من إضراب سابق لعمال شركة يونيون إير - برخصة المشاع الإبداعي- فليكر- حسام الحملاوي

العمال والتضخم: قصص المقاومة في زمن الغلاء

منشور الخميس 22 سبتمبر 2022

على مدار خمس سنوات، شهدت معدلات التضخم قفزات قياسية، بدءًا من آثار برنامج صندوق النقد في 2017، وانتهاءً بتداعيات الحرب الروسية الأمريكية وارتفاع أسعار السلع الأساسية في 2022.

يزداد الأثر السلبي لهذه القفزات على العاملين بأجر، إذ تساهم في تآكل القيمة الحقيقية لأجورهم أمام غلاء الأسعار.

هنا نتتبع نماذج لمواجهات وقعت بين العمال وإدارات الشركات بين 2017 و2021، حقق بعضها نجاحًا رغم اشتداد الأجواء الأمنية، ومني بعضها بالفشل.

زيادة التضخم ومعارك الحد الأدنى

خلال الفترة بين أواخر 2021 والأشهر الأولى من 2022، دار الكثير من الصخب في مصانع "لورد إنترناشيونال" بالإسكندرية بسبب غضب العمال من جمود الأجور، ومساعيهم لزيادتها كي تتماشى مع واقع الأسعار، وهي المعركة التي انتهت بتحسن نسبي في مستويات الدخول، لكن العمال يشعرون أن الزيادات ابتلعتها مستويات الأسعار الراهنة.

في شهر سبتمبر/ أيلول من العام الماضي، دخل عمال اثنين من مصانع "لورد انترناشيونال" لإنتاج ماكينات الحلاقة بالمنطقة الحرة بالعامرية، في إضراب عن العمل، مطالبين بتعديل الأجور لكل لا تقل عن 2400 جنيه وزيادة بدل الورديات، لمواجهة ارتفاع الأسعار.

يقول أحمد ج. الذي شارك في الإضراب "مرتبي وقتها كان ألفين جنيه بعد 8 سنين في الشركة، طالبنا بتطبيق الحد الأدنى اللي أقرته الحكومة، وزيادة أجر الساعات الإضافية لمواجهة الزيادة الكبيرة في الأسعار". 

وتم الإعلان في 2021 عن إلزام القطاع الخاص بتطبيق حد أدنى للأجور بقيمة 2400 جنيه في الشهر، بدءًا من يناير/ كانون الثاني الماضي، لكن الحكومة فتحت بابًا واسعًا لإعفاء المنشآت من التطبيق.

يستكمل أحمد "الإضراب اتفض بسبب انحياز اللجنة النقابية لصاحب العمل، وتهديد الإدارة لقيادات الإضراب والضغط عليهم لتقديم استقالاتهم، وإيقاف أكتر من 80 عامل".

لكن الشركة قامت لاحقًا بتحسين الدخول، حسبما يذكر عامل آخر للمنصة "بعد 4 شهور اتضاف 500 جنيه للمرتب، كبدل غلاء المعيشة، ومن شهرين اتضاف 300 جنيه". 

وبينما يؤكد أحمد ج. أن الزيادتين الأخيرتين ليستا نتيجة للإضراب لأنه فشل في تحقيق أي مطلب. بينما يعتقد أحد زملائه أنهما نتيجة غير مباشرة للإضراب وخوفًا من تكراره، فصاحب العمل يعلم أن العمال لن يصمتوا، وربما يستفيدوا من أخطاء الإضراب السابق، لكنه أراد فقط أن يوصل رسالة للعمال بأنهم لن يستطيعوا لي ذراعه.

يشير أحمد إلى أن إدارة "لورد انترناشيونال" طبقت بالفعل الحد الأدنى للأجور، بواقع 2400 جنيه، لكن المشكلة أن العامل الذي يعمل بالشركة منذ سنوات يتساوى راتبه مع راتب العامل المعين حديثًا، أو يزيد قليلًا، بسبب ضعف الراتب الذي عُين عليه.

 أما عن تماشي الأجور مع الأسعار، فيقول أحمد "بعد الزيادتين الأخيرتين مرتبي بقى 3000 جنيه، الزيادتين راحوا في زيادة إيجار الشقة، وفواتير الكهرباء والغاز والمياه، اللي وصلت لـ600 جنيه بعد ما كانت 300، ده غير أسعار الأكل والشرب اللي ولعت".

