ملاحظات مشجع لم ينتحر

ولكن مثلما تدفع كرة القدم الناس أحيانًا إلى نهايات مأساوية كالقفز من فوق البنايات، فإنها في أحيانٍ أخرى تنقذ أرواح آخرين.

صيف 1969، مواطنة سلفادورية اسمها إيميليا بولانوس عمرها 18 سنة تتابع مع والدها في المنزل مباراة منتخب بلادها ضد الهندوراس في تصفيات كأس العالم 1970 التي ستنظمها المكسيك. مثلها مثل أي مواطن سلفادوري تلقت صدمة هدف هندوراس الثالث في شباك فريقها.

حسب رواية والدها، تسللت الفتاة بكل هدوء من جواره إلى مكتبه، وما أن مرت حوالي دقيقتين حتى سمع صوت ثلاث طلقات نارية، ليدخل مسرعا ويجد أن ابنته قد أصابت نفسها بثلاث أعيرة تشبه الأعيرة الهندوراسية في قلوب كل المواطنين!

كانت جنازتها متلفزة. سافر رئيس السلفادور والوزراء وفريق كرة القدم في البلاد خلف النعش المغطى بالعلم. وفي غضون شهر، ستساعد وفاة بولانيوس في اشتعال "حرب كرة القدم" بين السلفادور وهندوراس.

رسم مصور لحادثة إنتحار إميليا بولانوس.. المصدر موقع Medium.

هذه واحدة من قصص كثيرة مجنونة لمشجعي كرة القدم، دفعت وزارة الرياضة البرازيلية لإصدار وثائق قبل كأس العالم 1994 في نشرات مطبوعة وموزعة على لاعبي المنتخب عن عدد المواطنين الذين أصدروا قرارًا بإنهاء حياتهم بالسقوط من فوق البنايات بعد أن ودع أحد أفضل أجيال الكرة البرازيلية مونديال 1982 بالخسارة من إيطاليا بثلاثة أهداف لهدفين، بل عجبا.. هل سمعت من قبل أن برازيليًا أنهى حياته بطلقة نارية من الفرح المطلق بعد أن توجت البرازيل بأول كأس عالم لها عام 1958؟

في الوقت الحالي يقر الجميع بأن الخسارة الكروية أصبحت أحد الأسباب الشائعة للانتحار، غالبا ما يستشهد البعض بقصص "ملهمة" نحو الانتماء للفريق أو الوطن، باعتبارها تظهر سيطرة كرة القدم على محبيها، أو التحاكي بقصص الأزمات القلبية حين مشاهدة كوارث متلفزة تصيب الفريق.

ولكن مثلما تدفع كرة القدم الناس أحيانًا إلى نهايات مأساوية كالقفز من فوق البنايات، فإنها في أحيانٍ أخرى تنقذ أرواح آخرين.

الانتحار وعلاقته بالرياضة

كل عام حوالي يقرر نحو 800 ألف شخص حول العالم إنهاء حياتهم، وهذا يعادل عدد الوفيات سنويًا بسبب مرض العصر للسيدات، سرطان الثدي، وحوالي ربع من ماتوا في حرب فيتنام. حاول الإنسان دفع الأذى عنه فاستطاع أن يحد عن أمراض تحصد الأرواح جمعا في قرون فائتة مثل الإنفلونزا والطاعون، بل واستطاع أن يقنن أشياء مثل المخدرات وأن يحد من الحوادث المرورية، ولكنه لم يتوصل لحل في أمر الانتحار ثاني أكثر سبب يحصد الأرواح بعد الوفاة الطبيعية خاصة بين من تبلغ أعمارهم 15-29 سنة.

يختلف خطر الانتحار اعتمادًا على من أنت في العالم. فمثلًا، تحاول النساء الانتحار أكثر من الرجال، ولكن معظم حالات الانتحار الناجحة هي لذكور. في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، فإن 80 بالمئة من الأشخاص البالغ عددهم ثلاثين ألفًا الذين يقتلون أنفسهم كل عام هم من الذكور. لأسباب لا يفهمها أحد تمامًا، فإن أعداد المنتحرين تبلغ ذروتها عندما تكون ساعات النهار أطول.

