صورة لرامي منير فهيم من صفحته على الإنستجرام.
-

صدمات ونيتشه: الوقائع المضطربة في حياة رامي هاني فهيم

منشور الأربعاء 1 يونيو 2022

 

في 4 مارس/ أذار 2021 قرر رامي هاني منير فهيم، أن يبوح بأنه تعرض في مراهقته لـ "صدمات" تنوعت بين اعتداء جنسي اتهم به أحد أفراد أسرته، وحالات تنمر. بعد أكثر بقليل من سنة واحدة، تصدر اسم رامي عناوين الأخبار باعتباره ابن وزيرة الهجرة الدكتورة نبيلة مكرم، الذي تتهمه ولاية كاليفورنا في الولايات المتحدة الأمريكية، بالقتل العمد.

فوفقًا لمستند صدر عن مكتب المدعي العام في مقاطعة أورنج في كاليفورنيا، يوم 22 إبريل/ نيسان الماضي، يواجه رامي (26 سنة) تهمة قتل زميله في العمل جريفين كومو (23 سنة)، وصديقه جوناثان بام (23 سنة)، مع سبق الاصرار والترصد.

وقائع الجريمة تعود إلى 19 إبريل الماضي، حين وصلت الشرطة إلى مقرٍ سكنيّ، بعد مكالمة من الجيران تخبر عن مشاجرة، لتجد شابين في مقتبل العمر، على حد وصف المدعي العام في القضية، قتيلين، ورامي مصابًا بجروح طفيفة. وبعد التحريات، التي اشتملت على وجود سيارته في موقع الجريمة قبل ساعات من ارتكابها، وفيديو موثق له وهو ينظر إلى كاميرات الدور السكني الذي توجد به الشقة محل الجريمة، وجه الإدعاء العام في ولاية كاليفورنيا التهمة إلى رامي، والتي تصل عقوبتها إلى الإعدام. 

 

لم تشِر الصحافة الأمريكية من قريب أو بعيد إلى الوزيرة المصرية. بالنسبة إلى التغطية الصحفية كان رامي هو فقط ذلك الشخص المتهم في قضية قتل. للوهلة الأولى قد يبدو ذلك غريبًا، غير أن التدقيق في حياة رامي نفسه، يشير إلى أنه عاش على ذلك المنوال.

مجرد "رامي" الذي لا يتردد في الكتابة عن أي شيء، ويعيش حياته على النحو الذي يريده، دون وضع اعتبار لوظيفة أمه الحساسة، ودون أن يأخذ منها سوى آثار ما تركه كثرة التنقل والترحال في الطفولة والمراهقة على شخصيته، وربما بعض المنافع في عمله، إذ أن آخر وظيفة عمل بها كانت في شركة ليلى بنس، وهي رائدة أعمال مصرية في أمريكا، وصديقة شخصية للوزيرة.

وخلافًا للبيانات الشحيحة عن رامي فإن العودة إلى ما كتبه على تويتر، وقد كان آخره حديث عن كتاب مولد التراجيديا لنيتشه، يرسم صورة مغايرة لشاب مرتبك يحكي عما يعانيه من اضطرابات، ويسرد وقائع اعتداءات وتنمر، ويشكو صعوبة الحصول على دعم طبي نفسي لأسباب مادية.

سيرته 

درس رامي الرياضيات التطبيقية في جامعة جنوب كاليفورنيا، وتخرج منها في مايو/ أيار من العام 2017، ثم حصل على ماجستير علوم بيانات من جامعة كولومبيا في نيويورك، في فبراير/ شباط 2019. 

 

لم يكتفِ رامي بالدراسة، فبالتزامن معها تدرب في أكثر من مكان، كما عمل في شركة أوبر كسائق، والأخيرة لا يضعها في سيرته الذاتية، والتي وجدناها منشورة على موقعه، وكان أشار إليها في سياق مقال كتبه عن التأمل في 20 أكتوبر/ تشرين الأول 2021 عبر الموقع ذاته، وفي الوقت نفسه، لم يكن بمعزل عن الأزمات النفسية، والبوح بها، كما سيتضح لاحقًا. 