ولتحسين دخلهم، يحاول كثير من عمال الشركة الالتحاق بأعمال إضافية، ولكنهم يواجهون صعوبة في تحقيق ذلك، بسبب ظروف العمل ونظام الورديات، بحسب أحمد.

لينين جروب: احتجاجات النفس الطويل

مثَّل تضخم عام 2017 الشرارة التي أشعلت غضب عمال شركة لينين جروب للمفروشات والمنسوجات بالمنطقة الحرة بمدينة العامرية بالإسكندرية، كما يروي لنا شادي محمد، أحد عمال الشركة، وهي معركة طويلة النفس، استمرت إلى 2021، وظفر العمال خلالها ببعض الامتيازات في مواجهة ضغوط الغلاء المستمرة.

يروي شادي للمنصة عن بداية الاحتجاجات "بالتزامن مع موجة ارتفاع الأسعار عقب التعويم، كنا نُحضّر لاجتماع الجمعية العمومية لعمال الشركة، الذي عقد في نادي الترام بمحرم بك، بحضور ممثل عن الشركة. كان على جدول الأعمال موضوع رئيسي هو زيادة الرواتب بما يناسب الارتفاع الجنوني في الأسعار".

استجابت الإدارة لضغوط العمال ورفعت المرتبات بنسبة 30%، لكنهم حرموا شادي من تلك الزيادة، مدعين أن تقرير التقييم السنوي الخاص به جاء سلبيًا، بينما يرى شادي أنه عقابًا له لدوره في الاحتجاج.

وبحلول عام 2019 تجددت احتجاجات "لينين جروب" في ظل استمرار الضغوط المعيشية، لكن هذه المرة لم يكتب لها النجاح.

بدأت بتجمع أعداد من العمال أمام المصانع في مناقشات استمرت لأيام مع أعضاء النقابة، فاعتبرت الإدارة التجمعات بمثابة التحضير لاضطرابات داخل الشركة، فأوقفت 20 عاملًا عن العمل.

بعد مفاوضات وافقت الإدارة على عودة العمال الموقوفين للعمل، بعد التوقيع على استلام إنذار بالفصل يحوي ما يشبه الاعتراف بأنهم تظاهروا دون تصريح

 عارض العمال قرار إيقاف زملائهم، وأخذ احتجاجهم شكلًا رمزيًا حيث ارتدوا عصابات سوداء من القماش على رؤوسهم أثناء العمل. وامتد الاحتجاج من مصنع نسيج 5 إلى باقي المصانع، ما أثار غضب الإدارة التي ضمت عشرة عمال آخرين لقرار الإيقاف بينهم شادي.

بعد مفاوضات وافقت الإدارة على عودة العمال الموقوفين للعمل، بعد التوقيع على استلام إنذار بالفصل يتضمن ما يشبه الاعتراف بأنهم تظاهروا دون تصريح، واحتجوا على سياسة الشركة وأثاروا البلبلة، وهو ما قبله البعض لكن شادي رفض التوقيع، فمنعت الإدارة دخوله المصنع حتى فُصل بحجة الغياب، ليرفع بعدها دعوى لا تزال منظورة أمام القضاء، يتهم الشركة بفصله تعسفيًا.

جولة أخرى كانت لعمال لينين جروب في 2021، استطاعوا خلالها أن يظفروا ببعض المكاسب.

"كنا قد مررنا بفترة سيئة نتيجة لأزمة كورونا، حيث أوقفت الإدارة صرف نسبة العمال من الأرباح، وامتنعت عن صرف منحة غلاء المعيشة بقيمة 500 جنيه، التي حصلنا عليها عقب إضرابات سابقة، ولم تعدل الرواتب منذ سنوات، ما أرهقنا بشكل كبير في ظل ارتفاع الأسعار"، يروي أحد العمال للمنصة

وفي 3 يوليو/ تموز 2021، أضرب العمال عن العمل، "فتدخلت قيادات أمنية لإقناعنا بتعليقه، وبعد مفاوضات صرفت الإدارة 5 آلاف جنيه كنسبة من الأرباح، وأعادت صرف منحة الغلاء، وعدلت المرتبات بزيادة 500 جنيه في المتوسط". 

