-

يوميات صحفية برلمانية | كيف مررت الحكومة قانون الكنائس "التاريخي" في ست ساعات؟

منشور الخميس 1 سبتمبر 2016

6 ساعات فقط استغرقها تمرير مشروع قانون بناء الكنائس تحت القبة، 6 ساعات فقط أنهت الحديث عن حق بناء الكنائس وممارسة الشعائر الدينية، ذلك الحق الذي لم يُصغ فيه قانون منذ مرسوم الخط الهمايوني قبل 160 عامًا.

سويعات قليلة موزعة على ثلاثة أيام متتالية تنازل فيها المجلس عن دوره في التشريع والاستماع والمناقشات، لتمرير قانون توافقي معيب ​كما جاء من الحكومة بموافقة الكنيسة.

إدارة رئيس المجلس الموالية للقانون لا تنفصل عن سوابقه في تجميد مناقشة العنف الطائفي بداخل البرلمان وعدم الاقتراب من الملف الذي تتولاه الأجهزة الأمنية منذ سنوات طويلة.

مسرح مجلس النواب أنهى المناقشات بأكثر المشاهد عبثية، إذ أخرج رئيس المجلس من جعبته علمًا صغيرًا يبدو أنه أحضره خصيصًا للاحتفال وسط هتافات النواب وغنائهم النشيد الوطني بعد إقرار القانون.

والسؤال هنا: لماذا لم تمرر الحكومة (بالمرة) قانون "العدالة الانتقالية" الذي تأجلت مناقشته، طالما أمكنها بسهولة تمرير قانون "بناء الكنائس" بدون أن يتمكن النواب من تعديل حرف فيه.

 

(1)

 

أستلقي على سريري في محاوله لإعادة ضبط فقرات العمود الفقري التي تعاني نتيجة للقيادة ساعات طويلة، مما أدى لتغيبي عن المجلس، أعوّض هذا الغياب بأن أمسك بهاتفي المحمول لأتابع تغطيات زملائي في البرلمان وكتاباتهم على حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وأحاول أن أصل لصورة متكاملة لما يجري تحت القبة. 

أستقبل الخبر بدهشة رغم أنه متوقع؛ لقد مرر المجلس ووافق نهائيًا على قانون بناء الكنائس في بضع ساعات، وانتهى الأمر بتصفيق وهتاف ورفع رئيس المجلس لعلم مصر داخل القاعة، والتلويح به وغناء النشيد الوطني.

مرت أسابيع تحت القبة منذ بدء دور الانعقاد دون أي حدث يُذكر، لكن الأسبوع الاخير شهد سرعة شديدة وغير مبررة في تمرير عدة قوانين وأهمها قانون بناء الكنائس.

لماذا التسرع؟ هل يخشى أي من الأطراف المتوافقة على القانون بتراجع أحد الأطراف في لحظة ما؟

(2)

الدستور الذي روجت له السلطة والقوى المدنية بأنه دستور الحريات والدولة الحديثة كان أنهى - بنص المادة 235 - الحديث عن قانون موحد لدور العبادة، إذ تنص المادة على أن "يُصدر مجلس النواب فى أول دور انعقاد له بعد العمل بهذا الدستور قانونًا لتنظيم بناء وترميم الكنائس، بما يكفل حرية ممارسة المسيحيين لشعائرهم الدينية"، إذن التمييز المتعلق ببناء دور العبادة بدأ من الدستور وليس من مشروع القانون.

في الوقت نفسه يتحمل البرلمان مسؤولية ما جاء بعد دستور 2014، عقب إزاحة الاخوان عن السلطة والزج بقياداتهم في السجون، وبعد رفع شعار الهوية المصرية والدولة المدنية التي كنا نخشى عليها من جماعة الاخوان. فالمجلس أقر قانون بناء الكنائس الذي آثار الجدل لسنوات بعد مناقشة بضع ساعات في الجلسة العامة و اللجنة التشريعية.

البرلمان الذي يضم أكبر نسبة للأقباط في تاريخ الحياة البرلمانية، عددهم 39 نائبًا، مرر قانون بناء الكنائس الذي يعتبره الكثيرون من الحقوقيون والاقباط تكريسًا للطائفية والوضع القائم منذ الفرمان العثماني المعروف بالخط الهمايوني.