في سيرته يذكر  أنه "تدرب من مايو إلى أغسطس (آب)  2016 في الرابطة الوطنية للحماية من الحرائق في مدينة  كوينسي في ولاية ماساتشوستس"، وخلال الفترة بين مارس إلى أغسطس 2017 تدرب في مشروع ناشئ عن تطوير المعدات الطبية، ومعالجة بياناتها في مدينة فيلادلفيا بولاية بنسلفانيا. وفي الفترة بين مايو إلى أغسطس 2018 تدريب في موور كابيتال مانجمنت Moore Capital Management، لإدارة رأس المال، وهو صندوق مالي قيمته 20 بليون دولار، في نيويورك، ومجال الشركة هذا هو نفسه الذي كان يعمل فيه قبل الجريمة، لكن في شركة بينس. 

شغل رامي أول وظيفة في سبتمبر/ أيلول 2019، كـ senior machine learning engineer,  بولاية فلوريدا، وواصل العمل فيها حتى مارس 2021. 

تتبع خط سيره يشير إلى كثير من التنقلات بين عدة ولايات أمريكية، قبل أن يستقر أخيرًا في كاليفورنيا، حيث وقعت الجريمة. 

أن يصبح إيلون ماسك

يصف رامي نفسه بأنه مهندس بيانات، لكن ليس فقط، فطموحه يصل لأن يصبح "أغنى من أي أحد"، أو كما قال في مقال كتبه عن الطموح في مطلع أكتوبر 2021 "طموحي يغطي كثيرًا من الأشياء، أريد أن أملك منزلي الخاص، أن تنجح أحد المشاريع التي بدأتها، أن أصبح صانع موسيقى وعازف جيتار، وكاتب أغاني. أريد أن أصبح كاتبًا جيدًا، حين يأتي إلى الإلهام. أريد أن أحدد فكرة كتاب، ثم أكتبه". 

يضيف رامي "ولكي أكون أمينًا، طموحي يتعدى ذلك، أريد أن أكون أغنى من أي أحد، سمعت مارك كوين يقول إن أصحاب التريليونات الأوائل في العالم سيكون واحد منهم من مطوري البرامج، أريد أن أكونه، على الأقل أريد أن أصبح مليارديرًا". واللافت هنا رغبة رامي في أن يصبح غنيًا رغم أنه بالفعل ينتمي لعائلة مرفهة، فوالده رجل أعمال وامه وزيرة، ما يعكس انفصاله عنهم، ورغبته في صناعة ثروته وحياته الخاصة.

يرى رامي في نفسه شخصًا موهوبًا قليل الحظ ".. لكني أدرك حقيقة أن ذلك قد يحدث لشخص آخر وليس لي، إحصائيًا، لست محظوظًا كي أكون منهم. رغم أن مهاراتي، معرفتي، مواهبي، وقدرتي على التنفيذ، تضعني وسط المجموعة النادرة، لكن ذلك لا يعني أنني نجحت، فالفرصة سوف يلتقطها المنتصر من بينهم. لذلك بحسب الصدفة والإحصائيات الواقعية، قد لا أنجح". 

يستطرد "كنت أعتقد أني سأصبح أيلون ماسك أو جيف بيزوس القادم، لأنني فهمتهم حين تحدثوا عن أنفسهم، لكن لا بد أن أتقبل أني قد لا أكون مثلهم". 

