في مديح الحب ونقد ثنائية "الديوث - الذكر" لمعز مسعود

لقد صار قلب الإنسان حقلًا للدعاية وإعلانًا للفتاوى الدينية ومجالًا للوصاية على العقول والمشاعر الأكثر حميمية.

فجر زواج الداعية الإسلامي معز مسعود بالفنانة شيري عادل جدلًا اجتماعيًا كبيرًا وفتح بابًا للمقارنة بين أقوال الدعاة وأفعالهم، خاصة مع ظهور مقطع فيديو قديم له يتحدث فيه عن ثنائية التعري- الرجولة، وربط الحكم على مدى "ذكورة" الرجل بهيمنته على قرار المرأة فيما يخص المساحة المغطاة من جسدها بالملابس، محذرًا من أن البحث عن "الحب والرومانسية" قد يُسقط المسلم في بئر "الدياثة"، وعلى الشباب أن يختار الحجاب أو المرأة المتدينة لا المرأة التي يشعر معها بالرومانسية الناتجة بطبيعة الحال عن حب متبادل.

ولكن المواقف تغيرت، إذ إصدر مسعود بيانًا بعد زواجه من الفنانة شيري يخبرنا فيه أنه اختار "الحب"، وأنه لم يكن "ديوثًا"، فالاحتشام تدريجي وأعطاه نسبة 90% من فكرة الحجاب. وأن زوجته مع مرور الوقت - أو بالتدريج كما أشار- ستصل للمرحلة النهائية للحجاب أو الحشمة.

إن خطاب معز المتناقض وتعدد زيجاته، يبدو منتجًا مناسبًا لنمط الحياة القائم في ظل منظومة تُخضِع الإنسان ومشاعره لعالم السوق وتقلباته وأجندات رؤوس الأموال التي تتحكم في إنتاج الخطاب الديني الخاص بمعز مسعود وزملاء مهنته، وهذا الخطاب يتغير حسب الزمن، فعلى الداعية أن يُقدم السلعة المطلوبة من الجمهور حتى يتم بيعها بنجاح.

تجري المضاربة هذه المرة على الحب الذي تحول إلى فرصة للسطو على مساحة الحياة، حيث الرجل والمرأة يجتمعان في ظل صراع مفاهيم الحلال والحرام، ومن أجل الحصول على أفضل جودة من الحب والسعادة الناتجة عنه، عليك شراء فتاوى المعز أو غيره.

وفي ظل هذا الجدل الديني - الحياتي العقيم، يمكنا أن ننظر للأمر من منظور فلسفي مغاير يتعلق بمفهوم الحب ذاته، والتساؤل هل استُهلِك الحب في عالم يتميز بطابع مادي - استهلاكي؟ هل تراجع الحب ليتوارى خلف نسخة رديئة لفكر ديني - نفعي؟

يبدو أنه من أجل البحث عن أشباه إجابات لهذه التساؤلات -لأنه لا شيء مؤكد، حان الوقت لنستعيد مقولة الشاعر الفرنسي رامبو "ينبغي إعادة ابتكار الحبّ من جديد".

ماركس والديوث واللعوب

يرى كارل ماركس إن الرابطة المباشرة والطبيعية الضرورية للإنسان هي علاقة الرجل بالمرأة. وفي ضوء هذه العلاقة يمكن للمرء أن يصدر حكمًا على درجة التطور الكلي للإنسان والمجتمع الذي يعيش فيه.

ويحدد كل من كارل ماركس وفريدريك إنجلز محتوى الحب والزواج كظاهرة اجتماعية تتعلق بعلاقات الإنتاج السائدة في مكان وزمان تلك الظاهرة، وبالتالي فإن الحب والزواج لا يمكن أن يكونا إنسانيين حقًا إلا في ظروف علاقات حرة تمامًا وخالية من أي مفهوم ديني- نفعي كالذي يروجه المعز مسعود ضمن ثنائية "الحب - السلعة" الذي يستتر خلفه تشييء المرأة بالضرورة، والتعامل معها كسلعة للمتعة المؤقتة، والتعامل مع عقد الزواج كوثيقة شراء.

لهذا يعد الحب بين المرأة والرجل في نظر مؤسسي الشيوعية، ظاهرةً اجتماعيةً واقعيةً ترتبط بالضرورة بالبناء الثقافي والديني للمجتمعات، إذ لا يتوقف فقط على المادة ولكنه يمتد ليتوقف على عناصر فكرية تخرج الجسد الأنثوي من معادلة الذكورية، وتسقط معها قواعد البناء الذكوري التي شيدت مفاهيم مثل "الديوث".

