سناء جميل الارستقراطية التي تقع في حب طارق، شاب جامعي من الطبقة العاملة يجعلها ترى مصر أخرى غير التي تعرفها

مشهد من فجر يوم جديد (1964)

فجر يوم جديد.. نقطة فاصلة مظلمة في رحلة يوسف شاهين

حاول چو تقديم قلق برجوازيي ما بعد الثورة من خلال حكاية امرأة تبحث عن ذاتها بتردد داخل عالم جديد غير مألوف بالنسبة لها.

يُعرف فجر يوم جديد (1964) بأنه الفيلم المغضوب عليه من بين أفلام يوسف شاهين، لا حفاوة نقدية، ولا نجاح جماهيري، سواء عند عرضه للمرة الأولى أو مع إعادة تقديمه للجمهور خلال عرض النسخ المُرممة لبعض أفلام "الأستاذ" في هذا الشهر، ولكن رغم ذلك، يبقى الفيلم نقطة مفصلية في رحلة چو، ويبقى عرضه حدثًا يستحق التوقف عنده.

يمثل الفيلم، الذي عرض في إحدى حفلات الساعة العاشرة مساءً، وهو وقت ميت تزامن مع الندوة التي أعقبت فيلم إسكندرية.. ليه؟ (1978) -صاحب لافتة كامل العدد، نقطة تحول في مسيرة يوسف شاهين السينمائية على عدة أصعدة بدءً من الفكرة نفسها انتهاءً بتقنيات السرد والاستعراض.

فبينما عكست أفلام شاهين المبكرة، والتي تزامنت مع العقد الأول من ثورة يوليو، اهتمامه المتنامي بقضية الطبقة العاملة وموقعها من التغيير الثوري، مثل تناوله حياة الفلاحين والعمال في صراع في الوادي (1954) وصراع في الميناء (1956) ثم باب الحديد (1958)، يختار چو في فجر يوم جديد برجوازيي ما بعد الثورة للحديث عنهم.

شاهين والطبقة البرجوازية

يبدو الفيلم للوهلة الأولى دراما عن نايلة (سناء جميل)، السيدة الأربعينية الارستقراطية المتزوجة، والتي تقع في حب شاب جامعي يدعى طارق (سيف عبد الرحمن) من الطبقة العاملة، الأمر الذي يمنحه فرصة أن يجعلها ترى مصر أخرى غير التي تعرفها، مصر ما بعد الثورة.

حبكة درامية استخدمت كثيرًا في أدب وسينما ما بعد ثورة يوليو تعكس رؤية أيديولوجية ساذجة تبنتها الثورة آملة في تحقيق نوع من الوحدة مع البرجوازية القديمة لتدعم التغييرات التي كانت تدعو إليها، ولعل أشهر الأفلام استخدامًا لتلك الحبكة هو فيلم الأيدي الناعمة (1963)، والذي ينتهي وقد خلع (البرنس) قفازه ليصطحب حبيبته وعائلتها -أبناء الطبقة العاملة- في رحلة نيلية محدثًا إياهم عن إحدى استراحات الملك السابق التي تحولت إلى مجلس لقيادة الثورة، وبرج القاهرة الذي يصفه بـ"أعظم بناء حجري في العصر الحديث".

ففي مشهد مماثل يصطحب طارق نايلة ليصعدا برج القاهرة على الأقدام، وأثناء الصعود يتبادل كلاهما الحديث عما جرى في حياتهما الماضية، ويرصد الفيلم خلال ذلك المشهد، التبدل في حالة نايلة المزاجية من امرأة متذمرة تنزع حذاءها ذا الكعب العالي لتصعد درجات السلم خلف شاب تعرفه بالكاد، إلى امرأة تُبدى حنينًا نحو ماضيها وحماسة عند حديثها معه، قبل أن تسقط إلى جواره أرضًا بعد وصولهما إلى القمة مستسلمة لنوبة ضحك جنونية.

وقد يزداد الشعور لدى المُشاهد بأن الفيلم ليس سوى واحدًا من أفلام الدعاية السياسية من أجل الاشتراكية بسبب طريقته في تصوير حياة الأرستقراطيين، نايلة وأصدقائها، حيث الحفلات التي تخيم عليها أجواء الرقص والسكر وتدخين الحشيش والعلاقات المفتوحة، وتلميحه إلى عدم قدرة تلك الطبقة على الشعور بمعاناة الطبقات الأقل في المجتمع، من خلال حكاية الأسطى حسن الخادم بمنزل زوج نايلة حمادة بيه (يوسف شاهين)، عندما يرفض الأخير إعطاءه المال من أجل شراء الدواء لابنه وبدلاً من ذلك يرسله لشراء الويسكي له ولأصدقائه.