رامي أيضًا يعتبر أنه لا يكف عن التجربة ولا يكمل طريقًا بدأ فيه "بدأت مشاريع فنية وقمت بتغييرها بطرق غير متوقعة في منتصف الطريق. على سبيل المثال، بدأت في تعلم الجيتار، ولفترة طويلة كنت أرغب في أن أصبح جيدًا في العزف، لكنني اكتشفت مدى جودة أصوات التقاط الأصابع وأنا الآن أتدرب على اختيار الأصابع. بالنسبة لعملي، بدأت في بيع المجوهرات المطلية بالذهب وكانت هذه هي خطتي دائمًا، حتى تعلمت فكرة بيع أشياء باهظة الثمن وبدأت في بيع المجوهرات المصنوعة من الذهب الخالص. لدي العديد من الأمثلة على هذا". 

 

أنشطة متعددة

ما يذكره رامي عن أنشطته في تلك المقالة ليس سوى جزء، فهو شخص اندمج لسنوات في رياضة حمل الأوزان، خلال دراسته في المدرسة، لكن الفترة المفضلة بالنسبة له ما بعدها، حين كان يفعلها دون إلزام مدرسي، ويلحظ أثرها المباشر في وزنه وشكل جسده. 

ثم يترك الأوزان للسباحة والجري، ويمارس كذلك الرقص، ويكتب عن علاقته به وسعادته بتلك التجربة، ثم ينخرط في تجربة بيع المجوهرات، وينشر صورًا للعارضات بها أمام الأماكن الأثرية المصرية عبر صفحة الإنستجرام الخاصة بمشروعه، والتي أنشأها في 10 نوفمبر/ تشرين الثاني 2018، بالتزامن مع إطلاقه.

يخوض أيضًا تجربة التأمل، ويكتب في مقالة بتاريخ 20 أكتوبر 2021 عن "التأمل لمدة ساعة"، والتي كانت لأول مرة، إذ أنه اعتاد ممارسة التأمل منذ كان في الثانوية، لمدة لا تزيد عن 5 إلى 10 دقائق، أو 20 كحد أقصى خلال العامين الماضيين.  وعادة ما يُنصح بممارسة التأمل كرياضة للتخفيف من التوتر والأزمات النفسية. 

يقول "أولًا، أريد أن أتحدث عن أسلوب التأمل الذي أستخدمه تأمل Vipassana، وهو أسلوب قديم يأتي من الهند، يتعلق بالسماح للعقل بتهدئة نفسه بشكل طبيعي. وذلك عن طريق تحديد كل فكرة تطرأ ، ثم التعرف عليها على أنها إلهاء مع قبولها، والسماح للفكر بالمرور من تلقاء نفسه. يتعلق الأمر بزيادة القدرة على إدراك أفكار الفرد وعواطفه. عندما تفقد الأفكار السيطرة على عقلك ، يصبح العقل بحرًا شاسعًا، هادئًا وغير مضطرب. من المفيد إضافة وتعديل ممارسات مخصصة إلى هذه التقنية، وهو ما كنت أقوم به منذ عامين".

يتابع "في الساعة 11 صباحًا، تلقيت مكالمة فيديو من عائلتي للاطمئنان على بعضنا البعض في عملية التواصل المعتادة. قررت أن أخبرهم أنني سأحاول أن أقوم بجلسة تأمل لمدة ساعة اليوم. طلب والدي ترجمة "تأمل" إلى العربية. بحث أخي عن الأمر لأننا لم نكن نعرف (...) بعد المكالمة كنت أشعر بأنني جاهز تمامًا ، وفي حالة جيدة لبدء مهمتي. انتظرت لمدة ساعة لأترك عقلي ينتقل إلى أشياء أخرى. بدأت الساعة 1:30 مساءً". وبخلاف تلك المرة، لم يشر رامي إلى عائلته.

أزمات نفسية 

لم تنجح كل تلك الأنشطة في إسكات الصراع الداخلي الذي يعيشه رامي، سوى لبعض الوقت، ففي 8 ديسمبر 2021 كتب تغريدة عن أنه "يبحث عن طبيب نفسي" مشيرًا إلى أن سعر الجلسة في كاليفورنيا مرتفع، لذا تحدث إلى طبيب خارج الولاية. 

