إيلون ماسك المنوفي.. احتمالات عديدة ونجاح وحيد

في واحد من تلك الأكوان المتوازية ربما لم يولد الملياردير إيلون ماسك في جنوب أفريقيا، ولم يحمل أبيه جنسية تلك الدولة كما لم تكن أمه كندية، بل وُلد لأبوين مصريين كادحين في محافظة مصرية، ولتكن المنوفية.

يحتمل أن تكون قد سمعت عن نظرية الأكوان المتعددة. تلك النظرية التي تفترض وجود عدد لا نهائي من الأكوان، تختلف عن بعضها البعض، وقد تكون تلك الاختلافات كبيرة جدا وواسعة، كأن تختلف قوانين الفيزياء نفسها، فيكون هذا الكون مغايرًا تمامًا لكوننا الذي نحيا فيه؛ ربما ينهار هذا الكون على نفسه في لحظات التكوين الأولى، أو يتمدد بلا نجوم، أو لا تقدر نجومه على صناعة عناصر أثقل، فيكون بلا حديد أو كربون أو حياة.

وربما تكون تلك الاختلافات طفيفة، كأن تفوز مصر بكأس العالم في ذاك الكون، أو يكون الدولار هو الذي انهار أمام الجنيه بعد أن صارت مصر قوة عظمى في هذا الكون اآخر. أو قد يولد كون تتحقق فيه إجابة هوكينج ونبوءته، عندما سأله جون أوليفر مقدم برامج التوك شو الشهير في لقاء تليفزيوني: "بناء على رؤيتك حول الأكوان المتعددة فهل من الممكن أن يوجد كون أكون فيه أذكى منك؟" فجاء رد هوكينج الساخر: "نعم وتكون خفيف الظل كذلك".


إيلون ماسك.. مصري في الإعدادية

في واحد من تلك الأكوان المتوازية ربما لم يولد إيلون ماسك في جنوب أفريقيا، ولم يحمل أبيه جنسية تلك الدولة كما لم تكن أمه كندية، بل وُلد لأبوين مصريين كادحين في محافظة مصرية، ولتكن المنوفية، لم يعانِ الاكتئاب والعزلة عقب انفصال والديه. لم يسافر إلى كندا في السابعة عشر طلبًا للدراسة وهربا من أداء الخدمة العسكرية الإلزامية، لم يحصل على الجنسية الكندية ولم ينتقل للولايات المتحدة لاستكمال دراسته في الفيزياء والطاقة والاقتصاد، ثم يحصل على جنسيتها.

كان للطفل نفس شَعْر إيلون الأسود وملامحه ونظراته وحتى مزاجه، لكن والديه لم يسميانه إيلون؛ بل أسمياه إسماعيل.
كان لإسماعيل خيالاً واسعًا، تمامًا مثل إيلون. وكان شغوفًا بمراقبة الأشياء وحركتها، وكثيرا ما يسأل عن طريقة عملها. كان يهوى القراءة وقد ساعده على ذلك مكتبة عامة أنشأتها الدولة ضمن مشروع شاركت فيه معظم وزارات مصر بدعم مباشر من حرم الرئيس حينها، وليكن اسمه مشروع القراءة للجميع. كان يقرأ ويسأل كثيرًا، وغالبا لا يجد إجابات.

عرف عن أينشتاين والنسبية ونيوتن وتفاحته وجاليليو وبرج بيزا المائل. في الإعدادية عرف إسماعيل عن الـ"دي إن إيه" DNA، التقط كتابا من المكتبة منحه معلومات سريعة ومبتسرة. ولأن أسئلته بقيت بلا إجابات، تشكلت الصورة في وعيه مشوشة قليلا، ولأن خياله واسع وغير محدود؛ فقد أكمل خياله النشط جُلّ الثقوب، فشُبِّه له أنه يملك صورة كاملة.