هناك أيضًا جولات طارق الرومانسية مع نايلة داخل مصانع الثورة وأحاديثهم مع العمال، وحوار الفيلم الذي حوى كثيرًا من الشعارات الاشتراكية التي قد تصل حد الاستفزاز، حتى أنها بدت مقحمه عن عمد داخل النص خاصة مع خلط الفصحى بالعامية دون توظيف؛ فيقترب حسين (حمدي غيث) الصحفي شقيق نايلة منها في أحد المشاهد وهو يقول "أعظم أمنية عندي يا نايلة إنك تكتشفي الروائع تحت الملابس الممزقة".

كل هذا قد يدفع المُشاهد للتوقف قليلاً وتأمل الفيلم مرة أخرى، وربما أيضًا إلى التساؤل الجدي عن سبب تقديم يوسف شاهين فيلمًا دعائيًا دون قراءة حقيقة لواقعه المعاصر على غير عادته؟!

فجر يوم جديد هو قصة حب حزينة سلط شاهين الضوء من خلالها على القلق الذي عانت منها الطبقة البرجوازية بعد ثورة يوليو، حيث فشلت تلك الطبقة في التعامل مع التغيرات الجديدة في المجتمع واستيعابها؛ فعبر چو عن قلق برجوازيي ما بعد الثورة من خلال امرأة تبحث عن ذاتها بتردد داخل عالم جديد غير مألوف بالنسبة لها، إلا أنها عندما تقترب أكثر من طارق وعالمه تنتابها أفكار حول ماضيها، ويدور نقاش حاد بينهما يتضح من خلاله عدم قدرة كل منهما على التواصل مع الآخر، لتقرر هي في النهاية الابتعاد عنه.

ربما لم ينتقد الفيلم ثورة يوليو بشكل مباشر إلا أنه أشار إلى عنصر مهم سيمثل عقبة في طريق التغيير الثوري بعد ذلك، إذ حمل الفيلم إشارة خفية لخطر الطبقة العسكرية الناشئة التي حلت على مستوى النفوذ والامتياز البيروقراطي محل الطبقة البرجوازية القديمة، وهي كارثة سيتناولها شاهين لاحقًا في فيلم العصفور (1972)، وقد عبر الفيلم عن تلك الفكرة في نصفه الثاني من خلال الخط الدرامي الخاص بحسين شقيق نايلة الصحفي بأحد الجرائد القومية ومعاناته مع رئيس التحرير الضيف الدائم في حفلات حمادة بيه والمصير الذي انتهى إليه.

شاهين والمونتاج السوفيتي

في فجر يوم جديد يبدأ يوسف شاهين في التحرر من نمط الأفلام الشعبية التي قدمها في بداية مسيرته السينمائية ذات البناء الدرامي المألوف المستمد عن مفاهيم الفيلم الهوليودي ولكن بإمكانيات متواضعة، فيتبع شاهين تقنيات جديدة في سرد القصة معتمدًا على أساليب المونتاج السوفيتي، ومنها المونتاج الذهني Montage Intellectual لسيرجي أيزنشتاين، الذي يقوم على البناء الجدلي في السرد، حين تتجاور لقطتان غير متصلتين على الشاشة لخلق فكرة ثالثة في عقل المُشاهد.

ففي أحد مشاهد الفيلم بعد أن ينهي نايلة وطارق جولة بسيارتها، ويدور بينهما حوار قصير، يترجل هو من السيارة، وفي تجاور للقطتين يعبر هو الطريق بينما تتابعه هي بنظراتها بوجه خال من التعبير في لقطة من الحجم القريب Close Up، ليترك شاهين بعدها الكرة في ملعب المُشاهد لتخيل ما وراء تلك النظرات. لاحقًا، يتحول ذلك الأسلوب إلى سمة من سمات أفلام شاهين يعبر من خلاله عن الروابط العاطفية بين أبطال أفلامه، رغباتهم وهوياتهم الجنسية في أحيان كثيرة.

بدا ذلك أكثر وضوحًا ورسوخًا في إسكندرية.. ليه؟، من خلال حكاية عادل الشاب الأرستقراطي (أحمد محرز) الذي يشتري ضابطًا بريطانيًا ليقوم بقتله، ولكنه بدلاً من ذلك يحمله إلى منزله ويجعله يبيت الليلة في فراشه، قبل أن يصحبه في النهاية إلى مكان خدمته العسكرية.

لا تبدو إشارة الانجذاب الجنسي بين عادل والضابط البريطاني غير واضحة، ويمكن بسهولة استنتاجها، ففي أحد المشاهد تتكرر لقطة كلقطة السيارة بين نايلة وطارق في فجر يوم جديد، حين تتجاور لقطتان يترجل في إحداهما الضابط البريطاني من سيارة عادل متجهًا لمكان خدمته، بينما يتابعه عادل بنظراته في الثانية. وهناك أيضًا تجاور اللقطات في حدوتة مصرية (1982) حين يتبادل يحيى (نور الشريف) النظرات مع سائق سيارة أجرة في لندن.