 

لم تكن تلك التغريدة الأولى التي تشير إلى حياة غير هادئة يعيشها رامي، فقد كتب قبلها بنحو 6 شهور، تحديدًا في 14 أبريل 2021، أنه تعرض لتحرش/ مضايقة في منزله، وأنه طلب الشرطة. وبعدها بـ5 شهور كتب في تدوينة أخرى "تحدٍّ لنفسي من الممكن أن أخسره، سوف استضيف أناسًا في حفلة داخل شقتي"، ما يعني أن الموضوع لم يمر في نفسه مرور الكرام، وظل متأثرًا به لشهور. 

وبخلاف ما يعكسه كل ما سبق، تأتي مجموعة تدوينات لتكشف أكثر عن أزمة رامي، كتبها قبل شهر واحد من حادثة مضايقته في منزله، وهنا نعرضها متتالية، وقد دونها في 4 مارس 2021.  كتب

أريد أن أفصح عن كل ما تعرضت له، لقد بات لدي الشجاعة لأكتب ذلك في العلن، عن أكثر سنين أثرتي في من الصف السادس إلى العاشر (من السادس الابتدائي إلى الأول الثانوي).

في الصف الثاني الإعدادي انتقلت إلى القاهرة، بعد قضاء 4 سنوات في الولايات المتحدة، لم أستطع التأقلم، أو التحدث بالعربية، كنت أتعرض لتنمر من كل من حولي، لعجزي عن نطق اسمي بالعامية المصرية، لم يكن لدي أي أصدقاء، كنت أقضي وقتي بصحبة عقلي. 

كتبت 10 صفحات قصة خيال علمي قصيرة، عنوانها "المستويات القصوى/ الأعلى"، تتحدث عن النمر سيفي الأنياب الذي يبعث من جديد، وحين يُقتل توجد أبواب عائمة تبعثه إلى مستوى أعلى.

كنت أقرأ كتب متنوعة "أدب، خيال علمي... مثل  هاري بوتر" دخلت مسابقة في المدرسة لحفظ أرقام الباي (النسبة الثابتة/ رياضيات).

الولد الذي حصل على المركز الثاني كان يحفظ 30 رقمًا، أما أنا فكنت أحفظ 160 رقمًا فحصلت على المركز الأول. 

وكالمعتاد، ظل الناس يتنمرون علي وأنا أسمع الـ160 رقمًا من الباي. 

في نفس العام (ثانية إعدادي) تم الاعتداء علي جنسيًا من فرد من العائلة، "لن أفصح عن أي تفاصيل أخرى، لكن تلك التجربة أصابتني بصدمة بكل الطرق". 

 

من الصف الثالث الإعدادي وحتى أولى ثانوي، انتقلت إلى روما في إيطاليا، كنت أصدق أنني ولد "كول" بطريقتي، شكلي مختلف، أتعامل بطريقة مختلفة، وكنت فخور بذلك، لكن أيضًا ظل زملائي يعاملونني بطريقة بها تمييز، هذا كان تنمر. نعم، لم أكن استخدم تلك الكلمة عند شرح تجربتي. 

كنت أتعرض للضرب في رقبتي، وأضرب في العلن. كنت أُسحب منها وأخبط بها في الحيط، وكانوا يضربونني بكرة سلة (باسكت) في بطني، ويطفئون السجائر في وأنا جالس على البار. 

دخلت في مشاجرات بها  شد وجذب، تعرضت للإهانة أمام الكاميرا، وإذلالي، كان يتم التغنى علي في العلن، ومضايقتي وغيظي على حائط فيسبوك. 

ملحوظة: لم تكن كل تلك سنواتي في فشل، فقد كنت حرًا، مستمتعًا بنفسي، أعمل أشياء كثيرة كشاب، كان لدي أصدقاء، كنت أتعاطى مخدرات، وأشرب كحول في نفس الوقت، وتتم دعوتي إلى حفلات.