كان قلب إسماعيل مملوءًا بالحماسة، كما كان ذكيًا ومختلفًا، وكان مدركًا لذاك الذكاء والاختلاف. في المرحلة الإعدادية عندما طُلِب منه أن يكتب في التعبير عن العالم المصري أحمد زويل، أخفى في قلبه رأيه فيه. كان يحترم مُنجزه؛ لكنه لم يحبه لأنه اختص الغرب بعبقريته وضن بها على بلاده.

في نفس العام بدأ يفكر في الجاذبية ومركبات الفضاء. فكر في سفينة فضاء تعمل فقط بتوليد مجال للجاذبية، يتنافر مع مجال الأرض المغناطيسي فتصعد المركبة للسماء. انتشى بالفكرة، وتعجب من أن أحدًا لم يفكر فيها رغم بساطتها، لكنه لم يهتم كثيرا فهو يعلم أن أعظم النظريات هي أبسطها وأن العقل البشري عجيب، تشوش عليه الأفكار المسبقة والحشو حتى يعجز عن رؤية أشد الأمور وضوحًا. رسم إسماعيل/ إيلون تلك المركبة وملفاتها، وكان رسمه جميلا.

في نفس العام كذلك فكر في دواء شاف من كل عدوى خاصة الإيدز، يعتمد على هندسة خلايا الدم البيضاء وراثيًا لتحتوي على شفرة وراثية تضع كود إنزيمات يمكنها أن تقطع الشفرة الوراثية للخلايات المعادية (الفيروسات والبكتريا) عند تتابعات معينة. رسم نظريته أيضا وأعجبه الرسم.

تصور لبرمجة الحمض الوراثي DNA

رأت والدته الرسم بالصدفة، وسألته عنه فشرح لها في بهجة. كانت فَرِحَة جدا بابنها، لذا لم تصبر على زوجها الذي جاء منهكًا من العمل مساء وأرته الرسوم، ونادت على إسماعيل الذي عملت على منعه من النوم حتى مجئ أبيه. شرح إسماعيل لأبيه ما جاء في الرسوم وانبهر الأب في تحفظ.
في الصباح حمل الأب الرسوم إلى زميل له في العمل تعليمه جامعي، اندهش الرجل ولم يعقب، لم يعرف ماذا عليه أن يقول، أخفى عدم فهمه ثم خطرت في باله فكرة. له صديق صحفي واسع العلاقات، سيخبره عن الفتى، يستطيع الصحفي أن يعرف عبر مصادره إن كان الفتى مُحقَا، وساعتها سينشر عنه وسيستفيد الصحفي والفتى.

وجد الفتى نفسه فجأة مانشيتًا في الصحف، وضيفا على برامج التوك شو التي يتحدث فيها مطولاً عن أفكاره ونظرياته. كان مأخوذَا ومضغوطًا حتى أنه أخذ يتحدث فيما لم يستغرق منه وقتًا في القراءة والتفكير. تحدث عن تحطيم نظرية أينشتاين وعن انتصار العقل على دارون. تحدث وتحدث..

احتمالات إسماعيلية

تذهب بعض تفسيرات نظرية الكم إلى أنه عند اتخاذنا لأي قرار أو عند وقوع أي حادث فإن الكون ينقسم إلى أكوان بعدد الاحتمالات. الآن مثلا وأنت تقرأ هذا المقال، كان عليك أن تفاضل بين ثلاثة أشياء أن تستكمل المقال بلا توقف، أن تُعِد لنفسك كوب شاي وتكمله وأنت ترشف منه، أن تكف عن استكمال القراءة. ستختار أن تكمله في كوننا هذا لكن في نفس الوقت بات هناك كونان آخران في أحدهما نهضت لتعد كوب الشاي وفي الآخر لم تكمل المقال.

في تلك الليلة وعقب عودة أيمن منتشيا من تكريم حكومي؛ انقسم الكون إلى أكوان عديدة. في الكون الأول اصطدم الفتى بسخرية زملائه وجيرانه منه، أروه صوره على مواقع التواصل الاجتماعي ومقالات ولعنات واتهامات بالجهل، أدرك أنه لم يعرف شيئا، وشك في ذكائه وقدراته وأصيب بالاكتئاب بقية عمره.

