- تصميم أيمن يوسف- المنصة

قطيعة اﻷهل: مطرقة العنف اﻷسري وسندان المعايرة

منشور الاثنين 15 أغسطس 2022 - آخر تحديث الاثنين 15 أغسطس 2022

قبل عام ونصف، خرجت هبة*، من منزلها مطرودة بعد تعرضها لعنف أسري إثر خلاف مع أسرتها، معتقدة أن القطيعة "هتدوب بالوقت"، قبل أن تكتشف أنها بلا رجعة.

كانت هبة ذات الثلاثة وعشرين عامًا تعيش وسط أسرتها في حلوان داخل شقة ضيقة من غرفتين يقطن فيها أب وأم و4 أبناء، في حي شعبي، لا شيء يخفى على سكانه، فالكل مطلع على خصوصيات الجميع، قبل أن تستقل هبة نسبيًا بفضل تدشينها عمل خاص واستئجارها مقرًا، قررت المبيت فيه بعض اﻷيام حال تأخر الوقت.

الاستقلال النسبي لم يدم طويلًا، فالشقيق اﻷصغر منذ أن وصل سنّ المراهقة كان يمارس سلطته على شقيقته، بالتعليق على ملابسها وتأخرها في العمل، وغيرها من التفاصيل، قبل أن يتطور اﻷمر إلى حدّ السبّ والضرب، مما دعا هبة إلى تهديده بإبلاغ الشرطة.

بحسب رواية هبة، اصطفت اﻷسرة بجانب الشقيق اﻷصغر، وقرر اﻷبّ طردها من المنزل في الثانية بعد منتصف الليل، قبل أن تستعطفه لتبقى أسبوعين يمكن خلالهما ترتيب أوضاعها الجديدة.

كيف بدأت القطيعة؟

قديمًا، اعتاد الآباء أن يحدثوا أطفالهم عن عقوق الأبناء ليخيفوهم من "الخروج عن الطاعة"، حتّى وإن أخطأ اﻵباء في حق الأبناء، ليمتثل أغلب الأبناء بينما يطاردهم شعور بالذنب. الآن، انقلب الأمر واكتشف الكثيرون أن القصة لم تُسرد كاملة، فهناك عقوق الأباء أيضًا، وأمثلته كثيرة كالعنف الجسدي أو النفسي وغيره، وأصبحت قطيعة أهاليهم "مُرًّا لا بُد منه".

قطيعة الأهل صدعٌ في العلاقات الأسرية، قرار يتخذه شخص بسبب عدم رضاه عن حياته أو عدم قدرته على تحمل مزيد من الضرر الجسدي أو النفسي الواقع عليه بسبب عائلته. لكن في العالم العربي، يواجه الشخص الذي يقرر قطع صلة الرحم رفضًا مجتمعيًا، بسبب التعاليم الدينية والأعراف المجتمعية التي تأمره بود أسرته مهما بدر منهم.

ظاهرة عالمية

يُعزي الطبيب النفسي فرانك أندرسون في مقال منشور بموقع very well mind، أسباب قطيعة اﻷبناء ﻷسرهم إلى الاعتداء الجسدي أو الجنسي أو النفسي، أو الاختلافات في المعتقدات الفكرية أو السياسية أو الدينية، أو التعثر المالي، أو الإصابة بأمراض نفسية، أو تجاوز المساحات الشخصية، أو إفشاء الأسرار، أو التحكم الشديد.

والعنف الذي وقف وراء قطيعة هبة ﻷسرتها ليس حالة فردية، إذ يمكن القول إن ممارسة العنف على اﻷبناء ظاهرة عالمية. وفقًا لبحث أجرته منظمة الأمم المتحدة للطفولة يونيسف في العام 2014، يتعرض نحو مليار طفل لعقوبات جسدية بين عمر عامين و14 عامًا، فيما تتعرض فتاة من كل أربع فتيات للعنف خلال المرحلة العمرية 15 و19 سنة.