كان لدي صديقة سويدية وكنا نتغازل في بيوت مهجورة، وحدائق عامة، كان عندي صديقة ثانية بعد السويدية، كنت لاعب كرة سلة وكرة طائرة، لاعبًا جيدًا. 

كنت أحب استكشاف الشوارع والمطاعم والأماكن الخارجية في إيطاليا، هذه ليست قصة حياتي، هذا فقط ما حدث في تلك الفترة.

كل الأشياء السيئة، كان لها تأثير سلبي علي، على المدى القريب والبعيد، مثل أعراض اكتئاب، اضطرابات التوتر، التأثير على صورتي الذاتية، واضطرابات مثل لعنات تصيبني، وجعلتني أفشل في كسرها لمساعدة نفسي. 

هل ما حدث كان خطأ غير محتمل، غير مقبول؟ نعم. لكن ردي أنني سامحت، ليس من أجلهم ولكن لأن المسامحة هي المفتاح الحقيقي للتجاوز، مثلما قالت حنة آرنت "التسامح هو المفتاح للحرية والفعل". 

بحثنا عن حساب لرامي على فيسبوك، لكن لم نعثر على أي شيء، وربما دفعه التنمر الذي كان يتعرض له عليه إلى غلق الحساب، فيما أنشأ صفحته على تويتر في يناير/ كانون الثاني 2019، وييتابعه 403 شخصًا، ويتابع هو 1475.

قبل شهور من الجريمة: أنا ساحر.. وإنطوائي

وعلى تلك الدرجة من المصارحة لم يكتب رامي مجددًا، لكن أزمته لم تنتهِ، فكتب قبل 4 شهور من الجريمة مجموعة تغريدات متتالية،  تحديدًا في 6 ديسمبر 2021، توحي بالشعور بالوحدة.  يقول "أنا ساحر عشان كنت فاكر إني حطيت البنطلونات بتاعتي في الغسالة اللي في بيتي، وبعدين اختفوا". "مين مرتاح معايا وأنا انطوائي". "أنا عايز بنت تفهم كويس أن أنا انطوائي. لول". "النهاردة، بعتت أول سلسلة بره كاليفورنيا يوم السبت". "أنا مش عايز حياة يا دوبك حلوة، أنا عايز حياة ومختلفة". "اكتشفت عادة عندي مع علاقات الصداقة اللي مبعملش فيها أي حاجة، وبتفرج على كل حاجة الصديق بيعملها، ولو عملوا حاجة خارجة عن العادة، بقول مش لازم تعمل ده، ده مش أنت، واللي بعمله تصرف نابع عن حب، أنا هدخل في علاقات صداقة بطريقة أفضل".

 

 وكانت آخر تدوينة له قبل الجريمة بتاريخ 29 يناير 2022،  عن انتهائه من قراءة كتاب مولد التراجيديا، للفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه معلقًا أنه تعلم من وجهات نظر جديدة عن التشاؤم والتراجيديا والموسيقى، وأنه كتابه المفضل لنيتشه. 

الوزيرة قبل الأم 

لا يفصح رامي كثيرًا عن أسرته، يبدو من تتبع نمط حياته ومنشوراته أنه قرر منذ وقت طويل الانفصال شعوريًا عنها، واتباع خطه، والبحث عن ذاته، ربما بعدما اكتشف الأثر السلبي الذي تركه التنقل بين أكثر من مكان، بحكم عمل والدته، في الطفولة والمراهقة، ربما ما تعرض له من اعتداء جنسي لم يكشف تفاصيله، أو تنمر المحيطين به، وربما خياره بالدراسة والاستقرار في الخارج. 

