-

في عيد الأم.. نساء يتحدين صورة المرأة المثالية

منشور الاثنين 21 مارس 2016

 

قبل 4 سنوات، لم تكن صباحات الحادي والعشرين من مارس/آذار تعني لرضوى رضوان أكثر من يوم تجمع فيه أخواتها لزيارة والدتها تعبيرًا عن امتنانهم لسنوات الغربة التي تحملتها مع والدهم في العمل والوصول بأربعة أبناء إلى بر الأمان. ولكن مع مجئ ابنتها الصغيرة، أصبحت رضوى نفسها بطلة لعيد الأم. لكنه ظل بالنسبة لها يومًا لا  يختلف كثيرًا عن باقي أيام حياتها في "الغربة" بعيدا عن مصر. فمع كل صباح تقبل ابنتها التي لم تتخط الرابعة من العمر، قبل أن تتوجه إلى عملها الذي يتطلب منها أن تداوم فترتي عمل.

في طريقها إلى العمل الذي عادت إليه مؤخرًا، تفكر رضوى، 30 عاما، في الأمهات اللواتي يتم تكريمهن على مدار شهر مارس/ أذار، بمنحهن لقب "الأم المثالية". إلى أي مدى تشبه هؤلاء النسوة اللائي يحتفي المجتمع بتضحياتهن في سبيل الأبناء والزوج، بعضهن تتخلي عن العمل لرعاية البيت، وأخرى تغلق بابها دون الحب والزواج وتتفرغ لتربية الأبناء فقط بعد وفاة الزوج أو وقوع الطلاق.

لا تزيد هذه المقارنات رضوى إلا إحساسًا بالذنب، ذلك الإحساس الذي تغذيه مقارنات زوجها لها بأمه، فضلاً عن اتهامها بالتقصير تجاه ابنتها توجهها لها نظيراتها من الأمهات في مجتمع الغربة بعد عودتها إلى العمل. "كل هذه الضغوط، أواجهها بمضادات الاكتئاب الذي أصابني بعد انتقالي إلى السعودية وترك حياتي وعملى في مصر من أجل عمل زوجي، ثم حملي المفاجئ، على غير ما كنت أخطط له".

في الوقت الذي تصارع فيه رضوى وحدها نموذج تربت عليه في منزلها، يطالبها بالتضحية براحتها في سبيل رعاية أولادها، وزوجها، وألا تقصر في أي واجب منزلي إذا قررت العمل، إذا أرادت أن تحوز رضا زوجها؛ عليها في الوقت نفسه ألا تنسي رضا مرؤوسيها في العمل، هناك تلك الضغوط الدائمة التي تدفعها لأن تكون امرأة سوبر، تحمل وحدها كل الأعباء لتقترب من نموذج "الأم المثالية".

الضغوط التي تحياها رضوى بسبب هذه الصورة "المثالية" تشاركها فيها عشرات الآلاف وربما الملايين من الأمهات العربيات العاملات، باتت تشكل لهن عذابًا مقيمًا، يطاردهن المجتمع بتلك المفاهيم فيطاردن أنفسهن بها ويعشن في دائرة مستمرة من السعي المُنهِك لتحقيقها والشعور بالذنب للفشل في الوصول إليها. لكن مؤخرًا ارتفعت أصوات بعضهن لانتقاد تلك المفاهيم عبر المنصات الاجتماعية، رافضات لنموذج الأم المثالية الذي تكرمه أجهزة الدولة والمؤسسات الخيرية كل عام في عيد الأم. فحسب وزيرة التضامن الاجتماعي المصرية غادة والى، فإن المسابقة التي تنظمها الوزارة "تهدف إلى إظهار النماذج الرائعة للأم المصرية المضحية من أجل أسرتها". ولكن المسابقة التى ترعاها الدولة المصرية تستبعد الأمهات المطلقات، حيث إن من شروطها دوام الزواج لمدة عشرين عاما، في الوقت الذي ترتفع فيه أعداد حالات الطلاق ومعدلاته في مصر، لتبلغ وفقًا لدراسة نشرها مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار في 2014، زيادة بمعدل 5000 حالة سنويًا.

ربما وضعت الدولة ممثلة في وزارة التضامن الاجتماعي "الشؤون الاجتماعية سابقًا" الشروط التي يتم على أساسها تحديد الأم المثالية والأسرة المثالية؛ إلا أن الدولة لم تبتدع هذه المفاهيم ولا تلك الشروط التي تكرِّس لنموذج الأم المضحية في سبيل زوجها وأطفالها. هذا النموذج هو السبب وراء دعوة الكاتبين علي ومصطفي أمين لتخصيص يوم من كل عام للاحتفاء بالأم. فمؤسسا جريدة أخبار اليوم كتبا عن فكرة عيد الأم في خمسينات القرن الماضي، بعد زيارة من سيدة لمصطفي أمين حكت له خلالها عن فقدها لزوجها وأطفالها مازالوا في عمر الطفولة، ورفضها الزواج وتكريسها حياتها من أجلهم حتى تخرجوا في الجامعة، وتزوجوا، واستقلوا بحياتهم، وانصرفوا عنها تمامًا، فصار هذا النموذج المُضَحِّي المظلوم هو النموذج الذي دشَّن لصورة الأم المثالية فيما تلى من سنوات.