وعلى الرغم من هذا النقد القوي لمنظومة الزواج الديني-البرجوازي ونمطيته التي يمثلها معز مسعود في نظرته للمرأة من خلال ثنائية "متبرجة - متدينة"، أدان ماركس وإنجلز ولينين التمرد الفوضوي على الزواج البرجوازي من خلال علاقات الجنس خارج منظومة الزواج، وأشاروا إلى أن إباحة هذا الأمر بداعي الحب الحر سيتحول إلى "دعارة" واسعة الإنتشار.

وهذا دليل على أن المفهوم الأخلاقي المحافظ في الحب لا يحتاج إلى عملية تنميط دينية قائمة وهمًا على جسد المرأة، بل يمكن ربطها بمنظومة الحقوق التي تتحصل عليها المرأة وبالمساواة الاجتماعية الكاملة لتدخل في علاقة حب ومن ثم زواج يشكل أرقى شكل للعلاقة بين الرجل والمرأة.

فعندما يتحرر الحب من جميع عناصره الحيوانية والإكراه المباشر أو غير المباشر، ويتحول في لحظةٍ إلى حالة من الاتحاد الروحي المتحقق بفضل المساواة التامة بين الرجل والمرأة، آنذاك فقط تولدُ أسس شكل جديد وأسمى من الزواج.

هو وهي.. لا نحن

ومن هذا المفهوم الماركسي للحب وفي سبيل شكل أسمي للحب، يعطي للمرأة حريتها وفرديتها ويضمن للرجل عدم تنميطه بين "ذكر - ديوث" يقوم الفيلسوف آلان باديو - هو أحد مؤسسي الحزب الاشتراكي الموحد في فرنسا- برفع راية " ابتكار الحب من جديد"، حيث يقول في كتابه في مديح الحب "يتسم الحب بالانفصال أو الانفصام، لعله الاختلاف البسيط بين الفردين وتركيباتهما الشخصية.

هذا الانفصام، في معظم الحالات، هو الاختلاف النوعي في الطباع والسلوكيات، حيث يتطلب الحب أن يلتقي شخصان مختلفان. بكلمات أخرى، يحتوي الحب على عنصر مبدئي هو الانفصام، أو الاختلاف، لديك اثنين. الحب، في البداية، هو اثنان.

للحب هنا صورة ملائمة بلا استعارات وكلام عاطفي مبتذل، أو أحكام دينية مقيدة، وبالتالي فهو لم يعد يعزز الاختلافات الجنسية "الجندر"، ولا يمنح لجنسٍ السيطرة على الآخر ولا يبتزه عاطفيًا أو دينيًا، واستغلال رمزية الدين لتوليد الحب والزواج على أنه أمر إلهي، فتجربة الحب من نظر باديو يجب أن تخرج من المستوى العشوائي لمستوى الاختيار العقلاني، أي أن ننتقل بالحب من حدث اللقاء لبناء الحقيقة، والحقيقة في نظره هي التي تؤدي إلى السعادة.

كما يسمح مفهوم الحب الجديد بمساحات واسعة لتقبل الآخر، حتى وإن اختلفت الميول الجنسية (المثلية، كمثال) ، وليس اختلاف النوع فقط بين الذكر والأنثى، فهو ليس حب الـ"نحن" كهوية، بل حب يؤسس للتعددية، حيث ينهي تقاطُع الخطابات حول الحب مع الخطابات الدينية. لأنّه في كل السياقات الدينيّة -المتعارف عليها على الأقل- دائمًا ما يكون الحب مفهومًا جماعيًا، لا يحترم الاختلافات.

مؤسسات لا "ديوث" فيها ولا "لعوب"

ومن أجل أن نشرع في تفعيل مفهوم جديد للحب بناء على التعددية، وبعيدًا عن ثنائيات معز مسعود " المتبرجة- ذات الدين" و"الديوث- الذكر". فإن ذلك سيتطلّب نوعًا مختلفًا من بناء المؤسسات، غير قائمة على الهوية، حيث هناك مساواة كاملة بين الرجل والمرأة في الأجر وساعات العمل، بالإضافة إلى العمل على الأسرة فكرة تكوينها، وأنه من الممكن أن تنشأ روابط بين الجنسين وتكوّن بناءً رمزيًا للحب مع الحفاظ على الاختلافات بين الأفراد، وأن المؤسسة المُشيدة على التضاد أو الاختلاف تملك قدرًا كبيرًا من التنوع الفكري وديناميكية التصرف، وهذا سيغير من فكر النّاس نحو إنشاء مؤسسات قائمة على التطابق بين أفرادها.