كانت الوزيرة تأتي على ذكر رامي في لقاءاتها حين تُسأل عن أبنائها بفخر قائلة إنه يدرس في الولايات المتحدة، وأنها تترك الحرية لرامي وأشقاءه لتحديد مسارات حياتهم، لكنها لم تكن تدرك بالتأكيد أن مسار أحد أبنائها قد ينتهي عالقًا في قضية كهذه.

 

اللافت كان في التكتم الشديد على القضية، بل والظهور بشكل علني في مناسبات عديدة بحكم عملها وجدولها الموضوع سلفًا، دون أن تؤثر القضية فيه. هذا ما أكدته الوزيرة في أول بيان تصدره عن الاتهام في 28 مايو الجاري، وكذلك ما أكده لنا أحد أعضاء المكتب الإعلامي للوزارة نور عادل، الذي قال للمنصة إن العمل لم يتأثر مطلقًا، والوزيرة كانت تباشر عملها كالمعتاد.

عدنا إلى ما شاركت فيه الوزيرة من فاعليات وأنشطة خلال الفترة من 19 أبريل، يوم وقوع الجريمة والقبض على رامي، وحتى 27 مايو، أي قبل الإفصاح مباشرة. 

بخلاف البيانات التقليدية التي تحمل تصريحات للوزيرة، أو بيانات تهنئة بالأعياد أو الإعلان عن مبادرات، شاركت الوزيرة بنفسها في 15 فاعلية بين اجتماعات، ومؤتمرات، ولقاءات عبر زوم، واتصالات هاتفية، بل وسفر إلى الإمارات لتقديم العزاء في رحيل رئيس دولة الإمارات خليفة بن زايد آل نهيان. 

ليومين بعد الجريمة، حيث قبض على رامي وبدأت التحقيقات معه، ثم صدر بيان من الإدعاء في كاليفورنيا بشأن قضيته، كانت الوزيرة، بحسب الصفحة الرسمية للوزارة تلتقي في 20 أبريل "مجموعة من الشباب المصريين العائدين من أوكرانيا، وفي اليوم التالي نشرت الصفحة خبر عن أن وزارة الهجرة ومؤسسة شباب القادة تبحثان سبل التعاون بين مركز الهجرة لشباب الدارسين بالخارج MEDCE و YLF، خلاله ظهرت الوزيرة في صور مع من استقبلتهم في الاجتماع

وبحسب مصدر في المركز الإعلامي لوزارة الهجرة، فعادة ما يتم نشر الفاعليات بصورة فورية، أو وفق جدول للنشر، لكنه لا يفصل بين وقوع الحدث والإعلان عنه بفاصل زمني طويل. وبحسب ذلك فإن الوزيرة كانت تباشر مهامها في الأيام الأولى للقبض على نجلها. 

وخلال الفترة من 21 أبريل حتى 28 أبريل، لم تظهر الوزيرة بنفسها في أي فاعلية، وتلك الفترة يتخللها عطلات أعياد. ثم ظهرت في 28 الشهر في فاعلية للتجهيز لمؤتمر مصر تستطيع. ثم تواصل ظهورها على نحو مكثف من 9 إلى 27 مايو، حتى أنها في يوم 16 مايو شاركت في ندوة في جامعة بني سويف، ثم سافرت إلى الإمارات لتقديم واجب العزاء في رئيس الإمارات الراحل. 

 

وخلال كل تلك الفترة، لم تصرح نبيلة بشأن أزمة نجلها إلا غداة نشر جريدة العربي الجديد تقريرًا عن فشل مساعي السفارة في التدخل للإفراج عن رامي، في 27 مايو.

تواصلت المنصة مع الوزيرة بعد قراءة التقرير للتأكد من أن المتهم نفسه نجلها رامي، لكنها رأت الرسالة ولم ترد، وبعد ساعة أصدرت بيانًا تقر فيه بـ"المحنة"، بعدما حافظت على هدوئها، ومارست عملها على نحو طبيعي، كأن لا شيء يجري.