استخدم شاهين المونتاج الذهني على استحياء في أفلامه المبكرة، إلا أنه ظهر بشكل أكثر وضوحًا في الناصر صلاح الدين (1963)، فيظهر في تجاور للقطات ما يشبه الوعاء الفارغ، ورجل تظهر علامات الجفاف على وجهه لتوحي اللقطتان معًا بالعطش، أو إسماعيل، ابن الناصر ممددًا وسط مجموعة من الجثث في ساحة المعركة ينظر إلى غرابين على شجرة فيوحي ذلك بالموت.

في الناصر صلاح الدين تتسع مساحة التجريب لدي شاهين في تطرقه إلى أساليب مونتاج أخرى من أساليب المدرسة السوفيتية؛ كالمونتاج الطولي Metric Montage حيث يتم بناء المشهد من خلال مجموعة من الصدامات، فيتم اعتراض أو قطع الحدث على الشاشة بلقطات تحوي أحداثًا أخرى، إلا أن اللقطات معًا تعطي تأثيرًا نفسيًا ما، كما في مشهد مقتل الحجاج حيث لقطات لملابس الضحايا البيضاء وهي تلطخ بالدماء، يعقبها لقطة دائرية لسيف على خلفية بيضاء، ثم يظهر ثوب أبيض وهو يتحول تدريجيًا إلى اللون الأحمر، وتتجاور تلك اللقطات مع قطع سريع للقطات بعيدة للهجوم الفعلي في الصحراء.

رغم محاولات شاهين استعمال المونتاج السوفيتي في فيلم الناصر صلاح الدين، الذي يسبق فجر يوم جديد مباشرةً، يظل الأخير هو بداية مشروعه السينمائي مع تقديم أفلام تنتقد الأوضاع السياسية المصرية والعربية وتوجه أصابع الاتهام تجاه العناصر التي أفسدت الثورة. فيستعين شاهين بالمونتاج السوفيتي في غير الغرض الذي طالما استعمل من أجله، وهو البروباجندا للشيوعية؛ إذ عرفت تلك المدرسة في المونتاج طريقها إلى شاشة السينما من خلال أفلام المخرج السوفيتي سيرجي أيزنشتاين، مثل المدمرة بوتمكين (1925)، وأكتوبر: 10 أيام هزت العالم (1927)، التي قدمت الدعاية السياسية للشيوعية وكسبت التعاطف مع الثورة البلشفية، بتأثيرها على عقل وسيكولوجية الجمهور من خلال المونتاج.

استكمل شاهين مشروعة السينمائي في أفلامه التالية لفجر يوم جديد، حيث نقد الأوضاع السياسية وسرد الأحداث من خلال أساليب المونتاج السوفيتي، فجاء على رأس ذلك المشروع ثلاثية ما بعد الهزيمة، التي كان أولها الاختيار (1970)، الذي سلط الضوء على حالة الارتباك حول الهوية التي أصابت المثقف المصري بعد هزيمة يونيو، من خلال حبكة بوليسية عن كاتب يعاني انفصامًا في الشخصية، ويبدو أنه قتل أخيه التوأم. ثم العصفور (1972)، والذي تدور أحداثه في بضعة أيام قبل وأثناء وبعد الهزيمة، حيث يصل الضابط الشاب رؤوف (سيف عبد الرحمن) والصحفي يوسف (صلاح قابيل) إلى قرية للتحري عن مجرم يدعي "أبو خضر"، ليتحول الأمر بعدها إلى فضيحة تشمل موظفين كبار بالحكومة ورجال أعمال يسرقون ويبيعون ماكينات القطاع العام. وقد حمل الفيلم نبرة تحريضية لمعاقبة الكيانات التي تسببت في هزيمة يونيو. وأخيرًا عودة الابن الضال (1976)، الذي تناول خيبة الأمل التي بدأت تتغلغل في الروح الجماعية العربية بعد الهزيمة.

استخدام شاهين لذلك الأسلوب المضطرب في المونتاج -والذي بدأ يتخلص منه تدريجيًا في التسعينات- أدى إلى وصم أفلامه بالنخبوية التي تخاطب الغرب وأن الغرض منها ليس سوى حصد الجوائز بالمهرجانات، أو أن شاهين نفسه غير قادر على الوصول إلى الناس وأنه غير مهتم بهم، بينما في الواقع كان الموضوع الأساسي لأفلام شاهين هو الحديث عن هؤلاء. وهو رد فعل معاكس لأصداء ذلك الأسلوب في المونتاج، الذي كان سببًا في وصول أعمال أيزنشتاين لشرائح كبيرة من الشعب السوفيتي حتى الأميين من سكان القرى، لدرجة أن جوزيف جوبلز وزير الدعاية النازى قال في يوم ما إن المرء يمكن أن يُصبح بلشفيًا إذا شاهد المدمرة بوتمكين.

في النهاية سيظل ذلك الأسلوب في السرد ومعالجة الموضوعات الذي بدأه شاهين مع فجر يوم جديد، مرحلة حاسمة من تاريخه، ستجعله مشاركًا في الساحة السياسية بأفلامه، حتى أنه في أحيان كثيرة سيستشرف من خلالها المستقبل.