الأسعار وعمال القطاع الخاص.. عودة الحراك

ليست كل الاحتجاجات تكلل بالنجاح. ففي 2018 خاض عمال يونيون إير تجربة التصعيد لتحسين أجورهم، لكن الإدارة لم تستجب لمطالبهم، ولم ينجح العمال في ترتيب احتجاج جديد رغم جمود أجورهم أمام الغلاء المستمر.

في أكتوبر/ تشرين الأول 2018، دخل عمال الشركة المصنعة للأجهزة المنزلية بالسادس من أكتوبر، في إضراب عن العمل، رفعوا خلاله مطالب: تعديل الرواتب، وتثبيت الحافز شهريًا بحد أدنى 600 جنيه، وألا تقل نسبتهم من الأرباح السنوية عن شهرين.

محمد ب. الذي يعمل في أحد مصانع يونيون إير منذ 10 سنوات، يقول للمنصة إنهم اضطروا لفض الإضراب بعد أيام دون أن يحصلوا على أي من مطالبهم.

"بالعكس كنا بناخد 300 جنيه حافز إنتاج، بعد فشل الإضراب اتلغى الحافز بالكامل عقابًا لينا على الإضراب، واتلغى بدل السهر [الساعات الإضافية] واتحسب يوم السبت كيوم عمل عادي، بعد ما كان يوم عمل إضافي".

ولم يطرأ أي تعديل على راتب محمد منذ 2017 سوى العلاوة الدورية، لذا لم يتخط راتبه 2900 حنيه بعد 10 سنوات عمل بالشركة.

ويرى عامل آخر أن مرتباتهم فعليًا ثابتة منذ إضراب 2018، فلو حُسبت العلاوة الدورية خلال السنوات الأربع الماضية لن تكافئ ما تم إلغائه من حافز الإنتاج وأجر الساعات الإضافية.

"مرتبي 2300 جنيه، أدفع نصفهم إيجار وكهرباء ومياه، الأسعار ارتفعت أكثر من الضعف، كيلو الفراخ من 20 جنيه بقى بـ45، وكرتونة البيض من 38 ارتفعت لـ80، أما اللحمة ما بقناش بنشوفها". يتحدث خالد شاكر* العامل صاحب الـ30 سنة الذي يعول زوجته وأولاده الثلاثة ووالدته.

رغم هذه الظروف فإن عمال يونيون إير كما يؤكد محمد لا يفكرون في تكرار الإضراب، لأنه نتائجه كانت سلبية. لكن حسين لا يستبعد تحرك العمال حال استمرت الأسعار في الارتفاع، والأجور بهذا التدني، فليس لديهم حل آخر. 

وتقدم شركة إيبيكو للأدوية بالعاشر من رمضان نموذجًا آخر لاحتجاج لم يكلل بالنجاح، ففي أكتوبر 2019 دخل 5240 عاملًا بالشركة، في إضراب عن العمل مطالبين بتعديل الرواتب وصرف بدل غلاء المعيشة وتعديل قيمة الأرباح السنوية وبدلات الانتظام والسهرات.

ردت الإدارة برفض المطالب، وتقدمت ببلاغات ضد 21 عاملًا اتهمتهم بالتظاهر وتحريض العمال وتعطيل العمل وإتلاف ممتلكات الشركة، وألقت الشرطة القبض عليهم، واحتجزتهم النيابة أربعة أيام، قبل أن يُخلي القاضي الجزئي لمحكمة العاشر من رمضان سبيلهم.

تطورت الأوضاع في الشركة بأن قررت الإدارة غلق مصنعي 1 و2 لأجل غير مسمى، وبعد وساطات من جهات حكومية تم إعادة تشغيلهما.

"بعد تشغيل المصنع، كان موقفنا ضعيف وصاحب العمل حس بالانتصار، فخلانا نوقع على إقرارات بعدم تكرار الإضراب"، يقول سامح سعيد*، وهو عامل بالمصنع للمنصة.