هدوء قد يراه البعض قدرة على الفصل بين الحياة الشخصية والعملية، وقد يراه آخرون خرقًا لطبيعة ما يمكن أن تلقاه أم من فقدان قدرتها على التركيز في ظل أزمة كهذه، لكن بالإفصاح الذي عنونته الوزيرة بـ"محنة شديدة تعيشها الأسرة"، حاز رامي على مساحة أكبر من المتابعة والتدقيق، والتساؤلات: أي حياة تلك التي قد تصل بصاحبها إلى ساحة جريمة كهذه.. سواء ثبتت براءته أو أدين؟ 

الوزيرة والابن 

هل لعبت الوزيرة دورًا في حياة نجلها؟ هل دفعته إلى اتجاه ما، أو دعمته بما تمتلكه من نفوذ على نحو إيجابي أو سلبي؟ أسئلة لا نستطيع حسم أجوبتها، فمن جهة يبدو رامي شخصية متمردة بامتياز، دائم التقلب والتجريب. وفي تدوينة بتاريخ 29 مايو 2019، كان ناقمًا من البحث عن وظيفة، ويلعن الحكومة. 

 

سكرين شوت من صفحته. 

وبخصوص السياسية، فيبدي الشاب توجهات يسارية، إذ يؤكد في أكثر من تدوينه أنه لن يتابع ولن يسمح بمتابعته سوى من اليساريين. 

 

سكرين شوت من حساب رامي على تويتر.

لكن، رغم ذلك، تأتي العلاقة بين ليلى بنس، صاحبة الشركة التي عمل فيها رامي، وأمه نبيلة بصفتها وزيرة للهجرة تعمل على جمع التبرعات ودعم مشاريع الحكومة في الخارج من الجاليات المصرية، والأولى بصفتها أبرز سيدة أعمال مصرية في الخارج، لتطرح مزيدًا من التساؤلات، عن مدى تدخل الأم في مرحلة ما لمساعدة نجلها. 

ليلى بنس.. أكثر من سيدة أعمال

تقول ليلى بنس إنها من مواليد بورتوفيق بمدينة السويس، شرق القاهرة، في العام 1955، وحين بلغت 12 عامًا هاجرت مع أسرتها عقب هزيمة يونيو 1967 إلى الولايات المتحدة، وأنها أسست مع زوجها داريدن بنس والذي كان يعمل سابقًا في الجيش الأمريكي شركة بنس لإدارة الثروات Pence Wealth Management، وهي شركة استشارات مالية.

جاء أول ذكر للسيدة ليلى بنس حين شاركت في المؤتمر الأول "مصر تستطيع بالتاء المربوطة" والذي عُقد للمرة الأولى في يوليو/ تموز 2017، ثم نشر المجلس القومي للمرأة تدوينة عبر صفحته الرسمية على فيسبوك، عّرف خلاله السيدة ليلى بأنها نموذج ناجح. بعدها ظهرت في برنامج هنا العاصمة المذاع على قناة سي بي سي في نفس العام.

 وبعد مرور نحو ثلاثة أعوام، وتحديدًا في شهر فبراير/ شباط 2021، غزت صور ولقاءات السيدة ليلى بنس المواقع والقنوات التليفزيونية، حتى إنها ظهرت مع ابنتها في أحد البرامج المسائية؛ وذلك بعد تهنئة قدمتها لها الوزيرة في نفس الشهر بعد تصدرها المركز الأول بقائمة مجلة فوربس لأفضل مستشاري إدارة الثروات على مستوى الولايات للعام السادس على التوالي وتحديدًا في جنوب كاليفورنيا، علاوة على تصدرها المركز الخامس بقائمة المجلة كأفضل مستشاري إدارة الثروات من السيدات على مستوى الولايات المتحدة الأمريكية.