 

أحد الأمهات الشابات تنتقد علي موقع فيسبوك نموذج الأم المثالية 

 

رغم استخدامها لمضادات الاكتئاب لمقاومة ضغوط المجتمع حول الصورة المثالية للأم والزوجة؛ ترى رضوى أن الأمهات الشابات اختلف تفكيرهن عن جيل أمهاتهن، رغم أنهن لا يزلن مهتمات بفكرة المثالية، تقول: "كتير مننا اتغير مفهومه عن التضحية، وبننزل الشغل عشان نحقق طموحنا، مش للفكرة المادية، وكمان بقينا بنحاول نقتطع وقت خاص بنا".

ولكن شبح الشعور بالذنب لا يطارد فقط الأمهات العاملات، وهو ما أكدته هنادي موسى ،كاتبة حرة لعدة مواقع، من واقعة تجربة زواج عمرها 6 أعوام، أثمرت عن طفلها الوحيد تميم، 4 سنوات. تقول: "كتير كنت باحس بالذنب فعلاً والتقصير تجاه ابنى وأخاف إنى أكون مش باديله احتياجه النفسى".

الزوج..شريك رحلة أم ممثل للضغوط الاجتماعية

                         

 

كما تجري تربية الإناث على السعي لتحقيق نموذج الأمومة المثالية مما يورثهن إحساسًا دائمًا بالتقصير والذنب، فإن الأولاد الذين تربوا معهن في نفس البيت ليكونوا أزواجًا، كبروا بدورهم وهم يبحثون عن ذلك النموذج في زوجاتهم، حسب روايات الأمهات الشابات. ولكن الرجال الذين نشأوا في أسر يقوم فيها الأب بمسؤوليات في المنزل، كانوا أكثر تفهمًا ومعاونة للأم الشابة في الخروج من أسر مفهوم "الأم المثالية".

" كتير زوجي بيقارني بوالدته، لأن هي ست بتعمل كل حاجة وخصوصا لابنها. فهو لفترة طويلة ماكنش عاوز يشيل أي مسؤوليات". هذا كان حال رضوى مع زوجها، حتي استطاعت بعد ضغط متواصل أن تجعله يشارك حاليًا في مسؤوليات البيت.

ولكن التربية على نموذج "الأم المثالية" لا يكون السبب الوحيد دائمًا في لوم الزوج لزوجته. تقول إيمان رفعت، 27 عاما، متحدثة عن زواج عمره 3 أعوام: "توقعات زوجي أوقات بتشكل ضغط عليا، ولكنها بسبب طبيعة شخصيته وليس بسبب التربية، هو بيتعامل مع الجميع من منطلق الوصول لأقرب نقطة من المثالية".

وكما يشكل الزوج مصدرًا للضغط أحيانا على زوجته من خلال اتهامها التقصير في وجبات الأمومة والزوجية، فإنه قد يعينها على التخلص من الشعور بالذنب. تقول هنادي موسى، 28 عاما، إن زوجها كان متفهمًا، ولم يطالبها بتحقيق النموذج المثالي، بل يحاول أن يثنيها عن القيام  بمهام غير ضرورية، موضحة أن قسوتها على نفسها تعود إلى تربيتها.

لم تكن تجربة الأمومة للمرة الأولي، بنفس الوقع الثقيل على، مني السيد،  30 عاما،( تم تغيير الاسم بناء على طلبها)، على عكس بنات جيلها رضوى، هنادي، وإيمان اللاتي جاهدن الاكتئاب بسبب تبعات الحمل والولادة بالإضافة إلى مسؤوليات الزواج. تقول منى:"مبحسش بالذنب، لأني متصالحة مع فكرة النقص البشري و كمان اللي في حياتي ناس محترمة".

ويبدو هنا تأثير الأسرة التي نشأت فيها ، منى، على استقرارها النفسي في زواج عمره ست سنوات حتي الآن أثمر عن طفلة عمرها 4 سنوات ونصف، تقول: "والدي ووالدتي لم يفرقا بيني وبين إخوتي الاولاد خلال تربيتهم لنا. ولم يلعبوا على الحساسية الفطرية عند البنات لزرع شعور دائم بالنقص أو التقصير عندي".

 

الأب المثالي

رغم مخاوف الأمهات الشابات من خوض تجربة الأمومة، بسبب التوقعات الكبيرة، كما قالت هنادي"قبل زواجى كنت دايمًا خايفة من فكرة الارتباط الى ممكن تمحى كيانى وتكون حياتى كلها طبخ وتنضيف وتربية"، ترى الأمهات الشابات أن تجربة أزواجهن أقل ضغطًا، حيث لا تجري تربيتهم بضرورة تحقيق صورة معينة للزوج المثالي أو الأب المثالي، هذه المفاهيم لا يسع أحد لتكريسها، مما يخفف عنهم ثقل الإحساس الدائم بالذنب والتقصير.

