جرافيتي من ميدان التحرير- الصورة: فليكر، حسام الحملاوي، برخصة المشاع الإبداعي
-

صحفي في الزنزانة: خارج الحياة أرسم الحرية

منشور الأربعاء 4 مايو 2022

السجين هو شخص يعيش في مكان مقبض، خارج التاريخ والجغرافيا، ويجهل كل شيء عن العالم.

كل الكلمات التي نكتبها دفاعًا عن المحبوسين من الصحفيين تظل مجرد مواساة، فهي لا تستطيع أن تصف معنى السجن، ولا تعبر عن أوجاع سجين فقد حريته وحقه في الحياة.

هنا، لا أحكي عن أسباب الحبس، أو أتعمق في السياسة، فهناك لحظات هي الأقسى لدى كل سجين، لحظات إنسانية تحمل الألم والصدمة والغضب والضحك أحيانًا.

ببطانية مفروشة على الأرض، وفي مساحة لا تزيد عن ثلاثة أمتار، عشت 120 يومًا مقيد الحرية في سجن مزرعة طرة عام 2016، حدث ذلك بعد واقعة اقتحام نقابة الصحفيين، لأول مرة في تاريخها، وجدت نفسي خلال 24 ساعة في زنزانة صغيرة، كنت أشعر وأنا داخلها أنني في عالم آخر، فلا حياة أو تواصل مع العالم، فقط الوحدة والبطانية، وبعض من الكتب نصارع بها الوقت، فالكتاب هو الطريق الوحيد للصراع مع الملل، الذي لا يمكن لأي سجين أن يهزمه بشكل حاسم مهما حاول.

تشكيل الذاكرة

في اليوم العالمي لحرية الصحافة حاصرتني ذكريات الزنزانة رقم 1؛ كيف مكثت لثلاثة أيام لا أعرف اسم السجن الذي أنا فيه، ولا أحد يرد على السؤال: أين أنا؟

ولعل هذا الحديث يتخطى حدود التجربة الشخصية ليصل لمبتغاه ورسالته: السجن يحاصر الروح والجسد ويظل هو التجربة الأصعب، كأنه الموت المؤقت، أو الفقد الذي لا يعوَّض.

في رحلة السجن تفاصيل بسيطة ولكنها تعيش للأبد، لا تفارق صاحبها: إحساسي بالصدمة في لحظة دخول الزنزانة لأول مرة، هذا المكان المقبض الكئيب، وتفكيري الذي لا يتوقف في أسرتي، والمرة الأولى لدخول الشاويش بتعيين السجن، أي وجبة الأكل، وساعاتي الأولى داخل الزنزانة من دون موبايل أو تلفزيون أو إنترنت أو كتاب أو أي شيء يمكن أن يعين على استهلاك الوقت، وشكل البطانية المفروشة على الأرض بلونها الداكن الذي يثير الضيق، ونظرتي الأولى إلى حمام السجن وتفكيري في أنني سأستخدم هذا الشيء المزري، وزيارة أسرتي لأول مرة بعد أكثر من 20 يومًا من الغياب بكل أشواقها وفرحتها وأحزانها، وسؤالي الأبدي: كم سأبقى في هذا المكان البائس، كلها أحاسيس وأسئلة طاردتني، كما طارَدت غيري، منذ اللحظة الأولى لدخولي السجن وحتى قضى صاحب الأمر بالخلاص.

حيز للاختناق

لسيارة الترحيلات قصص لا تنتهي، لكن القصة الأهم أنها ليست ككل السيارات المعتادة، مكان مثير للاختناق، عسكري الترحيلات يجلس بجانبي وبيني وبينه كلابش يمنعني من الحركة، يضغط على يدي حتى أطلب من حارسي الهاديء تخفيف قبضته قليلًا، لا هواء كاف للتنفس، كان جو يوليو/تموز الحارق عاملًا إضافيًا لإحساسي بالانقباض من تلك السيارة الكئيبة، ومع ذلك فإن الأقدار شاءت أن تحملني سيارة أخرى أكثر لطفًا في مرات قليلة، كان الضباط وقتها يتعاملون بمودة لدرجة أنهم كانوا يسمحون بسماع الراديو داخل السيارة لنستمتع بصوت فيروز في الصباح.

بشجاعة أن تقتنع بأنك تدفع ثمن الطريق الذي اخترته تهون لحظات السجن مع الوقت، وتغدو الأيام مجرد رقم، وتمسي زيارة النيابة كل 15 يومًا للنظر في قرار تجديد الحبس مجرد نزهة، خروج من الظلمات نرى فيه الأصدقاء والأحباب لعدة ساعات، ومع ذلك هي نزهة كانت تحمل صراعًا بين الأمل واليأس، تخرج إلى التجديد بأمل أن تنتهي حكايات الحبس، وتعود بيأس جديد بعد أن تعلم أن النيابة قررت أن تمد الرحلة لأيام أُخرى.