تفسير أسباب الانتحار كظاهرة أمر شغل العلماء منذ نشأة علم الاجتماع. في عام 1897 نشر إميل دوركهايم دراسته الانتحار. لم تكن فقط أول دراسة اجتماعية خطيرة عن الانتحار، لكنها كانت واحدة من أولى الدراسات الاجتماعية عن أي شيء تقريبًا. بالاعتماد على إحصائيات وفيرة، لاحظ دوركهايم أن انقطاع صلة الإنسان بمجتمعه الأوسع بسبب تغيير مفاجئ كالطلاق أو موت الشريك أو التعرض لأزمة مالية سبب رئيسي من أسباب الانتحار.

بعد بضعة عقود بدأ علماء الاجتماع يتساءلون عما إذا كانت معاناة الإنسان تشمل النتائج السلبية للفرق التي يشجعونها في المباريات الرياضية. قد تكون أعداد حالات الانتحار التي نجمت عن الهزائم الرياضية كبيرة؛ فبعد كل شيء، معظم حالات الانتحار هي بين الرجال، والرياضة تعطي معنى للكثير من حياة الرجال.

كان فرانك تروفاتو أستاذ علم الاجتماع بجامعة ألبرتا في كندا، من بين أوائل من قاموا بالتحقيق في العلاقة بين الانتحار والرياضة. وجد أن فريق هوكي الجليد في مونتريال كانادينز - الذي كان يوصف بأنه الفريق الوطني للبلاد - خرج من المباريات الفاصلة بين1951 و1992، من المرجح أن يقتل الرجال بمدينة مونتريال الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و34 سنة أنفسهم. ولكن روبرت فيرنكويست، عالم الاجتماع في جامعة ولاية ميسوري المركزية، ذهب إلى أبعد من ذلك.

درس فيرنكويست العلاقة بين حالات الانتحار في ثلاثين منطقة حضرية أمريكية، ونتائج الفرق الرياضية المحترفة في هذه المناطق، من عام 1971 حتى عام 1990، وأظهر أن عدد حالات الانتحار الأقل حدثت في المدن التي حققت فرقها نتائج أفضل في التصفيات. وقال فيرنكويست إن الوصول بشكل روتيني إلى التصفيات يمكن أن يحد من حالات الانتحار بنحو عشرين فردا في كل عام في منطقة كبيرة بحجم بوسطن أو أتلانتا.

وفي وقت لاحق، قام فيرنكويست بالتحقيق في صلة أخرى بين الرياضة والانتحار؛ نظر إلى معدل الانتحار في المدن الأمريكية بعد أن انتقل فريق رياضي محلي إلى مدينة أخرى. اتضح أن بعض المشجعين الذين هجرهم فريقهم قتلوا أنفسهم. حدث هذا في نيويورك عام 1995 عندما غادرت فرق بروكلين دودجرز ونيويورك جاينتس للبيسبول إلى ولاية كليفلاند، وفي هيوستون في 1997-1998 عندما غادر فريق كرة القدم إلى ىنيكسوس. في كل حالة كان معدل حالات الانتحار أعلى بنسبة 10 إلى 14 بالمئة في مقارنة بنفس الفترة من العام الذي سبقه. ربما ساعدت كل خطوة على دفع عدد قليل من حالات الانتحار.

كتب فيرنكويست أن "التغيير المفاجئ الناجم عن الانتقال الجغرافي للفرق الرياضية مؤذٍ حقا، هؤلاء الناس قتلوا أنفسهم لمجرد أنهم فقدوا فريقهم".

ولعل أشهر حالة على الإطلاق لرجل وجد أنه لا يستطيع العيش بدون رياضة هو الصحفي الرياضي جونزو ثومبسون في الولايات المتحدة. أطلق النار على نفسه في فبراير/ شباط 2005 ، بعد أربعة أيام من كتابة ملاحظة باللون الأسود "موسم كرة القدم انتهى. لا مزيد من الألعاب. لا مزيد من القنابل. لا مزيد من المشي. لا مزيد من المرح. لا مزيد من السباحة. 67 سنة مرت، 17 بعد بلوغي الخمسين، ولا يوجد شيء صالح أفعله".