من خلال هذا ينتقل الحب من مفهوم رومانسي قائم على الشهوة والامتزاج، إلى مرحلة تكوين مفهوم أخلاقي وسياسي لاختراع أشكال جديدة من العيش المشترك بين الناس، هو ما من شأنه أن يساعد على التئام جراح إنسانية أصابها القحط العاطفي جراء الاستهلاك والفتاوى الدينية.

وبناء على هذا التحول يتم طرح الحب كمفهوم إجتماعي مرتبط بالسياسة والدين وحقوق المرأة والإنسان بشكل أشمل، يعيد تعريف قضية أساسية، وهي أن الصراع بين قوى الرجعية (الدينية والبرجوازية - والتي يمثلها المعز مسعود والآلة الإعلامية التي تردد كلامًا يشبه كلامه) دائمًا ما يتعلق بالماديات والمصلحة، وخال تمامًا من المشاعر والعواطف، مما يجعل طرح الحب في الحقل الاجتماعي في حد ذاته وسيلة للمقاومة، وتهديدًا لمفهوم المصالح الطبقية - الدينية. وطريقةً لكشف المتلاعبين بالدين من أجل رغباتهم الشهوانية والاستهلاكية، وهذا يضيف ميزة تحليلية للقوى الرجعية داخل المجتمع، ويساعد في وضع تصور بديل وتقدمي لهذا الفكر.

وهنا يتحول مفهوم الحب إلى ثورة من أجل تحرير الأفراد من الحب المعولم القائم على الفرد المُستغل، المُنساق وراء رغباته الاستهلاكية، والذي تتجلى صورته في زماننا في صورة لاهوتية - دينية كئيبة تسلب من الفرد مشاعره الخاصة وتحرمها بداعي احترام الكهنوت. لقد صار قلب الإنسان حقلًا للدعاية وإعلانًا للفتاوى الدينية ومجالًا للوصاية على العقول والمشاعر الأكثر حميمية.

على سبيل النهاية

رغم انتعاش تجارة الأديان على يد الدعاة الجدد، إلا أنهم أحد أسباب فقر الحياة الروحية، والتصحر الرهيب في المنظومة الرمزية - العاطفية للشعوب، وفقد القدرة لدى الأفراد على الحب، وتشويه الحب بوصفه كعلاقة شائكة تحتاج إلى فتاوى دينية ووصاية من المشايخ، ووصف وكتالوج للمرأة التي يجب أن تُحَب، ليفقد الحب ميزته كفعل أخلاقي يؤسس حياة مشتركة على نحو مغاير.

ثمّة إذن حاجة لحب نضالي، بوصفه حبّا إبداعيًا يجدد الذات البشرية ويمنحها طاقات إيجابية للانطلاق نحو شكل أجمل من الحياة. حب يُعلّمنا ألاّ نستسلم للواقع الذي يتم توجيهنا إليه عبر الدعاية الاستهلاكية، حب لا يسجننا خلف جدران الفتاوى المعزية (نسبة للمعز)؛ حب شيوعي لا يزيد من رأس المال العائد من البرامج الدينية، ومواصفات الزوجة الصالحة.


مصادر إضافية

http://www.alittihad.ae/details.php?id=46840&y=2018&article=full

http://www.mominoun.com/events/%D8%AD%D9%84%D9%82%D8%A9-%D9%86%D9%82%D8%A7%D8%B4-%D8%AD%D9%88%D9%84-%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D8%B2%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8--%D9%84%D9%84%D8%A3%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D8%B0%D8%A9-%D8%A3%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B2%D9%8A%D9%86-%D8%A8%D9%86%D8%B4%D9%8A%D8%AE%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%83%D9%8A%D9%86%D9%8A-1091

https://kitabat.com/2013/08/11/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%A8-%D8%B9%D9%86%D8%AF-%D8%A2%D9%84%D8%A7%D9%86-%D8%A8%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D9%88/

http://almadasupplements.com/news.php?action=view&id=16996#sthash.ilCoEGZD.dpbs