القانون الذي أعدته الحكومة ووافقت عليه الكنيسة بعد شد وجذب، خرج دون تعديلات تُذكر من قبل النواب رغم الاعتراضات على المادة الثانية التي تمنح المحافظين صلاحيات مطلقة في الموافقة والرفض على بناء الكنائس. بالإضافة إلى ربط بناء الكنائس بعدد السكان الأقباط بالمحافظات والقرى، الأمر الذي سيقرره المحافظ بتقديره الشخصي، مع عدم وجود إحصاءات واضحة عن أعداد الأقباط في مصر. 

سجل النواب الأقباط اعتراضات شديدة قبل مناقشة مشروع القانون تحت القبة، لكن بوصول المناقشات الى الجلسة العامة مرت مواده بسلام وبدون تعديل، ولم نسمع صوت أي من النواب المتشدقين بالمواطنة وحقوق الانسان.

تحدث عماد جاد ومارجريت عازر وايهاب الطماوي وغيرهم من النواب الأقباط، لكن المضبطة لم تسجل كلمات قوية لهم بقدر ما سجلت تحفظات طفيفة على المادة الثانية.

أما النائبة نادية هنري التي صرخت في وجوه النواب في اجتماع اللجنة التشريعية منتقدة القانون الذي يهدر كل قيم المواطنة، لم تسجل اعتراضها او تتحدث في الجلسة العامة.

الصمت نفسه كان سمة الجهة الأخرى؛ فنواب حزب النور السلفي الرافض لمشروع القانون لم يُسمَع لهم صوتًا خلال المناقشات، رغم ظهور عدة تصريحات منسوبة لهم تؤكد رفضهم للقانون الذي اعتبروه يسمح بـ "توغل" المسيحيين.

التحول الذي حدث في المواقف بين ليلة وضحاها ربما تفسره تركيبة البرلمان، التي أشارت شهادات لسياسيين ومرشحين وتقارير صحفية إلى التدخل الأمني في انتخاباته، هذا الذي يعني أن أجهزة بعينها يمكن أن توجه النواب للموافقة على القوانين.

(3)

"هذا القانون نريد أن يصدر كما جاء من الحكومة". كان هذا هدف رئيس المجلس علي عبد العال الذي كرر هذه الجملة مرارًا خلال الجلسة العامة بشكل صريح ودون أي مواربة، مؤكدًا على أن القانون توافقي، وسط مقاطعات من وزير الدولة للشؤون القانونية مجدي العجاتي الذي كرر أن القانون مُعَدّ بنوايا طيبة.

أدار عبد العال الجلسة والنقاش بالطريقة التي تُمكّن "قانون النوايا الطيبة" بالخروج كما أرادت الحكومة، ومهّد لذلك التحول الشديد في مواقف النواب بين ليلة وضحاها، إذ شهدت مناقشات اليوم الأول في اللجنة التشريعية اعتراضات شديدة على المادة الثانية. وأنهى بهاء أبو شقة الاجتماع بعد مشادات، فيما عاد النواب في اليوم التالي لاستكمال النقاش في هدوء دون اعتراضات تذكر.

إدارة عبد العال للجلسات لصالح الحكومة ليست وليدة اللحظة ولا رغبة في تمرير قانون بناء الكنائس فقط. منذ يناير/كانون الثاني الماضي، يمارس رئيس المجلس مهامه متماهيًا مع الحكومة، وهي الصورة التي ترسخّت عبر الأشهر الماضية، وبلغت مداها في الأسبوع قبل الأخير  لإنهاء دور الانعقاد.

فأستاذ القانون الدستوري يعطّل التصويت الإلكتروني في عدد من القوانين ورفض تطبيقه في قانون "ضريبة القيمة المضافة"، مفضلّا وقوف الأعضاء الموافقين، وعجّل بمناقشات قانون بناء الكنائس، وأعلن عدة مرات رغبته في صدوره كما هو دون تغيير، واكتفى بتسجيل اعتراضات النواب الطفيفة في المضبطة فقط.

عبد العال المتخبط في ادارته أحال نواب تكتل 25-30 إلى لجنة القيم لانسحابهم من جلسة التصويت على قانون القيمة المضافة، وعقد مؤتمرًا صحفيًا في إحدى قاعات المجلس، وتراجع بعد يومين وعَقَد جلسة صلح معهم، رغم أن قرار تحويلهم للقيم جاء بموافقة النواب الحاضرين في الجلسة العامة.

ولم ينه عبد العال الأسبوع المتخم بقوانين مرت في ساعات قليلة دون الهجوم على الإعلام الذي ينتقده، وتهديده بوجود ملف لديه بأسماء الإعلاميين الذين ينتقدوه مشيرًا إلى أن هدفهم هو إسقاط المجلس.