- تصميم: يوسف أيمن- المنصة

المؤسسات الدينية ومسؤولياتها الأخلاقية في مواجهة تغير المناخ

منشور الأحد 13 نوفمبر 2022 - آخر تحديث الأحد 13 نوفمبر 2022

أعلنت المؤسسات الدينية المصرية عن مشاركتها الفعالة في قمة المناخ الحالية في شرم الشيخ، وهو ما يطرح تساؤلات كثيرة حول رؤية هذه المؤسسات ودورها، والأنشطة التي تنفذها على أرض الواقع بعيدًا عن البروباجندا الإعلامية لدعم جهود الحد من تداعيات تغير المناخ، وما إذا أمكن لهذا الدور أن ينجح بعيدًا عن تناول السياق الأوسع الخاص بالتنمية ومكافحة الفقر وعدم المساواة.

قد يعترض البعض على وجود دور فعال للمؤسسات الدينية من الأساس، بحجة أننا نعيش في دولة مدنية، أو نريدها كذلك، وبالتالي يجب تقليص مساحة حضور الدين ومؤسساته في معالجة القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، خصوصًا عندما تتسم تلك المؤسسات بالمحافظة الشديدة وعدم التجديد.

يواجَه هذا الرأي بأن تأثير هذه المؤسسات حقيقة لا يمكن إنكارها، خصوصًا مع اتجاه الأمم المتحدة لرعاية وجودها.

يحظى الزعماء الدينيون باهتمام 80% من سكان العالم، فلا تؤثر القيم الروحية المستمدة من الأديان في سلوكيات الناس وقيمهم فحسب، بل في الاندماج الاجتماعي والمشاركة السياسية والازدهار الاقتصادي.

وتعتبر المنظمات الدينية رابع أكبر مجموعة من المستثمرين في العالم، وتمتلك دور عبادة ومدارس ومؤسسات تعليمية ومراكز رعاية صحية ومشروعات بنية تحتية كبيرة. وتمتلك نحو 7% من مساحة الأرض العالمية، ويقدَّر حجم إجمالي الأصول الخاضعة لإدارتها بتريليونات الدولارات.

وفي دراسة أجرتها مجلة الدين والديموغرافيا عن الصلة بين التحديات البيئية والدين، وجدت أن الدول التي يكون سكانها أقل تدينًا تميل إلى استخدام المزيد من الموارد وإنتاج المزيد من الانبعاثات؛ ومع ذلك، فهم أيضًا أكثر استعدادًا للتعامل مع التحديات البيئية، لأنهم أكثر ثراءً.

من ناحية أخرى، تميل الدول ذات السكان الأكثر تدينًا إلى استخدام موارد أقل؛ ومع ذلك، لديهم قدرة أقل على مواجهة التحديات البيئية، ويتعرضون لمزيد من النتائج السلبية، ويرجع ذلك جزئيًا إلى ارتفاع مستويات الفقر لديهم واستمرار النمو السكاني.

كما يسهم استمرار أزمة تغير المناخ في زيادة الفقر وانعدام الأمن الغذائي، وهو ما يلقي بأعباء كبيرة على المنظمات الدينية ودورها في تقديم الاحتياجات الأساسية، علمًا بأن هذا الاهتمام ليس مقصورًا على الدول التي تعطي للدين مكانة متقدمة في تشريعاتها وسياساتها التنفيذية لكن في الدول العلمانية أيضًا.

تدعم النصوص الدينية مسؤولية الناس في استخدام الموارد بعناية ومراعاة الأجيال القادمة، وهي إحدى نقاط التقارب الرئيسية بين الأديان الإبراهيمية الثلاثة، التي ترى الإنسان مكلفًا برعاية الخليقة.

وهناك كثير من الآيات في القرآن حول حماية البيئة، ويحظر الإسلام الاستهلاك المفرط للموارد التي يوفرها الكوكب للبشرية. وفي السياق نفسه تتحدث آيات كثيرة في الكتاب المقدس عن حماية البيئة، مثل "لا تدنسوا الأرض التي أنتم فيها"(1).

أطلقت المؤسسات الدينية المصرية مبادرات عدّة بشأن تغير المناخ بالتعاون مع وزارة البيئة، ركزت في مجملها على أهمية التوعية بقضايا المناخ، والتضامن الانساني والعالمي للحد من الانبعاثات الحرارية وغيرها من مسببات الأزمة.

على سبيل المثال، أطلقت مؤسسة الأزهر مبادرة "مناخنا حياتنا"، وتتضمن تنفيذ قافلة أسبوعية لمدة عام، وحملة توعية شهرية، و24 ورشة عمل، وتدريب 100 واعظ وواعظة في مجال التوعية بتغير المناخ.

كما نظمت جامعة الأزهر، المؤتمر العلمي الثالث للبيئة والتنمية المستدامة، تحت عنوان "تغير المُناخ؛ التحديات والمواجهة"، تتناول دور القيادات الدينية والروحية في مواجهة قضايا التغيرات المناخية.