ثم في يونيو 2021، وقعت مؤسسة بنس لإدارة الثروات المملوكة لـ"ليلى بنس"بروتوكول تعاون مع الوزيرة نبيلة مكرم لدعم المشروع القومي حياة كريمة، وذلك عبر إطلاق حملة لجمع التبرعات من المصريين المهاجرين في الولايات المتحدة لصالح المشروع، وفقًا لما نشرته صحيفة الوطن.

وفي نفس الشهر، نظمت وزيرة الهجرة لقاء لـ"ليلى بنس" مع رئيس البورصة المصرية الدكتور محمد فريد صالح لبحث تبادل الخبرات في مجال الاستشارات المالية وأسواق المال وإدارة الثروات.

وفي أغسطس/ آب الماضي، أعلنت وزيرة الهجرة نبيلة مكرم إنشاء موقع إلكتروني لجمع التبرعات من المصريين بالخارج الولايات المتحدة – كندا تحديدًا، بمشاركة ليلى بنس، وذلك في لقاء جمعها مع آخريات عبر منصة زووم، وفقًا لبيان صادر عن مجلس الوزراء.

 

وبعد البحث والمراجعة، اكتشفنا وجود هذا الموقع الإلكتروني والذي يعود إنشائه إلى 25 سبتمبر من العام الماضي، ودون عبر واجهته عبارة طويلة يقول فيها "استجابت ليلي بنس وزوجها رجل الأعمال الأمريكي درايدن بنس لدعوة وزيرة الهجرة وشؤون المصريين بالخارج السفيرة نبيلة مكرم لدعم أنشطة المشروع الرئاسي القومي حياة كريمة، وذلك بالموافقة على تنظيم فعالية لجمع التبرعات من المصريين في الولايات المتحدة للمساهمة في دعم المبادرة ، وتم الاتفاق مع منظمة الروتاري في الولايات المتحدة على دعم الحملة من خلال جمع التبرعات وشراء الاحتياجات المتفق عليها وإرسالها لمصر".

لايضع الموقع أي تفاصيل بشأن حجم المبالغ التي تم التبرع بها من جانب المصريين بالولايات المتحدة وكندا، لكن موقع إيجيبت توادي، كشف عن جمع نحو 362 ألف و805 دولار لصالح مشروع حياة كريمة وفقًا لمؤسسة الموقع ليلى بنس.

كما يخلو الموقع الإلكتروني لمؤسسة بنس لإدارة الثروات،  تمامًا من قيام المؤسسة بتنظيم حملة لجمع التبرعات، لكنه يذكر قيام الوزارة بنفسها بتنظيم هذه الحملة لجمع التبرعات، وفقًا لبحث أجريناه عبر موقعهم.

بعد شهرين من إطلاق الموقع الإلكتروني لجمع التبرعات، وتحديدًا في نوفمبر/ تشرين الثاني 2021، عُين نجل الوزيرة رامي فهيم في شركة بنس لإدارة الثروات، حسبما ذكر هو بنفسه على حسابه على موقع لينكد إن.

ووفقًا لحساب رامي عبر لينكد إن، فإنه درس هندسة البيانات، ويُقيم في منطقة فورت لودريل بميامي، وعُين رامي كباحث مساعد research associate في الشركة المملوكة لـ"ليلى بنس". كان جريفين كومو (أحد الضحايا) خريج جامعة تشابامان، قد سبق رامي في العمل بشركة بنس لإدارة الثروات بنحو 5 أشهر، إذ عُين في مايو 2021 في قسم التسويق والاتصال بالشركة، وفقًا لما ذكره بنفسه عبر موقع لينكد إن.

في البداية، جذب رامي الانتباه لمنصب والدته الحساس، لكن بعد التدقيق في حياته، عكست أزمات متداخلة، وحياة دراماتيكية تصلح للتجسيد السينمائي، سواء كان الحكم في صالحه أو ضده، فهي على درجة كبيرة من التطورات، والتغيير، والتحولات، والتي لم تنتهي، فمتوقع أن تشهد محاكمته مزيدًا من المفاجئات.