الظاهرة العالمية لا تنتهي حدودها هنا. هناك تقرير نشرته بي بي سي في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، اعتبر الظاهرة "وباءً خاملًا" في كندا وأستراليا، ويؤثر على أسرة من كل خمسٍ في بريطانيا، التي شهدت زيادة للظاهرة منذ خروجها من الاتحاد اﻷوروبي، ليقع شخص من بين كل 10 أشخاص في خلاف عائلي، فيما يقطع شخص من بين كل 4 أفراد علاقته بأسرته في الولايات المتحدة.

في مصر، لا توجد أرقام دقيقة ترصد عدد حالات قطيعة اﻷهل، ولكن تكشف دراسة مشتركة بين اليونيسف والمجلس القومي للطفولة والأمومة، عن حجم ونمط العنف الواقع على أطفال من محافظات القاهرة والإسكندرية وأسيوط، أن 75% من الأطفال تعرضوا لعنف جسدي و78% للعنف النفسي.

ولفتت الدراسة إلى أن الأطفال والبالغين بصورة عامة يعتبرون العنف وسيلة مقبولة للتأديب، إلا أن ذلك لا ينفي أن نضج الأطفال والانفتاح على نقاشات واسعة حول الصحة النفسية وطرق التربية الحديثة قد تجعل نسبة كبيرة منهم تعيد قراءة وتقييم المسألة برمتها.

"بلا رَجُل"!

ابتسام حالة أخرى، لكنها لا تعتبر قطيعة اﻷهل "حرامًا"؛ "مش علشان خلفوني يفضلوا في حياتي وهم بيأذوني"، وقتما رغب اﻷهل في تزويجها رغم إرادتها، ورفض العريس الذي اختارته، وتعجيزه بسلسلة من الطلبات، قررت أن تكون أمورها بيديها وتنهي علاقتها بعائلتها عدا شقيقتها الصغرى.

رغم أن قطعية الأهل قد تكون خطوة نحو الشفاء من ندبات علاقات أسرية مؤذية، فإن إتخاذ القرار والشروع في تنفيذه ليس سهلًا. والأصعب من ذلك تبعات الأمر

هربت ابتسام ذات الخمس وثلاثين عامًا من تسلط أهلها الزائد لتكوّن عائلة جديدة دون أن تفكر في الالتفات إلى الوراء لإيمانها بأن "الأسرة الحقة تحترم رغباتك وأسلوب حياتك، ولا يعرف أفرادها إطلاق اﻷحكام".

أحلاهما مر 

رغم أن قطعية الأهل قد تكون خطوة نحو الشفاء من ندبات علاقات أسرية مؤذية، فإن إتخاذ القرار والشروع في تنفيذه ليس سهلًا. والأصعب من ذلك تبعات الأمر، فلا يزال الوصم المجتمعي يطارد المقاطعين ﻷسرهم، خاصة الفتيات، ما يدفع الكثيرات لعدم الإفصاح ﻷي شخص قد يستغل اﻷمر بممارسة دور رقابي أو الاستغلال الجسدي، أو المعايرة.

عالميًا، يجاهر مشاهير بموقفهم الرافض لبعض أفراد أسرهم، مثلًا ميجان ماركل دوقة ساسيكس، وزوجة الأمير هاري، اضطرت لقطع علاقتها بوالدها بعد استغلاله لخطبتها وتسريب صورها وأسرارها للصحف.

الممثل ماثيو ماكونهي الحاصل على الأوسكار قطع علاقته بوالدته بسبب خيانتها للثقة بعد إفشائها أسراره وسماحها للصحفيين بالتصوير في منزل طفولته دون استشارته. أما الممثلة درو باريمور فقد عانت الإهمال من والدتها، مما جرها إلى دائرة الإدمان في سنّ العاشرة، لتحرر نفسها من وصاية والديها القانونية في سن الرابعة عشر.