ارهاصات ما قبل الانتحار.. مصدر الصورة موقع دنفر بوست الامريكي.

نحن نعرف أقل بكثير عن العلاقة بين الانتحار وكرة القدم الأوروبية. وفي واحدة من الدراسات الأوروبية القليلة التي أجريت حتى الآن، سأل مارك ستيلز وهو طبيب نفسي في المستشفى الجامعي في نوتنجهام، عما إذا كانت أسوأ هزائم نوتنجهام فورست هي التي أدت إلى زيادة حالات الانتحار، ونظر بالفعل في كشوفات حالات التسمم المتعمد لقسم الحوادث والطوارئ في المستشفى ووجد يومين سيئين للغابة، بعد هزائم الفريق في نهائي كأس الاتحاد الإنجليزي عام 1991 وربع نهائي كأس الاتحاد الإنجليزي عام 1992. وجد أن كلا المباراتين تلاهما زيادة في حالات التسمم المتعمد. بعد نهائي الكأس، كان الارتفاع هامًا من الناحية الإحصائية، مما يعني أنه من غير المحتمل أن يكون قد حدث عن طريق الصدفة.

انتهى بذلك مارك ستيلز إلى أن "الإحباط المفاجئ الذي يواجهه المجتمع بأكمله قد يثبت وجود إجهاد كبير مسبق بالنسبة لبعض الأفراد الضعفاء في هذا المجتمع، ومع أي صدمة لمصادر نشوتهم مثل الكرة، فإن خط الدفاع الأكثر حصانة أمام الانتحار يسقط، ويصبح الإنسان فريسة لنفسه".

ولكن ماذا لو كانت العلاقة بين الانتحار والرياضة أعمق من ذلك؟ إذا كانت الرياضة تعطي معنى لحياة المعجبين، إذا كانت الرياضة تجعلهم يشعرون بأنهم جزء من عائلة كبيرة من عشاق فريقهم، إذا كان المعجبون يأكلون بالفعل وينامون كرة القدم كما هو الحال في إعلانات الشركات الغازية دوما، فربما ربما توقف بعض هؤلاء المشجعين عن قتل أنفسهم. أردنا معرفة ما إذا كان أشخاص لم ينتحروا لأن الرياضة ساعدتهم على البقاء.

مذكرات مشجع لم ينتحر

فريدريك إكسلي من أشد المعجبين بفريق كرة القدم في نيويورك جاينتس، تناوبت حياته بين الحبس في مستشفيات الأمراض العقلية وفترات غير سعيدة قضاها مع عائلته. في عام 1968 نشر إكسلي ما سماه ملاحظات مشجع، أحد أفضل الكتب التي كتبت عن الرياضة.

مذكرات مشجع لفريدريك إكسلي.

يقدم إكسلي نفسه في الكتاب باعتباره رجلًا وحيدًا مدمنًا للكحول منفصلًا عن زوجته، لديه علاقات كارثية مع النساء، ينفر أصدقاؤه منه ويبتعدون عنه تباعًا، ويقضي أشهرًا راقدًا على سرير أو أريكة في منزل والدته أو عمته. لفترة من الزمن كان صديقه الوحيد كلبه ويرتدي سترة صغيرة زرقاء مثله، ويعلمه الوقوف وكأنه رجل.

شيء واحد فقط في الحياة يهتم به، فريق نيويورك جاينتس. أثناء إقامته في مدينة نيويورك يقف ضمن تجمعات المشجعين بالاستاد في كل مباراة مع مجموعة من رجال بروكلين، مرة مع سائق دراجة إيطالي، وأخرى مع أحد رجال الشرطة الأيرلنديين، وثالثة مع ميكانيكي سيارات مراهق، ومرات أخرى اثنان أو ثلاثة لا يعلمهم.. إلخ

"كنا ننسى كل ما تفعله بنا الحياة، وبعد المباراة نكمل بالكحوليات قبل أن نفيق على الذاكرة المفجعة غدا".