تقول رضوى: "مبحسش الزوج بيتزوج وهو عنده تصور لدور الأب المثالي، قليل جدًا اللى بحسه بيتزوج عشان فكرة أسرة وبيت". مضيفة: "باحس معظم الرجالة بتتزوج عشان العلاقة الحميمية ماتكونش في الحرام مش أكتر". وتتفق معها  شيماء أحمد، 26 عاما ( تم تغيير الاسم بناء على طلبها)، في تحليلها لأسباب عدم استمرار تجربة زواجها التى لم تدم إلا عام واحد، وأثمرت عن طفل عمره 4 سنوات.

في المجتمع الريفي الذي تعيش فيه شيماء: "الست هي المسؤولة عن إنجاح العلاقة، وأي فشل هي اللي تتحاسب عليه".

وعلى اختلاف المناطق الحضرية والريفية التي نشأت فيها الأمهات الشابات، إلا أنهن اتفقن على أن تربية الذكور تبعدهم عن تحمل أية مسؤوليات تجاه المنزل عدا الإنفاق والوفاء بالاحتياجات المادية.

نصائح عملية للأم الطبيعية

في سبيل كسر دائرة الشعور بالذنب، تحاول كل أم شابة أن تتخلص من ضغوط الصورة الشائعة للأم الناجحة من خلال صياغتها لصورة جديدة عن نفسها كأم طبيعية، قدراتها غير خارقة على الإطلاق. من واقع تجاربهن الوليدة، كونت الأمهات الشابات مجتمعات صغيرة عبر الشبكات الاجتماعية للدعم والمساعدة، تظهر فيها محاولاتهن لصياغة قواعد مختلفة لعلاقاتهن مع أزواجهن وأسرهن، تنطلق من عدم الشعور بالحرج من طلب المساعدة سواء من الزوج، أوالعائلة، أو بتوفير مساعدة منزلية.

تقول منى التي تعمل صيدلانية، وأم لطفلة في الرابعة من العمر عن تجربتها في الخروج من الصورة الشائعة للأم والزوجة المثالية: "بحاول أوجه مجهودي للأولويات، يعني بما إنه عندي طفلة فمش مهم قوي إن البيت يكون متروق. طبيعي اللعب تكون في كل مكان مش أزمة يعني".

مسؤوليات رعاية أسرة في بلد غير موطنك الأصلي يتطلب مجهودًا مضاعفًا، وهو ما دفع رضوى إلى طلب مساعدة والدتها في تربية ابنتها، بالإضافة إلى تعيين سيدة لمعاونتها في أعمال المنزل، فضلاً عن أن إلحاحها على زوجها بالقيام بدور في البيت، أتى بنتائج إيجابية.

وبما إن الأم العاملة والمتفرغة للبيت متساويتان في الشعور بالذنب؛ فإن هنادي قررت أن تتغلب على اكتئاب ما بعد الولادة، وألا تستسلم لفكرة أن الحياة انتهت بسبب أعباء الأمومة، وبدأت تخصص وقت لنفسها للقراءة وممارسة هوايات، ثم العمل من المنزل.

لكن تغيير نموذج الأم التي تربت عليه في منزلها، تطلب منها  كما قالت: "أن تستغني عن فكرة الكمال فى كل الأدوار". تقول: "فعلًا فى حاجات مهمة وحاجات مفيش مشكلة من التقصير فيها. لو حسيت إن مش بوفّر وقت كتير لابني، باحدد يوم أخرج معاه لوحدنا، أو اخصص وقت أقرأ له فيه شوية، أو نلعب لعبة سوا. بعد وقت لقيت ان كل ما ابنى بيكبر مسئوليته بتكون أسهل خاصة مع نزوله الحضانة".

ولأن فكرة "الأم المثالية" بدأت من المنزل، تحاول الأمهات الشابات  تربية أطفالهن على تحمل أعباء المنزل سواء بنت أو ولد، تقول إيمان: "بنتي هحاول أعودها كل ما تكبر على المسئولية، مش علشان هي بنت؛ لأ علشان هي إنسان قائم بذاته مش معتمد على وجود حد في حياته، ولو كان عندي ولد كنت هعلمه نفس اللى هعلمه لبنتي من غير أى تعديل أو تزويق".

ولأن التحرر من صورة الأم المثالية لن يتم بدون زوج داعم، دعت هنادي، الفتيات المقبلات على الزواج للتأكد من أن الزواج لن يعني "نهاية مشوراهن في الحياة"، وأن الزوج سيكون متعاون ومشجع، وذلك من خلال مناقشة توقعاتهم للزواج مع الزوج المنتظر قبل بدء الطريق معا.