في كون ثان؛ كذّب الفتى أعداء النجاح الحمقى. أخذته العزة بالإثم وشعر بجلاله وتََدَنِّيهم وحسدهم، واستمر في صناعة أجهزة تُخاطب الأحجار وتحول التراب إلى ذهب وفيروس الإيدز إلى كفتة.
في كون ثالث وبعد سنوات، أدرك اللعبة وتفاصيلها وقرر أن يستثمرها فأصبح نصابًا مخادعًا، وليس ساذجا فقط.
في كون رابع، عاش حياة عادية مملة بعد أن أصيب بالاكتئاب قليلا، وأيقن أنه إنسان عادي.

كلها كانت أكوان عُذِّب فيها أو انطفأ وهجه. كان احتمال أن يستثمر ذكاءه بعد ما حدث قليل جدا، ربما واحد في المليون. لذا كنا بحاجة إلى مليون كون؛ تُدَمَّر فيها شخصيته كي يبزغ كون وحيد باحتمال أن يتماس فيه خط حياته مع إيلون ماسك الذي وُلِد في جنوب أفريقيا، وعرف مبكرًا أن هناك كمبيوتر فلعب به حتى قام ببرمجة لعبته الإلكترونية الأولى وهو في الثانية عشر من عمره، لتُستَثمَر موهبته فيما بعد بشكل مناسب.

مليون كون يتلاشى فيها نجمه لصالح كون واحد يتماس فيه خطه مع إيلون ماسك، رغم أنه يحمل ذات العقل والصفات والملامح وتتابعات شريط الدي إن إيه.
مليون كون يفشل فيهم إسماعيل في صناعة شيء يذكر؛ لصالح كون واحد يتحول فيه خياله بصناعة قطار فائق السرعة من خلال تسييره في أنابيب منخفضة الضغط لتقليل الاحتكاك؛ إلى مشروع حقيقي. لعبته المتخيلة التي كان يلهو بها وهو ابن عشرة أعوام، البندقية قاذفة اللهب، تنتجها شركته التي أسسها مؤخرا وتباع كلها لراغبي المرح.


يؤسس شركة paypal للبيع السيبراني وتستخوذ عليها ebay فيما بعد بمليار ونصف دولار. لم يكن قد أتم الخامسة والأربعين وأصبحت لديه شركة سبيس إكس، التي تُسيِّر مركبات إلى الفضاء وتوشك أن تستعمر المريخ، وشركة تسلا لإنتاج السيارات الكهربية، بالإضافة لشركته صاحبة الأفكار المجنونة كالقطار فائق السرعة وقاذفات اللهب والتي أسماها بورينج كومباني (الشركة المملة).

كان هناك كون من الأكوان المليون تم فيه إيداع إسماعيل مصحة عقلية، بعدما وقف يوما على طاولة في المطعم الذي يعمل فيه، وهتف أنه قد صنع سيارة كهربية لونها أحمر قرمزي، وبمعونة صاروخه الفضائي فالكون؛ ألقاها في مدار حول الأرض، وأنها قد تقترب في غضون أشهر من كوكب المريخ.


في ذلك الكون دخل إسماعيل المصحة العقلية. بينما في كوننا؛ وضع إيلون ماسك سيارته الكهربية بالفعل في مدار حول الأرض، ويفكر حاليا في نشر عدد كبير من الأقمار الصناعية على ارتفاعات منخفضة لتقديم خدمة الإنترنت فائق السرعة لسكان المناطق الريفية البعيدة والمقفرة، وفي صنع غواصات في حجم الأطفال mini-submarine كمساهمة في إنقاذ الأطفال التايلنديين الذين حاصرتهم المياه والأمطار في الكهف وإن لم تُستَخدَم حينها.

كل هذا فعله ويفكر فيه إيلون ماسك، لأنه في كوننا هذا لم يكن اسماعيل ابن المنوفية.