من "ملاحظات مشجع"

عندما لا يلعب نيويورك جاينتس، يقضي إكسلي الكثير من وقته في الشرب وحده. ولكن عندما يكون جزءا من اللعبة بالاستاد، فإنه يقضي وقته - حسب مرحلة حياته - إما مع "مجموعة بروكلين" كما يسمّون رابطة تشجيعهم، أو مع أشخاص آخرين في الحانات بعد المباريات، أو مع زوج أمه في المنزل.

علاقته بزوج أمه تعززت بسبب الرياضة "الأمور مع زوج أمي لم تكن أفضل مما كانت عليه في فترة ما بعد الظهيرة أيام الخريف أثناء انتصارات نيويورك جاينتس، بعد وقت لم يكن ملحوظًا في البداية، أمسكت أنا وهو بخيط مثل الرباط المقدس لا ينفك، نحن الاثنان مشجعان متعصبان لنفس الفريق".

ولكن في "يوم كان من الأسوأ في حياتي، جلس زوج والدتي وأنا أحضر طعامنا يراقب التشكيل الذي سيبدأ به فريقنا المباراة، أغلق عينيه وانزلق بصمت على الأرض، و مات دون ألم بسبب انسداد الشريان التاجي".

حتمًا، في مرحلة ما في المذكرات ، يفكر إكسلي في الانتحار. لقد أقنع نفسه بأنه مصاب بسرطان الرئة، ولأنه يحاول تجنب المعاناة التي مر بها بعد وفاة زوج والدته، قرر أن يقتل نفسه. أصبح يشرب مع الغرباء في الحانات ويتحدث معهم كيف أن الحياة بعد انقشاع سحابة السُكْر ليست سوى سلسلة من ستائر سوداء.

شيء واحد فقط تشبث به إكسلي في تلابيب الحياة. نيويورك جاينتس لدرجة أنه لم يعد قادرًا "على تصور ما كان يمكن أن تكون حياتي من دون كرة القدم لتخفيف الضربات المتلاحقة التي تلاطمني شيئا فشيئا".

مات إكسلي عام 1992 بعد أن عاش 63 سنة بسبب سكتة دماغية أصيب بها وحده في شقته. ربما لم يكن قد حصل على هذا العمر من دون نيويورك جاينتس.

هل تكبح الرياضة جماح رغبة المنتحر؟

سؤال أتمنى أن تكون إجابته نعم. في العالم اليوم، قد لا يكون هناك شيء يجمع بينك وبين أبناء وطنك الذين لا تعرفهم إلا منتخب الكرة، لمرة واحدة خلال مشاهدة كأس العالم حدث أن الجميع كان يشاهد مثلم ويشجع مثلك وينفعل معك ومثلك، إن الأشخاص المعزولين - الأنواع الأكثر عرضة لخطر الانتحار - يتم الترحيب بهم فجأة في المحادثات التي تبدأ في الشوارع حول مباريات الفريق الهامة بكأس العالم مثلا.

بخلاف الرياضة ، لا يمكن إلا للحرب والكوارث أن تخلق هذا النوع من الوحدة الوطنية. مثلًا، في الأسبوع الذي أعقب مقتل جون كنيدي عام 1963، لم يتم الإبلاغ عن أي انتحار في تسع وعشرين مدينة تم دراستها. وبالمثل، في الولايات المتحدة في الأيام التي أعقبت هجمات 11 سبتمبر، كانت هناك مرحلة أخرى من "التلاحم" على المستوى الوطني، وفي بريطانيا في عام 1997، انخفضت حالات الانتحار بعد وفاة الأميرة ديانا.

يتوقع أطباء نفسيون عدة أن "تلاحم الأشخاص المعزولين في المجتمع من أجل حمايتهم من الانتحار" من خلال الرياضة قد يتناسب بشكل خاص مع "الأفراد الذين لديهم مهارات شخصية ضعيفة في التواصل (غالباً ما تكون مميزة للأشخاص المصابين بالاكتئاب الشديد أو الانتحار)".

في عام 1956 كان فريدريك إكسلي سكرانًا عاطلًا عن العمل "على الرغم من أنني قد تجاهلت كرة القدم بشكل كامل في سنتي الأولى في نيويورك وتحديدا في خريف عام 1956 بعد أن فقدت وظيفتي، وجدت مرة أخرى أن ما تركته كان هو الشيء الوحيد الذي وهبني الراحة".