هكذا رسمت الحرية

في مواجهة آلام تقييد الحرية تخترع حياتك الجديدة، هروب من نوع خاص، تندمج تمامًا مع حكايات السجناء الآخرين، تستمع إلى قصص عن أسباب حبسهم التي يقصها العساكر وأمناء الشرطة، تعرف المدة التي قضوها في السجن، وحواديت ويوميات سجنهم، تغرق في عالم آخر، كلها قصص إنسانية مدهشة وكاشفة لطبيعة الحياة بخيرها وشرها، فهذا مسؤول متهم في قضية فساد، وذاك إنسان متهم في قضية قتل، وآخر مستمر في سجنه منذ 15 سنة، وهكذا تتماهى تمامًا مع عالم السجن بتفاصيله وقصصه هروبًا من سؤال يطاردك دائمًا ولا تجد الإجابة: متى أعود للحرية؟

بمقدار ما تستطيع أن تستجمع شجاعتك وتتمسك بقناعاتك تصبح تجربة السجن أقل ألمًا، لكنها تبقى في كل الأحوال تجربة مؤلمة وقاسية إلى حد بعيد.

برسم أحلام ما بعد الخروج من السجن كنت أواجه ملل الوقت وكآبة المكان، كنت أرسم عالمي الخاص في أحلام لا تنتهي إلا خلال النوم، تكثيف لأحلام عامة وشخصية أحدد ملامحها وشخصياتها وأبني بها طريقًا للقادم؛ من سأقابل بعد الخروج؟ كيف سأتعامل مع أسرتي لأعوضهم مشقة الغياب؟ من يستحق الشكر الجزيل وكيف أقدمه؟ من يستحق ألا أعرفه مجددًا؟ هل ستستمر دائرة صداقاتي وعلاقاتي أم لا؟ هل ستتسع أم ستضيق؟ ماذا عن عملي ومواقفي ورسالتي التي سُجنت بسببها؟ وهكذا دائرة من الأحلام لا تنتهي كل يوم، تهوّن كثيرًا من معاناة السجن والغياب عن الأحباب، هذه الطريقة اخترعها السياسي الفلسطيني الشهير مروان البرغوثي؛ قدمها لكل سجين في العالم العربي ليواجه بها سجنه، فهي طريقة أقرب لمواجهة ظلمات السجن بنبل ونقاء الأحلام.

في أيام السجن الأولى لا مجال للراحة، فلا شاي أو قهوة أو مأكولات إلا التعيين؛ وجبة بائسة يتم تقديمها ثلاث مرات يوميًا، تأكلها مضطرًا وإلا عليك أن تواجه الجوع، في الأيام الأولى لا زيارات أسرية تحمل مأكولات جيدة، ولا مسموح بالقهوة والشاي، تناولت أول فنجان قهوة بعد 12 يومًا، وبإذن خاص من رئيس مباحث السجن، وكان رجلًا مهذبًا ولطيفًا وعرفت قبل أن أغادر السجن أنه استقال من عمله.

القراءة هي المكسب الأكبر في تجربة السجن، ففي خلال 120 يومًا قرأت أكثر من 70 كتابًا، تنوعت بين الرواية والشعر والتاريخ والفكر ومذكرات قادة سياسيين، فلا شيء آخر يمكن أن تقاتل به الوقت والزمن، كنت أنتهي من قراءة الكتاب في يوم أو يومين على أقصى تقدير، لأطلب آخر من رئيس مباحث السجن الذي أبدى دهشته أكثر من مرة لسرعة الانتهاء من القراءة، كل سجين يقرأ بنهم شديد، فالوقت المتوافر لا يمكن لإنسان خارج السجن أن يمتلكه.

في ذكرى اليوم العالمي لحرية الصحافة، وفي أوطاننا المحاصرة بالاستبداد ليس أفضل من كتابة يوميات صحفي سجين، وهي يوميات قصدت أن تكتفي بالتفاصيل الإنسانية، فيبدو أن السجن أضحى حقًا على كل الباحثين عن الحقيقة، تمامًا كما الموت، ولعلها تكون فرصة لأن نتمنى أن تصبح كل تلك التجارب جزءًا من الماضي، وأن يكون المقبل هو المستقبل الذي يليق بنا، بلا سجون ولا قيود ولا آلام.