"مكتب العمل ومسؤولو القوى العاملة انحازوا ضدنا، وبدل ما يحاسبوا صاحب المصنع على قرار الغلق، اللي كان ممكن يتسبب في نقص أنواع هامة من أدوية العيون، كانوا بيترجوه يعيد التشغيل".

النظام حط السكينة على رقبة العمال، ترضى بالوضع لأما حدبحك، فالعامل يقدر يعمل إيه لما يتهدد بأمن الدولة؟

يشير عامل آخر تحدثت إليه المنصة، إلى أن رواتب العمال في مجملها ضعيفة، فمن تتراوح مدة عمله من 3 إلى 6 سنوات لا يزيد راتبه عن 2500 جنيه، وهي ثابتة منذ سنوات ولم تزد سوى بقيمة العلاوة الدورية السنوية.

"مع إن الإضراب محققش حاجة لكنه ممكن يبقى الحل الوحيد لو استمر ظلم الإدارة في خصم الحافز والجزاءات المستمرة، مع ارتفاع الأسعار". يقول عامل ثالث.

غزل المحلة .. الأسعار تجدد الإضراب

رغم التاريخ الاحتجاجي لعمال "غزل المحلة" التابعة لقطاع الأعمال العام، فإنهم لم يلجؤوا لخيار الإضراب منذ 2017، لمحاولة تعديل رواتبهم،بسبب المناخ العام والوضع الأمني.

"النظام حط السكينة على رقبة العمال، ترضى بالوضع لأما حدبحك، فالعامل يقدر يعمل إيه لما يتهدد بأمن الدولة؟" يقول فيصل لقوشة، القيادي العمالي بالشركة.

رفع العمال خلال الإضراب مطالب صرف علاوة "غلاء المعيشة" الاستثنائية بقيمة 10%، وصرف العلاوة الاجتماعية بقيمة 10%، وطالبوا بزيادة بدل الغذاء، وكذا مطالب متعلقة بمحاسبة المسؤولين عن خسارة الشركة.

لكنهم علقوا إضرابهم بعد أسبوعين، عقب توصل اللجنة النقابية إلى اتفاق مع الإدارة على عقد جلسات تفاوض حول المطالب والتي نُفذ عدد منها.

"اللي اتنفذ من المطالب جزء ضئيل جدًا، كتسكين للعمال، لكن الأجور محصلش فيها تعديل حقيقي من 2017، كانت زيادات بالقطارة في الوقت اللي ارتفعت فيه الأسعار عشرات المرات"، يقول لقوشة.

تتراوح المرتبات في الشركة بين 2500 و5000 جنيه، بحسب القيادي العمالي "إزاي عامل مرتبه 3 أو 4 آلاف بيدفع منهم 1000 جنيه إيجار، يقدر يعيش والأسعار بالشكل ده، يأكل أولاده، أو يصرف عليهم في المدارس، أو يعمل إيه لو عنده بنت عايزة تتجوز؟".

الأزمة لا تتوقف عند تدني الأجور، "فالشركة في تدهور مستمر، الإعلام يتحدث عن إنشاء أكبر مصنع للغزل والنسيج في المحلة، لكن ده تدليس، فالمصنع الذي سيتم إنشائه على 10% من حجم الشركة بينما يتم إهمال 90% من مصانع الشركة وتركها للضياع، أما احنا فأُغلقت أمامنا كل المنافذ الإعلامية، لقول الحقيقة".

 ذلك لا يعني أن الوضع سيستمر بهذه الصورة، يذكرنا أحد العمال الذين تحدثوا للمنصة كيف كان يصمت عمال غزل المحلة لسنوات ثم تنطلق احتجاجاتهم تزلزل مصر كلها "مع تواصل ارتفاع الأسعار بشكل يومي واستمرار رواتبنا بالشكل ده، الإضراب هيبقى حلنا الوحيد، صبرنا على الظروف دي له حدود". 

ومع استمرار معدلات التضخم في الزيادة متزامنة مع انخفاض قيمة الجنيه مقابل الدولار، تظل رواتب العمال الهزيلة تصارع متطلبات المعيشة، مع ذاكرة تحمل نتائج الاحتجاجات السابقة، التي تفاوتت بين النجاح والفشل.


* اسم مستعار بناءً على طلب المصدر.