات العمل في مرة لاحقة، أو كما تخيل سبيلبرج فى تصريح قديم إنه سيأتى يوم "ونزرع قصصًا فى عقل المتلقى مباشرة بدلًا من مشاهدتها على الشاشات، قصصًا يمكن أن تصنع من كل منا إحدى الشخصيات الرئيسية فيها"، ولعل هذا هو الدأب الحقيقي الذي أصر عليه سبيلبرج  في أفلامه وليس قصة الحي الغربي فقط، رغم أنه يرفض أن يضع نفسه في قالب أو يدعي أنه ذو طريقة واحدة.

فبينما كانت الشاشات تستعد لاستقبال رقصة سبيلبرج الجديدة، كان الرجل ذا الخمسة وسبعين عامًا شرع بالفعل فى التجهيز لخطوته اللاحقة، وبدأ فى تصوير عمله الجديد الذى ينوى طرحه في السنة القادمة، وهو فيلم مستلهم من طفولة ستيفن نفسه،  وكأنه فطن إلى أن قائمته ينقصها فيلم عن سيرته الذاتية، عن أسرته الصغيرة وعن مراهقته وحبه للسينما، وبالتأكيد سيشير بوضوح إلى  يهوديته، إلى الأسرة اليهودية الوحيدة في الحي، إلى حديث والده الدائم عن الهولوكوست، إلى تعرضه للاضطهاد فى المرحلة الثانوية كونه يهوديًا، وبهذا سيستمر سبيلبرج فى رسم صورته السينمائية الخاصة، كمخرج قادر على تقديم جميع الألوان، مشغول بأفكار تميزه وتجمع أفلامه، وإن ادعى غير ذلك.