في السياق ذاته، أطلقت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية وثيقة تعبر عن موقفها تجاه حماية البيئة، وأشادت باستراتيجية مصر الوطنية للتصدى لآثار وتداعيات تغير المناخ، إضافة للإعلان عن مسابقة داخلية لتشجير الكنائس.

ضجيج بلا طحين

رغم أهمية هذه المبادرات، لكنها ستظل ضجيجًا بلا طحين، محدودة التأثير، ولا تتناسب مع حجم المؤسسات الدينية ولا حجم التحديات البيئية، خصوصًا في ظل أدوارها المتنامية في الرعاية الاجتماعية وسد احتياجات قطاعات لا يستهان بها من المصريين.

كما لا تعبِّر هذه المبادرات أو الأنشطة عن تغيير حقيقي في رؤية المؤسسات الدينية لتغير المناخ، ولا ما يخص موقعه على أجندتها. ويمكن القول إن هذه المبادرات اتسمت بعدد من الصفات، أبرزها:

  • الارتباط بتنظيم مصر لـCOP27، واستهدافها لقضايا فردية محددة. إذ اهتمت المؤسسات الدينية بقضايا السلام والمساعدات الإنسانية للفقراء أو في وقت الأزمات، لكن يغيب عن خطاب هذه المؤسسات والمسؤولين عنها الاهتمام بالقدر نفسه بقضايا الفقر وعدم المساواة والتنمية والعدالة الاجتماعية وبالطبع أزمة تغير المناخ.  
  • السلبية في مقابل إنقاذ العالم وتغيير المصير، لا يمكن للخطاب الذي يُطالب الإنسان بالسلبية تجاه المشاكل والمصائب، أو بقبول الظلم الواقع عليه تحت دعوى حتمية القدر، أو لأنه سيجازى عنه خيرًا في عالم ما بعد الموت، أن يحقق نجاحًا في قضية إنقاذ الكوكب.  
  • إلقاء اللوم على الإنسان الفرد وحده، وتصوير أن أزمة تغير المناخ من صنعه وأن سلوكياته هي السبب، هو التفاف حول الأسباب الحقيقية والمسؤولين عنها؛ فالإنسان كفرد يساهم جزئيا في صناعة الأزمة، لكن العبء الأكبر يقع على الدول الصناعية الكبرى، والشركات ذات النفوذ، وهما يتحملان المسؤولية عن وضع الحلول الناجعة.  
  • لم تنتقد المؤسسات الدينية توجه الدولة خلال السنوات الأخيرة من قطع الأشجار وتدمير الحدائق وتقليص المساحات الخضراء، ولم تحذر من تداعياته، رغم الآثار السلبية على صحة الإنسان.  
  • إرجاع المشكلات إلى عدم الإيمان وعدم الالتزام الديني. مثلًا يرى شيخ الأزهر في سياق حديثه عن تغيير المناخ أن أزمة عالمنا المعاصر، في المقام الأول، هي "أزمة أخلاق" و"أزمة إلحاد"، وأن معظم الشرور التي يعانيها إنسان اليوم هي انبعاثات حتمية للأزمة الأم. وهو خلط متعمد للأوراق، وعدم تشخيص سليم للمشكلة، فهى أزمة تحديد أولويات، وأزمة التزام بقوانين واحترام لحقوق الإنسان في العدالة البيئية.  
  • ​​​​​​التضارب بين خطاب المؤسسات وأفعالها، رغم حديثها عن عدم الإسراف في استخدام الموارد والاهتمام بالحفاظ على البيئة، لكنها في الوقت نفسه تهدر الطاقة وتلوث البيئة، والحديث هنا عن عدم مراعاة وجود أماكن خضراء داخل المؤسسات الدينية، وتغلغل نمط المباني الشاهقة التي لا تتناسب مع أعداد المترددين عليها، إضافة للاستهلاك المفرط في الطاقة وعدم الاقتصاد في استخدام الأجهزة الكهربائية.

غيَّرت الأديان سلوك أتباعها بشكل كبير عبر التاريخ، وشكَّلت عاداتهم الغذائية وقواعد الملبس والطريقة التي ينظم بها الناس يومهم. ويمكن للمنظمات الدينية أن تقدم نموذجًا للتعاون بين العلم والدين، للعمل على التخفيف من آثار تغير المناخ، كالقيام بحملات توعية مستمرة لإثارة قلق أكبر بشأن تغير المناخ، وممارسة الضغط على صانعي القرار السياسي، واتخاذ تدابير اجتماعية وتكنولوجية للحد من انبعاثات الكربون، مثل تحويل استهلاك الطاقة في المباني الدينية إلى مصادر للطاقة المتجددة، ومراعاة أن تكون دور العبادة والمؤسسات التابعة لها صديقة للبيئة.

وقبل ذلك كله أن تضع تحديات التنمية المستدامة كأولوية في الخطاب الديني، مع عدم تبرير الظلم وغياب العدالة. هنا يمكن المساهمة في الحد من الفقر، خصوصًا متعدد الأبعاد، الذي يؤثر بشكل أكبر على حقوق المرأة والشباب والأقليات الدينية.


(1) عدد 33-35.