في مصر، وفي الثالث من أغسطس/ آب الجاري، أثار الإعلامي محمود سعد الجدلَ، حين أطلّ في بث مباشر على فيسبوك، يروي موقفه من والده الذي اتهمه بترك اﻷسرة لتحمل والدة الإعلامي المسؤولية، مشيرًا سعد إلى أنه "يوم ما انتقل والدي إلى جوار الله، كنت بقول إني مش هزعل عليه لأن بيني وبينه هجر وغدر، وجرح في قلب، بيني وبينه طريق وفراق وطريق هو اللي بدأه".

كسر الدائرة

حتّى تتوقف دائرة العنف، يرغب الكثيرون ممن اضطروا لقطيعة أسرهم ألا يتكرر الأمر مع أبنائهم، يبذلون ما بوسعهم للخروج من الدائرة، إلا أن بعضهم يكررها دون إرادته.

في فيلم The Glass Castle المأخوذ عن سيرة ذاتية بالعنوان نفسه للكاتبة الأمريكية جانيت والز، تستعرض والز علاقتها مع والدها مدمن الكحول، لحظات سعادة لا تُنسى وفترات أخرى مارس عليها العنف والإهمال حدّ أن تسبب اﻷخير في حرق بعض مناطق من جسدها.

خلال أحداث الفيلم نكتشف أن والد جانيت كان يصارع ماضيه مع الاعتداء الجنسي من والدته، حاول أن إنقاذ أبنائه لكنه فشل، ليعرب عن ندمه في لحظاته اﻷخيرة "قضيت حياتي كلها أطارد شياطين البرية لكنها كانت تختبئ تحت جلدي، من المؤسف أن يقضي الإنسان حياته خائفًا من نفسه، كنتُ أعلم أن الأمر لم يكن سهلًا عليكم يا أبنائي، لدي الكثير لأندم عليه في حياتي".

 

بلا ذنب

قطيعة اﻷهل لا تخلف ندبات للمتسببين فيها وحدهم، فثمة "طرف ثالث" قد يدفع ثمن قرار لم يتخذه ولم يكن طرفًا فيه. مثلًا مريم، التي أتمت السبعة عشر عامًا عانت من قطيعة أسرتها لخالتها قبل 13 عامًا. تركت خالة مريم منزل العائلة التي رفضت خطبتها على من اختارته بإرادتها، قبل أن تقرر الخالة الزواج دون موافقتهم، وبدء حياة جديدة.

مريم، الطفلة ذات السنوات اﻷربعة وقتها، تخضع حاليًا لجلسات التأهيل النفسي جراء افتقادها لخالتها، ورغم طول مدة القطيعة فإن الشابة لا تزال تذكر ملامح الخالة جيدًا، وتتمنى لو لم يتطور الخلاف بين الطرفين إلى هذا الحد.

لا تقف مريم في صف أي طرف، إذ تعتقد أن كليهما لديه حججه، لكن الطرفين أيضًا "على خطأ لإشراك الأطفال في الأزمة"، فما حدث حرمها من معرفة خالتها والتقرب لأبناء خالتها، فالنتيجة اﻵن ليست عادلة لأي منهم.

عودة إجبارية

رغم نجاح ابتسام في حياتها الجديدة بعيدًا عن أسرتها، لم توفق هبة حتّى اﻵن في تكوين أسرة بديلة، ويلاحقها شعور الذنب وتملأها الحيرة. تفكر في مواجهة حماتها المستقبلية، كيف ستخبرها بقصة طردها؟ ترعبها وحدتها، وقلة حيلتها تجعلها تعيد التفكير في تجاوز العنف الأسري، خوفها من مواجهة العالم الذي قد ينهش جسدها حال عرف أن "لا رجل يحميها" يدفعها للإذعان وقبول التسوية رغم أنها ليست في صالحها.


* اﻷسماء الواردة ليست حقيقية بناءً على طلب المصادر.